• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : فكرة الإمام المهدي – عليه السلام – وبافلوف. .
                          • الكاتب : صلاح عبد المهدي الحلو .

فكرة الإمام المهدي – عليه السلام – وبافلوف.

أرأيتَ الكلب في تجارب بافلوف؟
إنه يضع له قطعةً من اللحم في صندوقٍ أبيض من مجموعة صناديق مختلفة الألوان,فإن الكلبَ يتفحص الصناديق جميعاً حتى يجدها في الصندوق الأبيض.
فإذا جاء اليوم التالي فإن الكلب أول ما يأتي إلى الصندوق الأبيض,ليأخذ قطعة اللحم,ولكنك لو وضعتَ القطعة في الصندوق الأحمر,فإن الكلب سيفحص جميع الصناديق حتى يجدها في الصندوق الأحمر,ويبدأ يومه الثاني من بعد بالصندوق الأحمر,كما بدأها من قبل بالصندوق الأبيض.
ولكنك جرِّب أن تجعلها في الصندوق الأصفر ,فإنه سيتفحص الصناديق جميعاً حتى يجدها في الأصفر,بعد أن خاب ظنَّه في أول ما بدأ به,وهو الصندوق الأحمر.
ولكن حذار أن تضعها في الصندوق الأخضر مثلاً في اليوم التالي ؛لأن الكلب المسكين سيفقد الثقة بكل الصناديق,وسيقوم بفحص الصناديق جميعاً حتى يجد قطعة اللحم,حتى لو اعتدتَ أن تضعها في صندوقٍ ذي لونٍ معينٍ دائما.
والحق – يقول لك صاحبنا الذي ستعرفه عن قليل - أنَّ هذه النظرية تنطبق على الشعوب أكثر مما تنطبقُ على الكلاب,وأن الشعب الذي ينقل إيمانه وتطلعاته من شخصٍ إلى آخر باعتقاده أنه المهدي المنتظر,هو في الحقيقة مثله كمثل كلب بافلوف حين يبحث من صندوقٍ إلى آخر باعتبار أنَّ قطعة اللحم فيه!!!
لم تجد مجلة (العربيُّ) الكويتية غير المدعو (جلال أحمد أمين) ليكتب عن المهديِّ المنتظر في عددها السابع والثمانين بعد المائتين وأن يبحث في جذور الفكرة,وأصل النظرية ,وإنَّ خير من استأجرتَ – على الأمانة العلمية في البحث,والإطلاع التاريخيِّ على الحوادث - القويّ الأمين,تحسبه من المفكرين وليس منهم,كما تحسب الحوت من الأسماك وليس منها,وتراه من الباحثين وما هو كذلك,كما ترى الخفافيش من الطيور وليس هنالك.
وهو – رغم اعترافه – في صدر بحثه أنَّ هذه الفكرة غير مقصورةٍ على الشيعة,ولا محبوسة على عقائدهم , فما من داعٍ أن يشاركهم السنيُّون بالاعتقاد بها,وينفردون عنهم بالتعجب منها, ولكنه شاء أن يُعلِّل للفكرة,يوم نشوئها بذرةً تحتاجُ الماء للنماء,وتأسيسها عقيدةً رسختْ في البناء,فيقطفُ النَّاسُ من جنائنها خيرَ جنائِها إلى عامل الاستبداد في الحكم,والتعسف في المُلك أولاً,وإلى أن الإسلام تحول – بعد فتوحاته - من مجرد دين إلى أسلوب حضارةٍ وعيش,ذلك بعد أن قدَّم مقدَّمةً يرى فيها أن الفكرة جاءت من البداوة إلى الحضر,ومن رمال الصحراء القاحلة,إلى حضارة المدينة ثانيا.
ونُريد أن نهمسَ في أذنيهِ بكلماتٍ عاجلة في محاسبةٍ سريعةٍ بما سطَّره في طوماره من هُراء,وحشا به حناياه من افتراء,
والكلمة الأولى:- زعم أن مكان الفكرة هو البداوة, وزمانها بعد الفتوحات, حسناً ,إذن كيف نفسر صدور الأحاديث الدَّالة على أن الخلفاء اثنا عشر من قريش,وأنه – صلى الله عليه وآله – ترك فيهم الثقلين الكتاب والعترة وأنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض – التي تدلُّ بالدلالة الالتزامية – على وجوده عليه السلام,أو الأحاديث المتواترة التي ذكره فيها الرسول – صلى الله عليه وآله – صراحة وبالدلالة المطابقية أنه سيحكم سبع سنين,وان عيسى بن مريم سينزل وهو فيهم,ولو لم يكن قبل القيامة إلاَّ يوم لأطاله الله تعالى حتى يخرج, كيف نفسر صدور هذه الأحاديث المتواترة لفظاً,وإن أبيت فإجمالاً في المدينة المنورة,وليس في صحراء نجدٍ مثلاً,وفي عهد الرسول – صلى الله عليه وآله – قبل الفتوحات وليس بعدها كما زعم عن قليل؟
الكلمة الثانية:- زعم أن هذه الفكرة نتجت عن استبداد الحاكم الظالم,وأن الشعوب نتيجة العجز والذلِّ,أو لأجل الخوف والجبن,أو لقلة الحيلة ومنتهى الحكمة لم تقم بواجبها في الاستبسال على الاستبداد,ولا بحقها في الثورة على الطغيان ,فكيف يفسر لنا – صاحب البحث العلميِّ – بوجود هذه الفكرة عند كثيرٍ من شعوب العالم التي كانت تعيش في ظلال العزة في الملك, وتتفيأ مقيل المنعة في الحكم؟ عند المعتنقين للأديان من مِلَلِ اليهود والمسيحيين ,وعند المؤمنين بالأوثان من نِحَل السيخ والبوذيين ,وعند المنتمين للأعراق كما في الحبشة الذين يزعمون أن النجاشيَ سيعود اليهم , والإسبانيين الذين يظنون أن ملكهم تيودور سوف يخلصهم من القهر والعنت.
بل إن الأجواء التي نشأت فيها الفكرة,أيام عهد الرسالة,وبزوغ فجر الإسلام,كان فيها الجيش الاسلامي قد بسط نفوذه في ربوع شبه جزيرة العرب,وحطم الأوثان من على ظهر الكعبة, وأقام دولةً دينيةً , رائدها عدالة النبيِّ المصطفى, ودستورها آياتُ القران المُنزَّل ,فلم يعرف المسلمون في عهده – صلى الله عليه وآله – غشم الرئيس,وذلة المرؤوس,ولا عسف السلطان وخنوع الرعية,فكيف نفسر نشوءها لعلة الاستبداد في ظلِّ نظامٍ كان من أسرار قيامه وبقائه العدالة والمساواة؟
ألم يكن النبيُّ – صلى الله عليه وآله – يشدُّ حجر المجاعة على بطنه؟ ويستدين لقوته؟ ويعمل بيده,ويخصف نعله؟ وينام على الحصير البالي حتى يظهر أثرُهُ على خدِّه الشريف؟,فلم يرَ لنفسه امتيازاً على غيره من ناحية الأموال مع أن له من الخمس قطائع السلطان ولكنه آثر أن يعيش عيشة العبيد,حتى عيَّرته إمرأة بقولها :يا محمد! إنك لتجلس جلسة العبد,وتأكل أكلة العبد! فيقول لها معترضا: ومن أعبد مني؟,ولقد جاءه جبريل بأمرٍ من ربِّ العزة يخبره انه – صلى الله عليه وآله – لوشاء,لصارت جبال تهامة ذهبا,فيقول كلا,أجوع يوماً فأصبرواشبع يوما فأشكر.
أفي ظلِّ ها القائد العظيم يكون الظلم والغشم,ليخلق الناسُ فكرة المهديِّ الذي سيملؤها عدلاً كردة فعلٍ على الاستبداد الذي ملئها ظلما؟

وأما ما ذكره من قصة كلب بافلوف,فحمارٌ من يظنُّ أن الشعوب تفكر كما يفكر الكلاب,بل الصحيح أن بعض المثقفين يفكر كما يفكر كلب بافلوف, هاتِ مثقفاً على شاكلةِ صاحبنا, وضع له فكرةً سقيمةً من كتابٍ لمستشرقٍ حاقدٍ على الإسلام,فسوف يأتي صاحبنا المثقف ليهذيَ بها في أول علمه حتى إذا ردَّ صاحبُ علمٍ سهمه إلى نحره,ولم يُخطئ الوهدة من لبّه, أعطهِ نظريةً جوفاء لصليبيٍّ يكره التشيُّع فستراه ينعق بأفكارها من يومه,حتى إذا أتاه الحجر من حيث جاء,وصارت نظريته باطلاً يذروه في الفضاءِ الهواء,وتسفي عليه أذيالَ الخيبةِ الرياح,فلقِّفْه سماجةً من ناصبيٍّ أهوج فستراه يضلع فيها مشية الأعرج ,حتى إذا أخطأ الرميَّة ,وأشوى الغرض صار يذهب في زاوية كلِّ كتابٍ لزنديق,أو رسالةٍ لعضروط ليُشكل على الفكرة ,ويعترض على المبدأ.
لقد صرَّحت التوراة بأن الصديقين سيرثون الأرض,وحين ثار العباسيون على الأمويين سمَّى أبو عبد الله السفاح العباسيُّ ولده محمد بالمهديِّ ليُوهم الناس انه هو المهدي المنتظر وزادوا في الأحاديث أن اسمه يُواطيء اسم أبي,وجاء من بعده نابليون لمَّا دخل مصر وكتب كتاباً لهم بدأه بالبسملة نفى فيه عقيدة التثليث والمسيحية وزعم أنه المهدي المنتظر,وكذلك ثار السودانيون ضد الانكليز بقيادة المهدي السوداني الذي تسمَّى بهذا الاسم – وهو من الصوفية - لما لهذا الاسم من أثرٍ ثوريٍّ ضد الطغاة وأخيراً وليس آخراً زعم السلفي الجيهمان الذي ظهر في مكة المكرمة في ثمانينيات القرن المنصرم انه هو المهديُّ المنتظر حتى قتله الكوماندز الفرنسي في الكعبة.
ويظهر من ذلك أن المهدي مصباح نهضة,وزيت ثورة,وليس تبريراً للقعود عن الحاكم المستبد كما زعم المذكور.
هذا ما هممتُ بكتابته خلال هذه العجالة,على تبلبل الاحوال,وانشغال البال,والله أسأل قبول الاعمال.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=118591
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 05 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 28