• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ((من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر .. الديالكتيك)) 14 .
                          • الكاتب : حميد الشاكر .

((من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر .. الديالكتيك)) 14

اشارالسيد محمد باقر الصدر رض بتناوله للاشتراكية الشيوعية في تمهيده الفلسفي لكتاب ( فلسفتنا) : ان في الاشتراكية مذاهب متعددة وقد ذكرنا ان للاشتراكية جنبة ديمقراطية صناعية  ، ولها جنبة مادية ماركسية ديالكتيكية شيوعية من جانب اخر !!.
ثم ذكر الامام الصدر : ان للاشتراكية الشيوعية المادية الديالكتيكية  صاحبة البحث ثلاث مميزات اساسية  :
الاولى : ميزة  الفلسفة المادية .
الثانية : ميزة الطريقة الديالكتيكية !.
الثالثة : ميزة النسبة لماركس باعتباره مقتبس لهذه الرؤية !.
وذكرنا ان الاشتراكيات الديمقراطية تتبرأ من هذه المميزات الثلاث من منطلق انها دخيلة على الاشتراكيات الديمقراطية الغربية وانهاسبب تشوه الاشتراكية واختطاف مشروعها الانساني القيّم حسب ما وضعه الاشتراكيون الغربيون الديمقراطيون من صفات للمادية وللديالكتيكية الشيوعية الماركسية الدكتاتورية المشوهة !!.
 
نعم اما ماهي  المادية الديالكتيكية الماركسية الشيوعية ،  التي ابتلينا بوبائها المدمر عراقيا وعربيا واسلاميا في الماضي وبقاء جذورها الثقافية والفكرية في قاع فكرنا حتى اليوم كطحالب تخنق كل هواء فكري نقي يصلح للتجديد والتغيير ؟. 
فالسيد الصدر محمد باقر في تمهيده الفلسفي  يبينها على اساس انها : فلسفة خاصة للحياة وفهم مادي لها !.
او كما  شرح مفهوم المادية الفلسفي في كتابه ( اقتصادنا ) على انها : (( تعني ان المادة بظواهرها المتنوعة هي الواقع الوحيد ، الذي يشمل كل ظواهر العالم والوان الوجود فيه وليست الروحيات وكل مايدخل في نطاقها من افكارومشاعروتجريدات الا نتاجا ماديا  وحصيلة للمادة بدرجات خاصة من تطورها ونموها ، فالفكر مهما بدا رفيعا ، وعاليا على مستوى المادة  ، فهو لايبدو في  منظار المادية الفلسفية الا نتاجا للنشاط الوظيفي للدماغ ولايوجد واقع خارج حدود المادة )).1.
 
وبهذه المادية  الماركسية الشيوعية ، حكمت هذه المدرسة على كل شيئ : انه نتاج مادي لاغيرفما الوجود الا منتج مادي وما الانسان وفكره ونظرية معرفته واخلاقه ومشاعره ودوافعه ....الا كذالك مجرد منتج مادي لايمت باي صلة لاي شيئ غير الصلة المادية ، وما فكرة الاديان والله والخالق وباقي الغيبيات اللاهوتية الا مجرد خداع طبقة راسمالية حاكمة تاريخيا وحتى اليوم تحاول شحذ اسلحتها المعنوية كما شحذت اسلحتها الاقتصادية والمادية ضد الطبقة العاملة ، وهكذا كل علم او مدرسة او فن او رؤية...الخ تستلهم افكارهامن غير المادية وانعكاساتها على الانسان فهي مدارس وافكار وقيم وفنون رجعية وغير علمية ولا تطورية ولايمكن لها ان تكون ثورية بروليتارية شيوعية ماركسية اشتراكية مادية  !!.
اي وبمعنى اخر رديف لتعريف المادية من خلال تعريف الانسان  المادي ، يمكننا القول: ان معرفة  الشيوعي المادي الاشتراكي تتبلور في كونه انسانا يؤمن بالمادة فحسب في تصوراته الايدلوجية ، وملابساته الفكرية ، واخلاقياته الانسانية  وفنونه التجريدية وغير التجريدي حسب التبيين الشيوعي لانسانها الماركسي والا بغيرهذه المادية يفقد الشيوعي هويته الشيوعية المادية ليصبح اما مثاليا اودينيا واقعيا حسب تقسيم الامام الصدر للتوجهات الانسانية ونقلها من قسمين هي المثالية والمادية الى اضافة قسم ثالث ، اسماه الامام الصدر بالقسم الواقعي العقلي الاسلامي الذي يؤمن بالواقع المادي ولايصادرالمعنوية من الحسابات !!.
فمثلا اذا وجدنا فنانا يؤمن بتاثير المعنوية او الاخلاقية على الفن او ينظر الى الفن انه طائر بامكانه ان يتمرد على قيود المادية ، واغلالها واقبيتها المظلمة ، فان هذا الفنان برسم صفات الشيوعية ومدرستها الاشتراكية المادية فنان رجعي باعتبار انه فنان يؤمن بما فوق المادية من وجود وتاثير وفاعليه فهو  اذا  ليس علميا ولايمكن له ان يكون تطوريا ثوريا  شيوعيا بسبب ايمانه بماوراء المادة من فن !!.
وهكذا ان وجدنا شيوعيا يؤمن بما فوق المادة من لاهوتيات غيبية كالايمان بخالق لهذا الوجود او الايمان بحياة بعد هذا الوجود المادي ، فمثل هذا الانسان  هو حتما انسان مصاب بالازدواجيةفي شخصيته الفكرية بسبب جمعه بين الانتماء للشيوعية المادية من جهة وادعائه الايمان بالغيب وماوراء المادة والله .... في حياته الفكرية والسلوكية ، او انه انسان غير شيوعي مادي  لانه انسان لم يلتزم بالمادية  كميزان اعلى وكهوية فلسفية اصيلة في هويةالانسان الشيوعي المادي الذي يرجع كل شيئ للمادة كالاه وخالق وصانع ومؤثر !!.
 
اما مايتعلق ب(الديالكتيك)  كمميز ثاني ومفصل من اهم المفاصل الفكرية للمدرسة الاشتراكية الشيوعية الماركسية ، وتأتي بالمرتبة الثانية من ترتيب الهرمية الفكرية الاشتراكية الشيوعية ، فعلى مستوى التعريف ، فان الامام السيد محمد باقر الصدر يعرفه  في تمهيده الفلسفي على : ((  انها طر يقة فكرية تُفسر من خلالها حركات التاريخ والانسان ، والعالم والسنن والقوانين الاجتماعية  والطبيعية والكونية وحتى النفسية الفردية )) !!.
او بمعنى تعريفي صدري خالص للديالكتيك فالطريقة الديالكتيكية : (( هي القوانين التي تفسركل تطور وصيرورة بالصراع بين الاضداد في المحتوى الداخل للاشياء فكل شيئ يحمل في صميمه جرثومة نقيضه ويخوض المعركة مع النقيض ويتطور طبقا لظروف الصراع  )) . 2 .
اي ان الديالكتيك (منطق للتفكير البشري)  العلمي على  حد زعم الشيوعية المادية ومن خلاله نستطيع فهم حركة كل شيئ في هذا الكون  والعالم والمجتمع والانسان وهو منطق يتجه الى القول ان حركة كل شيئ ، بما ان كل شيئ متحرك ومتطور في الفكر الشيوعي الماركسي في هذا العالم قائمة على عملية صراع ذاتي للاشياء ومن داخلهافكل شيئ في الوجود يحمل نقيض وجوده وجرثومة صراعه من داخله وما الحركة فيه الا نتاج هذه الجرثومة ، التي تحركه وتتحرك بداخله الى ان تصل هذه الجرثومة بصراعها مع وجودها القائم  الى نقطة التصادم الكلية ، لتنتصرعلى الوجود القائم وتخرج هي من شرنقتها التي كانت بالقوة لتصبح وجودا على انقاض الوجود السابق بالفعل ، وهذا هو معنى التطور ، ومعنى الحركة ومعنى التغير في منظومة المنطق الديالكتيكي الشيوعي الذي من خلاله نستطيع فهم حركة اي شيئ في الوجود وندرك كيفية هذه الحركة والى اين هي تتجه  !! .
والحقيقة ان الامام الصدر رحمه الله قد تناول هذا المنطق الديالكتيكي  وبكل ابعاده المفصلية في كتاب فلسفتنا بل يمكننا القول ان كتاب فلسفتنا للسيد الصدراخذ شطره الاوسع لمناقشة الديالكتيك المادي الشيوعي الاشتراكي الماركسي ، حتى وصل الى تفكيكه بالكامل وهدم مدعياته من الاساس ، وكل ذالك المجهود الفكري بذله الامام الصدر لادراكه ان هذا الديالكتيك ، بما يؤسسه من نمط ، واسلوب تفكير هواساس الرؤية الشيوعية للتاريخ وللمجتمع وللكون والانسان...وبهدمه سيسقط العقل المفكر للمدرسة الشيوعية ، وعلى هذا الاساس تناول الصدر الد يالكتيك بالنقاط الرئيسية التالية :
اولا : تفنيد الصدر لخداع  ، وتزييف الاعلام الشيوعي المعروف بصناعته الكذب والترويج له على اساس ان الفكر الشيوعي الاشتراكي هو الوحيد ، الذي يؤمن بان العالم متحرك ومتطور ومتقدم ، اما باقي المدارس الاخرى الفكرية والدينية فانها مجرد مدارس مثالية لاتؤمن لا بالتطور ولا بالتقدم ولا بالحركة لهذا العالم ، انما هي مدارس تؤمن بالتحجر والجمود في رؤيتها لهذا العالم ككل !!.
بينما الامام الصدريطرح ان كثير من المدارس ومنهاالمدرسة الاسلامية العقلية هي الاخرى تؤمن بان هذا العالم عالم حادث ومتحرك ومتغير ومتطور فهي اذا  ليست ميزة للفكر الشيوعي ليقال انها المدرسة الفريدة ، التي تؤمن بحركة العالم وتطوره وتغيره !!.
ثانيا : نبه الامام الصدر ،  وهو يناقش الديالكتيك الشيوعي الى اهداف صياغة هذه الرؤية للديالكتيك ولماذا ارادت الشيوعية الماركسية ان تكون حركةالديالكتيك قائمة على صراع النقائض ومن داخل الاشياء وليس من خارجها ؟.
فاجاب الامام الصدر: ان الشيوعية المادية ارادت ارجاع اي حركة للعالم الى ذاته ومن داخله هروبا من فكرة (( ان لابد لكل متحرك من محرك )) واذا اردنا البحث عن المحرك الحقيقي لهذا الوجودوالعالم الذي امنت الشيوعية بحركته الدائمة فنحن امام خيارين لاثالث لهما :
اما القول ان المحرك هو من خارج المادة والعالم ، وعندئذ لابد من التسليم بوجود محرك اعظم هو الله سبحانه ، وهذا ما تفرّ  منه مادية الالحاد الشيوعي الماركسي فرار الحريق !!.
واما ان نرجع الحركة لذات المتحرك ومن ثم لنطرح منطقا ديالكتيكيا اقل ما يقال بحقه عند اهل العلم والخبرة انه محاولة خداع فكرية مفضوحة لاستغفال البسطاء من البشر في هذا المضمار  ! !.
وعلى هذا الاساس بيّن السيد الصدر اهداف المنطق الماركسي الديالكتيكي ولماذا هو طرح فكرة صراع النقائض في الاشياءوكيف استطاع ان يستغفل العقل العلمي والفلسفي ليقلب المعادلة راسا على عقب للهروب من فكرة ان الحركة لايمكن لها ان تصدر من ذات المتحرك !!.
ثالثا :بين الصدر وهويناقس الديالكتيك ان الشيوعيين والماركسيين ليسوا فقط ذهبوا بعيدا في ديالكتيكهم المزعوم ، بل انهم ابانوا عن عوراتهم الفكرية الفاضحة عندما لم يدركواحتى معنى ابسط المصطلحات الفكريةالعقلية ومنها قاعدة (( عدم اجتماع النقيضان في حيز واحد )) فذهبوا للتنظير الى كيفية خلق صراع مزعوم بين هذه المتناقضات ليطرحوا المعادلة بالمقلوب ليصبح الديالكتيك ماهو الا امكانية اجتماع النقائض وصراعها في حيز واحد لاغير !!.
بينما الامام الصدر شرح بما لالبس فيه صحة قاعدة (( عدم اجتماع النقائض )) وان ما تحدثت عنه المدرسة الماركسية شيئ مختلف عن مفاهيم ومدارك هذه القواعد الفلسفية الرصينة !!.
رابعا : كذالك شرح الامام الصدرفي كتابه ( فلسفتنا ) ان منطق الديالكتيك مناقض لاهم القوانين الكونية والعالمية والاجتماعية والانسانية والفكرية العلمية الا وهومبدأ (العلية في العالم) او مبدأ السببية  القائم على ان لكل علة معلول ولكل سبب مسبب فهذه القوانين هي الاساس الاول والاخير لقيام العلم في هذا العالم وكون الديالكتيك يحاول من خلاله طرحه لمبدأ صراع المتناقضات تحويل اسباب وعلل الاشياء الى  مسببات ومعلولات نفس الاشياء  !!.
فهذا خلف للمنطق العلمي والفلسفي القائل باستحالة تحول العلل والاسباب في حالة صراع الى مسببات ومعلولات بعد انتصار المعلول على علته كما يطرحه المنطق الديالكتيكي الشيوعي في بيان حركة الاشياء وتطورها !!.
بمعنى اخر:اثبت الامام الصدر من خلال فكره الفلسفي استحالة ان تكون المسببات اكبر من اسبابها في اي حالة او زمن من الازمان ،كما ان علل الاشياء لايمكن لها ان تتحول في عملية صراع ديالكتيكية كما تزعم الهيجلية ،  ومن بعدها الماركسية الى معلولات في وقت من الاوقات ، ولهذا يرى الامام الصدر ان الافتقار الفكري الواضح للفلسفة الجدلية التي اسسها هيجل والمادية الشيوعية التي نظر لها ماركس هو الذي دفعها للاعتقاد ، بان الديالكتيك : هو القانون الواقعي الوحيد الذي بامكانه ان يفسر قوانين وحركة هذا العالم !!.
بينما الواقع يقول ان الديالكتيك كمنطق مفسرلحركة قوانين الكون والحياة والطبيعة ماهو : الا منطق لايمت للواقع وللعلم باي صفة كانت ، وماهو الا محاولة سياسية لصناعة قانون صراع سياسي المراد منه توظيفه فيما بعدليكون هو قاعدة الصراع الاجتماعي للفكر الشيوعي لتهديم المجتمع واعادة تشكيله بشكل وبصورة ايدلوجية مناسبة للتصورات الشيوعية المادية الماركسية !!. 3 . 
نعم ناقش ايضا الامام الصدر رض الديالكتيك بغيرهذه النقاط الاربعة التي ذكرناها كمفاصل وعناوين لبحث السيد الصدر لمفهوم الديالكتيك ، ولكن يبدو ان هذه النقاط الاربعة وهي: اختطاف مفهوم التطور واختصاره على الفلسفة المادية ، والاهداف السياسية لهذه الصياغة الفكرية للديالكتيك او لحركة العالم ،وقصور او افتقار الفكر الماركسي في ادراك بعض المفاهيم الفلسفية ،مضافا الى نتيجة ان الديالكتيك بشكله الشيوعي المادي ماهو الا خيال سياسي اكثر منه رؤية فكرية وعلمية لتفسير العالم .... استطاع الصدر تهشيم القواعد الفكرية للمادية الاشتراكية الشيوعية !!.
يتبقى لنا في هذه الحلقة ان نتناول المميز الثالث للمادية الاشتراكية الشيوعية والذي ذكره الصدر في تمهيده الفلسفي بالقول :
((ولاريب  في ان الفلسفة الماديةوكذالك الطريقة الديالكتيكية ليستا من بدع المذهب الماركسي ، وابتكاراته فقد كانت النزعة المادية تعيش منذ الاف السنين في الميدان الفلسفي سافرة تارة  ومتوارية تارة اخرى وراء السفسطة والانكار المطلق كما ان الطريقة الديالكتيكية في التفكير عميقة الجذور ببعض خطوطها في التفكير الانساني  وقد استكملت خطواتها على يد (( هيجل )) الفيلسوف المثالي المعروف وانما جاء (كارل ماركس) الى هذا المنطق ، وتلك الفلسفة فتبناها  وحاول تطبيقها على جميع ميادين الحياة   ...)) 4.
وهذا ماسوف انشاءالله نتناوله في الحلقة القادمة استكمالا لهذاالبحث لنناقش ماركس واضافاته الحقيقية للفكر المادي الديالكتيكي ، وهيجل كمؤسس مثالي عده الكثيرون من فلاسفة ومفكري اوربا على انه اخطر من نظر للصراع العالمي في هذه الحياة !!.
 
1: اقتصادنا / للسيد الصدر / مصدر سابق / ص 55.
2: اقتصادنا / ص 56 .
3 : راجع لمعرفة وجهة النظر الفلسفية للامام الصدر كتاب فلسفتنا / مصدر سابق / حيث ناقش الصدر كل ماذكرناه بصدد الديالكتيك من ص 179 في التمهيد الى ص 250 من نفس الكتاب .
4 : فلسفتنا ، السيد الصدر / التمهيد / ص 24 .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=11216
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 11 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 15