• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : لا انقلاب عسكري في العراق !. .
                          • الكاتب : نجاح بيعي .

لا انقلاب عسكري في العراق !.

 مع اشتداد كل أزمة سياسية بالداخل العراقي تشتد بالمقابل وتعصف بأذهان العراقيين (وأقصد السياسيين) التفكير بانقلاب عسكري أو حكومة طوارئ أو حكومة انقاذ وطني أو سمّها ما شئت . وكأنّ أمر البلد لا يستقيم عند فرقاء العملية السياسية والمولودين من رحم صناديق الإقتراع الديمقراطية إلا بالعودة , الى أحضان الفوضى الدموية وطغيان التفرد بالحكم دونما حساب عواقب هذه الخطوة الخطيرة على العراق وشعبه ككل . كما نسمع ونقرأ اليوم لمثل تلك الإدعاءات والدعايات خصوصا ً بعد ثبوت جرائم التزوير والخروقات وشراء الذمم في الإنتخابات الأخيرة وبلا حياء وتدخل دول الإقليم فيها بشكل علني سافر . ويعللون دُعاة (همهمة الإنقلاب) بأنهم أنما ينقذون وطن من أزماته , من دون الإلتفات ولو مرة واحدة الى أنفسهم , من أنهم إنما هُم يشكلون جزء ً رئيسيا ً لا يتجزأ من الأزمات العراق ومشاكله المستديمة منذ سقوط النظام السابق عام 2003م . 

أن الدعوة الى إنقاذ العراق من أزماته المزمنة من خلال التوسل بالطرق الملتوية خارج سياقات الدستور والقانون , هي دعوة الى خلط الأوراق وهدم الأدوار والرجوع الى المربع الأول , والإحتكام الى الشارع (المتخندق سياسيا ً وطائفيا ً وقوميا ً) والركون الى البندقية الكامنة خارج الدولة منذ أكثر من خمسة عشر عاما ً .
لو ابتعدنا قليلا ً عن أسباب التفكير في (الإنقلاب) عند البعض (بعض المأزومين  داخل العملية السياسية) وهي أسباب لا تعدو حلبة الصراع حول المكاسب السياسية والسلطة والنفوذ . واقتربنا أكثر من التفكير في الأسباب الموضوعية الحاكمة في فرض (الإنقلاب) ذاته , نراها لا تعدو عوامل (ثلاث) تدفع بقوة نحو جعل فرض (الإنقلاب) أكثر واقعية . تتداخل هذه العوامل فيما بينها الى حد التعانق أحيانا ً وتتباعد وتتنافر أحيانا ً أخرى وهي  :
1ـ العامل الداخلي : المتمثل في تنافس القوى السياسية حول السلطة . ويشتد هذا التنافس عشية كل انتخابات برلمانية وبعدها . فالفائزون والخاسرون في الإنتخابات يشكلون دائما ًميزان صراع ذو الكفتين  . والسبب لأن جميع القوى السياسية كانت قد تنازلت عن شعاراتها الوطنية وباتت تتكلم من بإسم المكوّن الإجتماعي والقومي والمذهبي . لذا نرى الصراع بينهم غالبا ً ما يصطبغ بـ(اللون الطائفي أو المذهبي أو القومي) بل وينزلق في أحيانا ً كثيرة الى صراع دموي بذرائع شتى وصدام مُسلح طالما هدّد السلم الأهلي الى الخطر والنسيج الإجتماعي الى التمزق . فالقوى المتصارعة القوية تنزع الى فكرة بـ(الإنقلاب) بذريعة  أنها توقف نزيف الدم وتحفظ الدولة بمؤسساتها . وبالمقابل القوى الضعيفة ترفع شعار التغيير تحت يافطة (الإنقلاب) لوقف نزيف الدم ولوقف الإقصاء والتهميش كما يرى منظري هذا الفريق .
2ـ العامل الإقليمي : الذي يُلقي بظلاله بقوة على الداخل العراقي وساحته السياسية . حتى باتت تتقاسمه دول (ثلاث) قوية متنفذة مُجاورة للعراق هي (السعودية وإيران وتركيا) . ونجحت هذه الدول الى حدّ بعيد في وضع معظم مكونات الشعب العراق فضلا ً عن شعوب المنطقة , ضمن تجاذبها وتنافسها في اصطفافات سياسية ومذهبية وقومية وحتى اقتصادية حاكمة . فتدفع تلك الدول من خلال بحثها عن أمنها القومي (مع ملاحظة العامل الدولي وقطبية القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة) , الى التفكير بخلق حكومة (قيادة سياسية) في بغداد (بانقلاب أو بغيره) تجعلها تدور في فلك إحدى تلك الدول تأمينا ً لمصالحها .
3ـ العامل الدولي : المتمثل بتفرد الولايات المتحدة الأميركية الغالب في المنطقة والعالم كقوة عسكرية وسياسية واقتصادية عملاقة . وإذا أحسنا الظن بأن الصراع المحموم والجاد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران , إنما يدور حول برنامج إيران النووي والممانعة الأميركية لذلك . وليست للحد من نفوذ إيران وسطوتها داخل الطوق الإقليمي المجاور لإسرائيل وأمنها القومي . فإن أي إجراء أميركي ضد إيران (كما يصوره الإعلام الغربي ـ الأميركي) أنما يكون عبر العراق .
فكما كان ولا يزال (الطريق الى القدس لا يمر إلا عبر بغداد) كما يحلو لثوريّ الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها أن يطلقوه ,كشعار نكاية بإسرائيل ولحلفاء أميركا في المنطقة . يكون (الطريق الى طهران يمر عبر بغداد) أيضا ً كما يحلو أن يتغنى به مُحافظي الإدارة الأميركية ومتشدديها وحلفائها في المنطقة . وكأن لا (طريق الى بغداد عبر بغداد) أبدا ً في أدبياتهم وأدبيات سياسيّ العراق اليوم على أقل تقدير .
فمع وجود الأسباب الموضوعية أعلاه كمقدمات , لا يوجد عاقل يمتنع من قبول تحقق فرضية أيّا ً من العوامل الثلاثة المتقدمة لإنقلاب عسكري في العراق كنتيجة حتمية له . ولكن بالمقابل لا يوجد مِن هؤلاء العقلاء مَن يدّعي ذلك وهو واثق من نفسه كل الوثوق ويطرحه علنا ً كمشروع , ويتجاهل تلك القوة العراقية التي تُعتبر أحد أهم الكوابح وأخطرها في إفشال مثل تلك المشاريع التدميرية لمقامري السياسة الدولية والمحلية . هذه القوة العملاقة التي أنقذت العراق وشعبه وحمته ولا تزال تكمن في ذلك الزقاق النجفي البسيط عند مرقد سيد الموحدين عليّ بن أبي طالب (ع) في مدينة النجف الأشرف مُتمثلة في المرجع الأعلى السيد "السيستاني" .
فكما أنقذ العراق من براثن الإحتلال وإملاءاته , وقطع طريق العودة لذلك النظام الديكتاتوري القمعي الذي عليه العراق قبل عام 2003م , وجعل سلطات الإحتلال تذعن وجميع الطبقة السياسية العراقية معها الى مشروعه السلمي لحكم البلد , معتمدا ً التعددية السياسية ضمن الإطار الضامن وهو(التداول السلميّ للسلطة عبر صناديق الإقتراع في عملية انتخابية حرة) .
عاد مُجددا ً اليوم ليعيد ما نسيه الجميع وتناسوه  , ويذكرهم بتلك القوة الحقيقية للعراق وللعراقيين القادرة على إفشال وإحباط جميع المشاريع التدميرية . فمن خلال استقراء المرجع الأعلى للأحداث الجارية (ولا سيما حدث الإنتخابات المصيرية) وكأنه على علم مسبق بما سيؤول اليه الوضع الإنتخابي من جرائم التزوير والتخوين وحرق الصناديق وغيرها من الأعمال المُشينة التي تدفع الى تثوير الوضع ليكون مفهوم (الإنقلاب) رائج عند ذهنية العراقي . إنبرى موضحا ً الموقف بصراحة معهودة قبل الإنتخابات النيابية , كما جاء في الأمر (أولا ً) من الخطبة الثانية من جمعة كربلاء المقدسة في 4/5/2018م حيث قال : 
( لقد سعت المرجعيّةُ الدينيّةُ منذ سقوط النظام الإستبدادي السابق في أن يحلّ مكانه نظامٌ يعتمد التعدّدية السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع، في انتخابات دوريّة حرّة ونزيهة . وذلك إيماناً منها بأنّه لا بديل عن سلوك هذا المسار في حكم البلد إن أُريد له مستقبل ينعم فيه الشعب بالحرية والكرامة ويحظى بالتقدّم والازدهار، ويحافظ فيه على قيمه الأصيلة ومصالحه العليا.  ومن هنا أصرّت المرجعيّةُ الدينيّة على سلطة الاحتلال ومنظّمة الأمم المتّحدة بالإسراع في إجراء الانتخابات العامّة لإتاحة الفرصة أمام العراقيّين لتقرير مستقبلهم بأنفسهم، من خلال اختيار ممثّليهم المخوَّلين بكتابة الدستور الدائم وتعيين أعضاء الحكومة العراقيّة. 
واليوم وبعد مرور خمسة عشر عاماً على ذلك التاريخ لا تزال المرجعيّة الدينيّة عند رأيها من أنّ سلوك هذا المسار يُشكّل -من حيث المبدأ- الخيار الصحيح والمناسب لحاضر البلد ومستقبله، وأنّه لابُدّ من تفادي الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي تحت أيّ ذريعة أو عنوان).
https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=384
ـ فعبارة (لا بديل عن سلوك هذا المسار في حكم البلد) ويُقصد به (التداول السلميّ للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الإقتراع) دليا على أن السيد "السيستاني" هو مَن قطع الطريق أمام دُعاة الإنقلاب والإنقلابيين؟.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=121976
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 07 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 07 / 18