• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تكنولوجيا الحرف العربي في البصريات الفنية – صورة الزمان والمكان - علي جبار البياتي .
                          • الكاتب : د . حازم السعيدي .

تكنولوجيا الحرف العربي في البصريات الفنية – صورة الزمان والمكان - علي جبار البياتي

يتمثل الادراك البصري للنص الفني ثنائي القطب ( الفنان والناقد) في القدرة على التفسير الفني من خلال اللوحة الخطية بعد احاطتها بمقتضيات المكان والزمان بفعل الرؤية لعناصر فسيولوجيا اللوحة ذاتها , اذ لم يعد الاهتمام بتلك الرؤية كينونة النقاد والمهتمين فحسب وانما هي علم التفسير والتحليل لدى علماء النفس انفسهم والذي بدوره لاينضوي تحت مسلمات معينة واخرى سواها بل هو مايرجح القول عنه نحو مايعرف بالعلم "فن لوجيا الخط العربي " وبذلك  ان الناقد لايهتم بوصفات اللوحة من حيث سياقاتها وانطباعاتها واستقباله لها بل ويقيم العلاقة الموحدة والحميمية مابينه وبين مايقوم به الفنان  فهو يكتشف ويميط اللثام عن صورة المكان لما جاءت به "المرئي ,التقني ,البصري " بمعنى ان العلاقة الواردة شكلت نمطا وحدويا مازج بين اثنين روح الخطاط وتفسير الناقد , وتلك الممازجة هي تأرخة بحد ذاتها اتفقت  على وجود عناصر لا تقنية هذه المرة وانما صورة الزمان " التاريخ ,الادراك ,الانطباع ,المتغيرات , الرؤية , والممازجة " عليه لو تعقبنا الرؤية البصرية لمرئية ما في اعمال (علي جبار البياتي ) , لابد ان تمر بمراحل منها "الاستقدام ,التذوق ,  المشاغفة " وتلك هي تقنية الاستقبال فضلا عن ابعاد الصنعة التي من شأنها ان تبنى على اشياء رؤيوية واضحة لا محايثة او متوارية والاخيرة وهو مايبحث عنه التفسير في خضم ادراكات المعنى والشكل وكلاهما مايبتعد عن معرفة فسيولوجيا البصر بحقيقة امره وفيزياوية الاستقبال عبر "شبكية العين " وهي تباصر مخطوطات او فنون تشكيلية ابدعها الفنان  " بل الحقيقة ليست هذه على الاغلب , بل "ضوء يسقط على غشاء حساس للضوء يتواجد في العين نسميه بالشبكية وهي حسب العلم جزء من الدماغ والذي بدوره يعمل على تحويل الضوء الى سيالات عصبية تقوم عدسة العين على تجميعها وارسالها الى اماكن اكثر توظيفا لا نعلم ماهيتها وحقيقتها ونتسائل هل هي حبيبات كالتي رسمتها المدرسة الانطباعية او ذرات متناثرة متجامعة تصقل على سطح معين ؟

وهنا سنتعرض لبعض مفردات الصور الزمانية والمكانية  للوصول الى مستويات التحليل اولها المستوى "المرئي " مانشاهده ومانخوض به لبرهة من الزمن يقع امام حاسة النظر "العين" كالتقاط الصورة فهو ادراك مرئي ضوئي وبالتالي لم تتبق تلك اللقطة في حيزها وانما تتحول الى نحو اخر بعد انعكاسها عن سطح المستقبلات الضوئية وبنحو مراحل منها شكلي - لوني - حجمي - حركي .

وثانيها المستوى "البصري "هي المشاهدات المتجمعة جراء الابصار بالعين تدرك بتجريد عال ومقتضب لبرهة من الزمن وتتحول الى لب العقل ويمتثل لمستوى حسابات اكثر ايغالا في الذاكرة والعقل ويذهب الى الولوج بعلم الاستعراف الخاص بالاحياء والاعصاب من اجل تأويلها .

وثالثها المستوى "التقني "تطبيقات وتنفيذ للعمل .

وبعد ان تفهمنا مقابلة نقل الاشارات وتنفيذها فسيولوجيا , كان لابد من متابعة المجموعة السيميائية في ثانيها  وكشف حقيقة مايعرف بالشكلية للحرف العربي ( اطواله ,نسبه, استقامته ,واستعلائه, تنميطه  استقواءه , ليونته )وفقا لتفاوت شدة الاحساس بالضوء او عدمه اذ يظهر تجميعه بلون اوحد رمادي الا هو التخطيط باشارات مادية او عينية تشابه التخطيط "قلم الرصاص" ثم تثبت بتركيز اكثر "كنه" اشبه بالتطويخ والتكثيف اللوني لذلك اللون الاوحد مهما كانت لونيته , وتنتقل مرحلة الشكلي الى مرحلة الرؤية اللونية التي تقر بوجود الاطوال الموجية الصادرة عنها ومنها الاساسية "الازرق والاحمر والاخضر "الا ان ذلك لايتوقف بل ويدخل ضمن مرحلته الثالثة في الحجمي المجسم , حيث الحرف هنا لم يكن سطحا ذى بعدين وانما ثلاثي يتعرف اليه الادراك عبر مقارنات لقطتين صوريتين اولية واخرية , ويبقى التساؤل ماهو الاولي وماهو الاخري ؟فالاولي بداية التقاط الحرف ان صح التعبير بمراحله الاولية المخطط لها والاخرية التي نتجت عن المرحلة المتصورة الاخيرة للحرف العربي , فالصورتين لا تقومان بمعزل الواحدة عن الاخرى وانما تطابقهما كتناظر العينين , وبالتالي تشكيل المجسم الحروفي ,عليه ان تمرحل البنية المرئية الادراكية البصرية للحرف العربي لدى (البياتي ) ستتم احالته الى المرحلة الرابعة حسب ماوجدناه مرحلة الحركي التي لاتخلو من اندماج زمني اقرب الى مستوى التنفيذ والتطبيق في ثالثها.

اما صورة الزمان لدى "البياتي " تمثلتها تأرخة اللوحة المكتوبة والممشقة ونعني بها قيمتها وانتاجها كأثر سوسيولوجي انثروبولوجي عزز النص المكتوب بحقيقة توثيقه كنص عقائدي ومنه لوحته في (التناظر المعكوس ياعلي بخط الثلث , وجلي التراكب ياعلي فزت ورب الكعبة بخط الثلث )


اذ ان اللوحتين دليل زماني على حضور النص العربي  من البيئة العراقية ذات الافق الديني المحب لال البيت , حيث تعامل البياتي معه على انه نص زماني يرغب في ديمومته لاكثر من 1400 سنة خلت واكد علاقته على اساس عشقه للنص .

في حين جاء الادراك الحسي ايضا كصورة زمان بين الخطاط ولوحته والكشف عن اسراره الطقوسية والمعتقدية التي عمل من خلالها على خلق تواشج المكان بالزمان وفقا للبيئة العراقية المعاصرة وبذلك سجل رؤاه وركبها في حضور الصورة .

هكذا لم يكن للتاريخ والادراك دور بدون الانطباع يمكن الامساك به في اقتفاء الاثر الخطي وهو مافعله "البياتي " في تعيين خطوطه وانواعها وكشف عن أثره للمتلقي بوصفه تقاني يستحق الذكر .

اما التحولات والمتغيرات فهي لن تبقى بمنأى عن بنية اللوحة الخطية وتكنولوجيتها لانها علم جمالها وصورة زمانها وهذا ماتتم معالجته في بدء التكوين الانشائي لبناء مخطوطة حيث اللوحة اناء النص وخامته وسطحها المتعين فلا يمكن ان تكون هنالك حروفيات بلا سطوح حتى وان كانت ذرات هواء او غبار يكتب عليها شكل الحرف وأثره , وهذا لايتحقق الا بفعل الرؤى المحايثة التي يتبناها الخطاط , فالمتغيرات تحدث نوع من المقارنة الجدلية بين ماسيكون وما كان لان النص الكتابي الممشق يختزل تلك الجدلية ويبلورها , اي ان ما يقرره "البياتي " ليس كما يقرره غيره وسواه في الفعل الصوري الزمني التقني وهي بالتالي تشكل واحدة من خصائص اسلوبه كما الظاهرة المعرفية .

في حين كان الدور مهما وغالبا للرؤية التي اندرج على أثرها النص جراء التأمل المخيالي في مقابلة العقل للوجدان وكلاهما يكون دقيقا امام الحكم على حروفياته النابضة بالحياة ومن اثرها التعلق ببعديها الواقعي والتاريخي لما تمكن من تقديمه الخطاط البياتي عبر النص الممتزج بالانساق التخيلية واثراها النفسية ودلالاته في كشف المتغير المثير للدهشة وهو متغير مكاني كانطي (فلسفي) , من هنا ان الخطاط ذهب الى تكثيف نمط التكوين الخطي ولم يدعه مسترسلا عبر رسمه لى خط افقي فراكب الكلمات كلغة احتراف غايته ايصال المشهد الصوري والاحساس به كصورة مشهد واقعي يرتهن الى عمق ادراكه وشعوره الانساني .

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=120884
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 06 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 01 / 23