• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : سوق السعادة .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

سوق السعادة

كانت العمة (نجية) امرأة غنية تمتلك دارا كبيرة في حي فقير، وكانت النساء ينظرن اليها كإمرأة برجوازية فهي (الحبوبة، المولدة، الفنية، الماهرة، والملاية) التي لا تقيم مجالسها إلا في أرقى البيوت، وتتواجد دائما في المناطق الراقية ولها علاقات مع نساء ربما لم يزرن مثل هذه المناطق طيلة حياتهن... دعته ذات يوم ليدخل دارها كي يساعدها في ايجاد بعض البيانات ـ سجلات كبيرة تراكم عليها التراب. كان يشعر بسعادة كبيرة وهو يقوم بعمله الذي يدر عليه ارباحا كبيرة بالنسبة له ويشعر بأنه كبر الى الحد الذي اصبح فيه موظف ذاتية.. لكن ينتابه الحزن حين يتذكر ان العمة مازالت تراه صغيرا وهو الذي ما تعوّد ان يراها دون حجاب.. لاحظ ان هذه المرأة اخذت تفتعل بعض الأمور غير الضرورية من اجل ان تبقيه في البيت زمنا اطول فصار يقضي الساعات في منزلها.. كان (احمد) ينظر الى تلك المرأة بشيء من الألم: ما فائدة ان تملك دارا كبيرة واثاثا راقية وهي خالية لا روح فيها؛ فلا أب ولا أم ولا زوج ولا اطفال... كأنها مقبرة انيقة لا اكثر.. وكانت هي فرحة ايضا بوجود احمد ولذلك تكرر دائما على مسامعه: خذ راحتك... البيت بيتك... قالت له ذات يوم: أنا افرح بك كثيرا حين تأتي الدار وتملأها حركة ومرحا انا دونك حزينة.. فقال لها: وستبقين طوال حياتك ميتة لاروح فيك!! نظرت اليه شزرة حائرة من هذا الجواب الصلف، وقالت له وهي دامعة: لِمَ ياولدي تتشاءم لعمتك بهذا الشكل بدل أن تدعو لها بالخير؟ قال: اسمعيني عمة السعادة لا تأتي صدفة... أخضعت العمة حواسها له، إذن كيف تأتي؟ همس في أذنها: السعادة ياعمة تحتاج الى فعل سعيد ـ استفاقت مندهشة وكأنها تصحو من غيبوبة، وهي تتمتم بالصلوات سرعان ما ارتدت حجابها وكأنها فجأة شعرت برجولة هذا الطفل وبنضوج عقليته المدهشة... وقررت أن تجاريه.. كيف؟ هل سأخرج للناس وأتوسلهم بعض الفرح والسعادة والحنين؟ أجابها وهو يعتد بنفسه: كم عندك من أموال؟ فأجابت: هل تحتاج الى شيء؟ قال: لا ولكن لأشتري لكِ بها سعادة تكفيك العمر كله!! أكيد هذا الطفل مجنون هكذا قالت لنفسها، ولكن ما المانع من مجاراته لمعرفة حجم ما يفكر به، وهو بهذا العمر الندي فسألته: وهل هناك من يبيع السعادة؟ أجاب مبتسما وبثقة نفس عالية: نعم.. واذا شئت قومي معي لأشتري لكِ ما تريدين.. والمرأة لم تكذّب الخبر، تناولت عباءتها وهي تسأله: كم سنأخذ معنا من نقود؟ قال لها: هذه المسألة تخضع لك وما تحتاجينه انتِ من سعادة؟ هي تضحك في سرها من هذا العبث البريء ولكن القضية يبدو جادة.. وفعلا خرجت معه وهو يأخذها الى قلب المحلة، اسمعيني عمة: انتِ لكِ عالمك الذي تعيشينه هو عالم ضيق ميت لاروح تدب فيه، فتعالي لتنظري ما لا تتوقعين... أوقفها بباب أحد البيوت وأشار هذا بيت (ام جاسم) لايبعد عن بيتك كثيرا تعيش فيه امرأة ارملة وخمسة ايتام، جوع حد النخاع، وكرامة لا تطأ الرأس، هل تعرفينها هل مررت يوما بهم؟ هل سألت عنهم؟ وتلك دار أخرى لـ(عمو ابو فلاح) أب مريض يرقد في الفراش وأربع بنات، وبيت اجار يعيشون على حسنات المتصدقين؛ هل سمعت عنهم؟ وتلك دار (ابي فاطمة) رجل معوق وعائلة تموت من الجوع كل يوم... أين انت عنهم ياعمة؟ وبقي يتحدث ولا يدري ان العمة شبعت بكاء خلف حجابها، فسألته: احمد هل تعرف الكثير من هذه العوائل؟ أجابها: نعم الكثير الكثير فأنا ابن جميع هذه البيوت ياعمة، اعرف الكثير من الجياع والمنكوبين. توقفت فجأت (نجية الحبوبة) هذه المرأة الغنية لتسأله:ـ كم عمرك يا أحمد؟ فأجابها: عشر سنوات... لِمَ تسألين؟ أنت ذكي يا احمد... لقد تعلمت منك درسا لن انساه، لقد عثرت الآن على سعادتي ـ سأشتري من هذا السوق كل ما أقدر عليه... ومن يومها والعمة (نجية) لاتفارق تلك البيوت التي ابتدأت تبتسم للحياة من جديد.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=115505
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 02 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 18