• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الديمقراطية العربية تناشز الخطاب والممارسة .
                          • الكاتب : د . رائد جبار كاظم .

الديمقراطية العربية تناشز الخطاب والممارسة

يضحكني كثيراً أمران، الأول هو مسألة تصدير الديمقراطية من قبل الغرب للشعوب العربية والاسلامية، والثاني ايمان بعض الباحثين المسلمين بالتقارب الكبير بين الديمقراطية والشورى في الاسلام، ومحاولة التوفيق والتقارب والتحاور بين الاثنين. أعتقد أن الغرب ليس جاداً في قضية اشاعة الديمقراطية عربياً، وانما فعل ذلك وفق نظام وسياسة السوق، وهي الموضة الجديدة التي يتصارع عليها الغرب تجاه الشعوب التي يسيطر عليها، فما عاد للسيطرة العسكرية دور اليوم مثلما هو دور الافكار والثقافات والاقتصاد، فعقلية الغرب عقلية السوق، العرض والطلب، الربح لا الخسارة، ولغة العولمة اليوم لغة معرفية اقتصادية، والصراع بين الدول الكبرى تجاه الدول والشعوب الضعيفة انما هو من أجل السيطرة على ثرواتها ونهبها ونشر ثقافة جديدة بين الناس تدعوهم للايمان بما يفكرون ويطرحون من أفكار وآراء، فلم أعد اليوم أصدق تلك الكذبة واللعبة التي أسمها (الديمقراطية) عربياً، لأننا غير مؤهلين لمثل هكذا نظام سياسي كبير، أشبه ما يكون ببرنامج سياسي مثالي لا يتحقق بسهولة على أرض الواقع، وما أخذه العرب من الديمقراطية الغربية أنما هو شكلي فقط، يتناقض تماماً والديمقراطية الغربية وفلسفتها، فكأنما هناك نسختان، نسخة غربية أصلية للديمقراطية، وهناك نسخة عربية مقلدة مشوهة ليس لها من الأولى سوى الأسم، لأن الديمقراطية نظام يقوم وفق فلسفة ووعي وممارسة فعلية حرة تجاه الذات والآخر والمجتمع، والديمقراطية العربية أشبه بفوضى عارمة، وقد أدرك المفكر العربي هذا الشيء، وأوضح مدى صعوبة تطبيق وممارسة النظام الديمقراطي على المستوى السياسي والاجتماعي العربي، لأن الديمقراطية ليست فكراً فحسب وانما ممارسة وسلوك أيضاً، وهناك وجهة نظر للمفكر علي الوردي (ت1995) يبين فيها فضل الديمقراطية وفضائلها من جهة وصعوبة تطبيقها في مجتمعاتنا من جهة أخرى، فهو يرى ان النظام السياسي الديمقراطي فيه حسنات وايجابيات من جهة وسلبيات واخفاقات من جهة أخرى، وهذا ما يجعلها تقوم على أساس التنافس بين الاحزاب لتقديم كل ما هو نافع ومفيد، لا على أساس التدافع والتنازع السلبي الذي يقود الى القتال والدماء كما هو في عرف الانسان العربي ذو القيم البدوية، (فالديمقراطية عادة اجتماعية قبل أن تكون فكرة طوبائية. ونحن نحتاج الى ممارسات هاتيك التجارب القاسية جيلاً بعد جيل، فنقوم بها ونقع عدة مرات، حتى يتغلغل منطق الديمقراطية في صميم مفاهيمنا وتقاليدنا، وعندئذٍ نخرج من قوقعتنا الفكرية القديمة الى عالم أوسع يكون فيه التنازع والتعاون صنوين لا يفترقان.)(1)
 ويرى محمد عابد الجابري (ت2010) ان الديمقراطية نمط من الانظمة غريب على الواقع العربي، حيث يقول : ( لا أكتم القارىء أنني أحس كلما وجهت تفكيري الى قضية "الديمقراطية" في الوطن العربي، القديم منه والحديث والمعاصر، احس وكأنني اُريد اقحام عنصر "غريب" في جسمه. غير أن ما يجعلني أُقاوم هذا الاحساس، ولا أستسلم له، هو ايماني بأن لا شيء يبرر الحكم بأن هذا الجسم "يرفض" بطبيعته ذلك العنصر "الغريب" عنه : الديمقراطية. ).(2) 
أدرك الباحث والمثقف العربي أيضاً الفارق الفكري والزمكاني بين كل من طبيعة المجتمعات العربية والمجتمعات الغربية، فهذا الأمر يعد من الأمور المهمة في كيفية طرح الديمقراطية في المجتمعات ومدى تقبلها والتفاعل الحقيقي معها، فهي ليست مجموعة من الأسس والقواعد السحرية التي يمكن تطبيقها في أي مجتمع، بل طريقة في التفكير والعيش والحياة،وهذا ما جعل الكثير من علماء السياسة والاجتماع يسجلون ذلك الفارق البنيوي في طبيعة المجتمعات، وهذا ما دفع الكثير من المفكرين والدارسين للاجابة عن سبب الأخفاق في بناء الأنظمة الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية وغيرها من المجتمعات، بينما تنجح في مجتمعات أخرى، فعلي الوردي يرى ان السبب يعود الى طبيعة تلك المجتمعات وطريقة تفكيرها، فالغرب تطبع على النظام الديمقراطي لأنه غير طريقة تفكيره وفق اسلوب علمي ومنطقي واقعي وعملي، أما شعوبنا التي تخفق فيها الديمقراطية فهي ( تعيش بعقلية القرون القديمة، ويسيطر عليهم المنطق القديم، منطق الحق المطلق الذي يحتكره فريق من الناس دون فريق.).(3) 
ويرى الوردي ايضاً أن رغبة وطموح الكثير من القادة والحكام بأن يكونوا ديمقراطيين ولكنهم لا يقدرون على ذلك لأن الديمقراطية سلوك وممارسة تحتاج الى جهد جهيد، فترى الكثير من أولئك (يؤمنون بالديمقراطية ويذرفون الدمع السخين هياماً بها وشفقة عليها، وهم يسجنون الناس او يقلتونهم من أجلها، ولكنهم لا يطبقونها.)(4) 
ولابد من فهم حقيقة أساسية وهي رؤية ودعوة الكثير من الدارسين والباحثين للتطابق بين الديمقراطية كنظام سياسي، والديمقراطية كقيم وسلوك يومي يطال حياة الانسان برمتها، وشرط ضروري لبقائها ونجاحها وديمومتها وهو التعانق بين الجانب النظري والعملي معاً، ( فأن معطيات الوعي الديمقراطي، لا تعني ـ بحصر المعنى ـ الممارسة الانتخابية ولا تدخل في شروطها عدد الذين أنخرطوا فيها، بقدر ما تؤكد على حقيقة انها أولاً وقبل كل شيء قيم حضارية وثقافية عقلانية وموقف انساني وانتماء وطني، يردفها بناء مؤسسات دستورية فاعلة وانماء ممارسات اجتماعية ناضجة.).(5) 
ان كل فلسفة ونظرية ونظام تحتاج الى مجموعة من الأسس والاصول التي تستند عليها وترتكز، ولكنها لا تبقى ضمن هذا المجال التنظيري فقط، وانما لابد لها من التفعيل والممارسة والسلوك على المستوى الواقعي الاجتماعي والسياسي والحياتي، والا فهي ستبقى مجرد أفكار فارغة لا قيمة لها لا مصداق، والديموقراطية كنظام سياسي تحتاج الى الدور التفعيلي أكثر من غيرها من الافكار، وهي لا تقتصر على بعض الافكار والممارسات الجزئية، لأنها كل متكامل لا يعرف التجزئة والتبعيض، وكما يقول عبد الرحمن منيف : ( ان الديمقراطية بجوهرها العميق ممارسة يومية تطال جميع مناحي الحياة، وهي اسلوب للتفكير والسلوك والتعامل وليست فقط أشكالاً مفرغة الروح أو مجرد مظاهر. وهي بهذا المعنى ليست شكلاً قانونياً فقط، وليست حالة مؤقتة، او هبة او منحة من أحد، وانما هي حقوق أساسية لا غنى عنها، وهي دائمة ومستمرة، وهي قواعد وتقاليد تعني الجميع وتطبق على الجميع دون تمييز، وهي تعني الأقلية بمقدار ما تعني الأكثرية.) (6)  
وهذا ما دفع آلان تورين الى القول بأن الديمقراطية هي : (النظام الذي تعترف فيه الأكثرية بحقوق الاقليات، لأنها تقبل بأن أكثرية اليوم يمكن أن تصبح أقلية الغد، وتخضع لقانون يمثل مصالح مغايرة لمصالحها من غير أن يحول دون ممارستها لحقوقها الاساسية. وترتكز الروح الديمقراطية على هذا الوعي للترابط المتبادل بين الوحدة والتعددية...فالديمقراطية لا تقصر الكائن البشري على أن يكون مواطناً فقط، بل تعترف به كفرد حُر، لكنه ينتمي الى جماعات اقتصادية أو ثقافية.) (7)
 واذا رجعنا الى تعريف الديمقراطية من خلال ما قدمته الموسوعات والمعاجم الفلسفية والسياسية لها فهي تعرف ( Democracy ) بأنها : (لفظ مؤلف من لفظين يونانيين هما: ديموس و معناه الشعب، و كراتوس و معناه السيادة. فمعناه إذن، سيادة الشعب. وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم. و لهذا النظام ثلاثة أركان :1.سيادة الشعب.2.المساواة و العدل.3.الحرية الفردية و الكرامة الإنسانية.)(8) 
كما يراه جميل صليبا، ولكنني أرى أن العرب والمسلمين لم تنطبق عليهم ما جاء في التعريف طوال تاريخنا العريض الطويل، ولا تنطبق علينا هذه الأركان الثلاثة تماماً، لأن فكرنا وواقعنا وتاريخنا يرفض تماماً هذه الأركان السياسية للديمقراطية، ولم تطبق في أي فترة من فترات تاريخنا العريق، وهي مجرد أماني ودعوات فارغة نرددها ونحلم بها غير خاضعة للتطبيق، لأن الديمقراطية نظام سياسي يخضع للممارسة والتطبيق وليس مجرد شعارات وأقاويل فارغة المعنى.
والمسألة الثانية التي أثارتني أيضاً وهي أدعاء الكثير من الباحثين والدارسين المقاربة بين الشورى الاسلامية والديمقراطية الغربية، وهذا ما أرفضه تماماً لأن لكل مصطلح خصوصيته ومضمونه وبنيته الزمكانية، وهناك فرق بين الأثنين، فكل ديمقراطية شورى، وليست كل شورى ديمقراطية، ونجد كثرة الكتابات والدراسات التي تناولت هذا الموضوع بالبحث والتحليل والنقد، محاولين الكشف عن ابعاد التقارب أو التباعد بين الديمقراطية والاسلام، أو محاولة رفض الفكرة والحكم بغربية الفكرة الديمقراطية وعلمانيتها،(9)  
ولعل في تساؤل الكثير من المفكرين والمصلحين النهضويين العرب، من مسيحين ومسلمين، منذ نهاية القرن التاسع، عن سر تأخر العرب والمسلمين وتقدم الغرب، يحاول الكشف عن هذا الموضوع بصورة واضحة، وكان بداية الاحتكاك والصدمة مع الغرب من قبل المجتمعات العربية، منذ بدأ المثقف والمفكر العربي يتصل بالمنجز الحضاري الغربي، سواء عن طريق الاستعمار الغربي للاراضي العربية، أو عن طريق ذهاب المفكرين للدول الاوربية، مما جعل الكثير منهم يقيس مدى التخلف والتراجع والانحطاط الذي تعرضت له مجتمعاتنا، في الوقت الذي كانت المجتمعات الغربية تعيش حالة من الاستقرار والتقدم والتفوق العلمي والاقتصادي والسياسي، محاولاً المفكر العربي اعادة البريق والألق والازدهار للمجتمعات العربية التي كانت تمسك بزمام الحضارة العربية والاسلامية في يوم ما من حقب التاريخ، وبدأ السؤال عن الهوية هو السؤال المركزي الذي غلب على طروحات الكثير من المفكرين، لمعرفة موقعهم واستعادة دورهم المفقود، والبحث عن الاسباب والعلل وراء التقدم والتأخر الذي أصاب المجتمعات، فكان الصراع بين فريقين من المفكرين مما أنتج أكثر من اجابة عن سؤال الهوية : 
1ـ فريق علماني دعا للاقتباس من  الغرب منتجها الحضاري، من مدنية وثقافة، ورفض الافكار الدينية، كونها لا تنسجم ومتطلبات العصر، كما ويركز هذا الفريق على جعل الانسان هو المركز والاهتمام بمتطلبات الحياة الدنيا.
2ـ فريق أنكفأ على ذاته ودعا للرجوع للتراث والماضي المشرق للعرب والاسلام، معتقداً أن سر تأخر المجتمع العربي في ابتعاده عن الاسلام الذي أنتج حضارة في فترة سابقة من التاريخ، وهذا الفريق اصولي بامتياز ومعادِ للافكار الغربية ولمن دعا لمنهج التغريب.
3ـ فريق ديني اسلامي دعا للاقتباس من الغرب بما ينسجم والشريعة الاسلامية، في الجانب السياسي والاقتصادي والتعليمي، وهذا فريق يقترب من التوفيقية.
ومن خلال هذه الفرق الثلاثة نستنبط الموقف من الديمقراطية، أو مدى قبولها أو رفضها من قبل هذه الاطراف الثلاثة، فالفريق الاول، يرحب بالديمقراطية ومحاولة الاستفادة من أفكارها والتجارب السياسية الغربية لغرض نشرها وتطبيقها والتبشير بها في المجتمعات العربية للانتقال لمرحلة جديدة من صور النظام والحكم والحياة المتقدمة. والفريق الثاني، يحاول الاستفادة من الافكار والتجارب الديمقراطية بما ينسجم والدين الاسلامي، وخاصة محاولته للتوفيق واقامة التقارب بين فكرة الشورى في الاسلام والديمقراطية الغربية، اما الفريق الثالث، فموقفه رافض تماماً للافكار الغربية ومنها فكرة الديمقراطية، معللاً ذلك بأنها منتج فكري غربي وبشري يعادي الافكار الدينية، وسلطته دنيوية وليست دينية، ولذلك فهذا الفريق من دعاة العودة الى الدين الاسلامي والتوفيق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، والحاكم هو من يحكم بأمر الله ويحتكم الى شرعه وقانونه.(10) 
والفريق المتمسك بالديمقراطية متحمس لفوائدها وأهدافها ومبادئها السياسية والاجتماعية التي ذكرناها في بداية البحث والتي منها أيضاً : (11)
1ـ تساعد على منع حكومة الحكام المستبدين.
2ـ تمنح الديمقراطية مواطنيها حقوقهم الاساسية.
3ـ تضمن مساحة واسعة من الحرية الشخصية.
4ـ تساعد الناس على حماية مصالحهم الاساسية.
5ـ الحكومة الديمقراطية تقدم فرصة كبيرة لممارسة المسؤولية الاخلاقية.
6ـ تعزز التنمية البشرية بشكل كبير.
7ـ تقدم الديمقراطية درجة عالية من المساواة السياسية أكبر من أي نظام سياسي آخر.
بينما نجد أن من رفض فكرة الديمقراطية، من أتباع الخط الديني الاسلامي قد علل رفضه للديمقراطية لأسباب كثيرة والتي منها :
1ـ غربية النظام الديمقراطي.
2ـ بشرية الفكرة الديمقراطية.
3ـ ابعاد الديمقراطية للاديان ورفضها للغيب وكل مقدس.
4ـ علمانية الديمقراطية وعدم ايمانها بالشرائع السماوية.
5ـ هيمنة النزعة الانسانية على الديمقراطية، ومعاداتها لكل ماهو الهي ديني.
6ـ ما ينطبق على الغرب من نظام سياسي لا يمكن اقتباسه ونسخه في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لخصوصية كل مجتمع وبلد وشعب عن غيرهم، في نمط حياته وثقافته ومرجعياته الفكرية والقومية.
7ـ التضارب والتضاد في القيم بين الغرب والاسلام، فلكل منظومته القيمية الخاصة به، مما قد يتناقض مع بعضه البعض، وهذا ما يجعل الديمقراطية مرفوضة في المجتمعات الاسلامية.
وقد عمل البعض ممن يحاول التوفيق بين الاسلام والغرب على تأسيس أحزاب وتيارات وتجمعات ديمقراطية اسلامية، ولكن الواضح في تلك التجارب والدعوات هو الجانب الحزبي والأيديولوجي البعيد عن مرمى فلسفة الديمقراطية وأهدافها الليبرالية.(12) 
وهو أيضاً ما تسعى الأحزاب الاسلامية الى ركوب موجته اليوم سواء في العراق أو في المنطقة العربية، وهذا ما يمثل شيزوفرينيا الخطاب السياسي، ومحاولة لايجاد التقارب بين أفكار وطروحات سياسية وفلسفية متباعدة تماماً، فللنظام الاسلامي خصوصيته، وللنظام الديمقراطي الغربي خصوصيته، فلا نستطيع أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، فنأخذ من الاسلام شيء ومن الغرب شيء، ومحاولة التوفيق واللعب على الحبلين، وذلك لأن المنظومة التأسيسية الفكرية لكلا الفكرين يناقض بعضه بعضاً، واذا كان الفكر الديمقراطي والديمقراطية تؤمن بالانسان والنزعة الفردية والليبرالية وبعقل الانسان وحريته في المعتقد والتفكير، فأن الفكر الديني يحارب تلك النزعة الفردية والعمل بحرية مطلقة دون وجود شريعة سماوية تضبط أفعال الانسان، وهذا ما يرفضه الفكر الديمقراطي أيضاً كونه يمثل خطاب هيمنة دينية لا يترك الانسان بحرية دون وصاية أو حرية معتقد وفكر، وقد يكون الدين محمياً في الفكر الديمقراطي (العلماني)، أما الديمقراطية فقد تنتهك في ظل الفكر الديني، وهذا ما يؤكد عليه أوليفيه روا في كتابه ( الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة) حين رأى أن هناك (ثمة رابطة بين العلمنة والأنتعاش الديني، فالأخير ليس رد فعل ضد العلمنة، بل هو ثمرتها، والعلمنة تصنع الديني). وذلك ما أدى الى تنامي الحركات الدينية والأصولية وصعود نجمها في المجتمعات اليوم (13). ولكن هذا في المجتمعات الغربية المتفقة على الديمقراطية، أما نحن العرب فوجهة نظري أننا نسيء للدين وللديمقراطية والعلمانية معاً، لأننا لم نخرج من قوقعتنا الذاتية ونقيس الأمور وفق نظرتنا الضيقة، دون منطق أو رؤية أو ميزان، وأن جميع منطلقاتنا انفعالية متشنجة صادرة عن عواطف مهيمنة على طبيعة خطابنا الثقافي والاجتماعي والفكري، نحن لا نفكر بحرية، وأنما مهيمنات الموروث الفكري والواقع الاجتماعي تمارس تأثيرها وسحرها بقوة على طريقة تفكيرنا، ولم نتخلص منها أبداً، الا بتحصيل ثقافة متينة ووعي تنويري موضوعي نحاول من خلاله الخروج من كهف ذواتنا والانعتاق من الأطر الفكرية التي نقبع داخلها.    
والذي أخلص منه في هذا المقال اننا في الديمقراطية أمام خيارين لا ثالث لهما فإما أن نفكر تفكيراً ديمقراطياً، واما أن نفكر تفكيراً دينياً رافضاً للديمقراطية، وبالتالي فالخيار التوفيقي يعد مجاملة وكذبة وهو أشبه بخطاب التلون أو الازدواجية والتناشز الفكري الذي يريد أن يجمع تفاحتين بيد واحدة، وهذا التشويه للديمقراطية لا ينطبق على الاحزاب الاسلامية فقط ممن قبل بالديمقراطية، وانما حتى على الكثير من الاحزاب العلمانية العربية التي شوهت الديمقراطية ومناداتها الزائفة بها، حين جعلتها مجرد شعارات فارغة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع. 
د. رائد جبار كاظم. الجامعة المستنصرية. العراق.
الهوامش:
(1) علي الوردي. مهزلة العقل البشري.ط2. دار ومكتبة دجلة والفرات. بيروت ـ لبنان.2010. ص 105.
(2) محمد عابد الجابري. بحث من أجل اعادة بناء الفكر القومي العربي. ضمن كتاب الوحدة العربية تجاربها وتوقعاتها. مركز دراسات الوحدة العربية. ط1. بيروت. 1989. ص 792.
(3) علي الوردي. مهزلة العقل البشري. ص 104.
(4) علي الوردي. خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة. ط2. دار ومكتبة دجلة والفرات. بيروت ـ لبنان. 2010. ص 237.
(5) ثامر عباس. الوعي الديمقراطي ـ دروس أولية ـ. ط1. دار العارف للمطبوعات. بيروت ـ لبنان. ص 30.  
(6) عبد الرحمن منيف. الديمقراطية أولاً..الديمقراطية دائماً. ط4. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. 2001. ص 9ـ10.  
(7) آلان تورين. ما الديمقراطية؟ دراسة فلسفية. تر: عبود كاسوحة. وزارة الثقافة السورية. دمشق. 2000.ص 27.
(8) جميل صليبا. المعجم الفلسفي. ج1. دار الكتاب اللبناني. بيروت ـ لبنان. 1982. ص 569ـ 570.

(9) ينظر: مجموعة مؤلفين. حول الخيار الديمقراطي. ط1. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت ـ لبنان. 1994. و مجموعة مؤلفين. لماذا انتقل الآخرون الى الديمقراطية وتأخر العرب. ط1. بيروت ـ لبنان. 2009.

(10) ينظر: حيدر ابراهيم علي. التيارات الاسلامية وقضية الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية. ط 2. بيروت ـ لبنان. 1999. ص 139 وما بعدها. وينظر: عبد الرزاق عيد ومحمد عبد الجبار. الديمقراطية بين العلمانية والاسلام. ط1. دار الفكر. دمشق ـ سوريا. 1999. ص 68 وما بعدها.
(11) ينظر: روبرت أ. دال. تر: أحمد أمين الجمل. ط1. الجمعية المصرية لنشر الثقافة والمعرفة العلمية. عن الديمقراطية.2000. القاهرة. ص 58. 
(12) ينظر: ضياء الشكرجي. الديمقراطية.. رؤية اسلامية. ط1. دار الهادي. بيروت ـ لبنان. 2003. الكتاب بأكمله دعوة حزبية لتبني الديمقراطية.
(13) أوليفيه روا. الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة. تر: صالح الأشمر. ط1. دار الساقي. بيروت ـ لبنان. 2012. ص 21.     




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=118813
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 05 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 6