• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش ؟ حلقة رقم ـ 30 .
                          • الكاتب : نجاح بيعي .

هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش ؟ حلقة رقم ـ 30

 طبقتنا السياسيّة فاقت قارون وأساليبه وعبرت بطغيانها من حالة الفساد الى الإفساد في المجتمع !.
مُلخص مقدمة المقال :
ـ " .. شعبنا كثير النزف .. توَّج عطاءه بالفتنة الداعشية إلى أن أقبرها وأنهاها .. هذه الفتنة لا تنتهي ولا تُقبر إلا بهذا الدّم ..".
https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=366
بتلك الفقرات وصفت المرجعية العليا في 19/1/ 2018م , وعبر منبر جمعة كربلاء داعـش بـ الفتنة . 
سؤال : هل حذّرت المرجعية العليا الأمّة (الشعب العراقي) من داعـش ومِن خطره العظيم ؟. وإذا كانت قد حذّرت فمتى كان ذلك ؟. وأين ؟. وكيف ؟. مع يقيننا بأنها تُواكب الأحداث وتُراقبها وتعلم بشكل جيد بأدق تفاصيلها . وسؤال آخر :
هل حذّرت المرجعية العليا من خطورة النيل من الدولة ؟. وهل عمِلت على صون وحفظ الدولة ومرتكزاتها ؟. متى كان ذلك ؟. وأين ؟. وكيف ؟.مع يقيننا بأن في حفظ وصون الدولة وتعزيز مقوماتها المُتمثلة بـ (الشعب ـ الأرض ـ السلطة) هي حفظ وصون أمن واستقرار الشعب ومقدساته وأراضيه . 
ـ لا مناص من أن الجواب على الأسئلة أعلاه وما ينبثق من أسئلة أخرى هو : نعم !. ونعم حذّرت المرجعية العليا مرارا ً وتكرارا ً من الإرهاب والإرهابيين الذي ـ داعش ـ هو أحد صوره ومصاديقه . فتحذيراتها جاءت مبثوثة عبر أساليب خطابها المتنوع والموجه للجميع .. ولعل منبر صلاة جمعة كربلاء هي أكبر الوسائل وأوضحها . لذا أعرض هنا مساهمة متواضعة لرصد بعض مواقف المرجعية العليا بتقصّي أقوالها المُحذرة عن تلكم الأخطار, لتكون شاهدة وحجّة على من (جَحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ً وعلوّا) . وبالتركيز على فترة قتال داعش والمحصورة ما بين خطبتي الجهاد والنصر وما بعدها , لما لحق بالفتوى من ظلم وتعدّي وتشويه وتقوّل .. بمقال يحمل عنوان" هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش " . متسلسل على شكل حلقات مرقمة , تأخذ من جملة ( هل تعلم بأنّ المرجعيّة الدينيّة العليا ) التي تبدأ بها جميع الحلقات , لازمة متكررة موجبة للعلم والفهم ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) لمجمل مواقف المرجعية العليا حول ذات الموضوع . ربما نلمس مِن خلال هذا السِفر جهاد وصبر وحكمة المرجعية العليا في حفظ العراق بلدا ً وشعبا ً ومُقدسات .
ــــــــــــــــــــ
( 138 ) ــ هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا ..
أخذت تنطلق من (النّصّ) و(القصّ) القرآني في واستخلاص العبر للأمّة عبر منبر جمعة كربلاء المقدسة :
(اليوم نستعرض قصّة فيها عبرة وقد تستغرق أكثر من خطبة .. يستفيد منها الأخلاقيّ ويستفيد منها الغنيّ ويستفيد منها الفقير ويستفيد منها غير هؤلاء بمقدار ما يرتّب الأثر . نحن نتحدّث عن قصّة كانت في زمن موسى(عليه السلام) ألا وهي قصة قارون . ماذا أراد القرآن الكريم أن يبيّن لنا في قصّة قارون؟.  وقارون يمثّل الرمز لكلّ غنيّ ولكلّ من يكتنز المال . ويمثّل الرمز أيضاً لكلّ فاسدٍ بنصّ القرآن الكريم . وقارون هذا كان في حالةٍ من الزهو والغرور بحيث يرى أنّ ما فيه هو باستحقاقه هو الذي عمل هو الذي كدّ ، أيضاً في المقابل هناك طائفتان طائفةٌ أُعجبت بما عند قارون (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ)، وطائفةٌ أخرى تنبّهت - طائفةٌ عاقلة - شعرت أنّ هذا الذي عند قارون ليس هو مقياس القيمة الحقيقية لنا..)!.
ـ خطبة جمعة كربلاء في (29ذي القعدة 1437هـ) الموافق2/ 9/ 2016م. بإمامة السيد أحمد الصافي .
https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=284
ـ
ـ وقفة ..
ـ لماذا قصّة قارون ..!؟. 
ليس من الصعب على المتتبع لخطب منبر الجمعة أن يلحظ أولا ً : أن المرجعيّة العليا  لم تنفك تتناول بخطابها الوضع السياسي العام للعراق , وإن كان بصورة غير مباشرة باستخدام القرينة التاريخيّة  منذ أن عزفت عن تناول الشأن السياسي العراقي في جمعة  5 / 2 / 2016, وأرجأته الى إشعار آخر حسب ما تقتضيه المصلحة في ذلك .
ويلحظ ثانيا ً : تنامي حدّة الخطاب وتصاعد وتيرته , حتى بات من المسلمات انصراف ذهن المتلقي من أن الذي تشير إليه المرجعيّة بكلامها , هو الشأن السياسي والطبقة السياسية المتصديّة في العراق لا غير . وبالنسبة لنا ما كان علينا أن نتوقف عند (هذه الصورة) وهذا الحد وكفى , دون أن ندرك المعاني المهمة والإلتفاتات القيمة المبثوثة عبر نص الخطبة ذاتها . وإذا ما قمنا باستقراء خطبة جمعة 2 ايلول / 2016 م نلحظ الأمور المهمة التالية : 
1 ــ تطرّقت المرجعيّة الى ذكر ثلاث محطّات تاريخيّة خطرة , ضمن خط المواجهة الإلهيّة بين الأنبياء (ع) وطواغيت زمانهم . وهم نبي الله إبراهيم (ع) مع نمرود , وتجربة نبي الله موسى (ع) مع قارون , والنبيّ الأكرم ( ص وآله ) مع طاغية قريش أبو لهب .
وإنما فعلت ذلك لتبيّن أنّ مثل هؤلاء الطواغيت المردة , لا يمكن أن يقارعهم أحد من الناس , ويكتب له الغلبة والنصر إلاّ (نبيّ) مُسدّد من الله تعالى . ولنا أن نعرف أن العدو الذي يقف قبال الأنبياء عليهم السلام  يعني إشهار حربه ضد الله تعالى . فالعدو هنا ليس كالأعداء التقليديين . كما أن الثائر المصلح هنا (الذي هو النبيّ) ليس كباقي الثوار والمصلحين من البشر , في مجمل الصراع بين جبهة الخط التوحيدي المتمثل في الأنبياء والرسل ,  وجبهة الشرك والإلحاد المتمثل في الطواغيت وحكام الجور .
2 ــ إنّ المهمة الملقاة على عاتق الأنبياء والرسل (ع) في مواجهتهم للانحرافات العقائديّة والسياسيّة والاجتماعية والاقتصاديّة وغيرها عبر التاريخ , بسبب تسلّط وانحراف الطغاة , هي مهمة (إصلاحيّة) من الدرجة الأولى . وهي أيضاً ( مهمة ) لا تناط بأيّ كان إلاّ بمن توفرّت لديه الأهليّة الكاملة في ذلك وهم الأنبياء والرسل (ع) لا غيرهم .
3 ــ إن استمرار خط المواجهة الإلهيّة ذاك وديمومته الى اليوم , إنما يتمثل بخط المرجعيّة الدينيّة (في عصر الغيبة الكبرى) ذلك الكيان الذي وقع على عاتقه بيان وتوضيح الأحكام الإلهيّة للأمّة جمعاء ورجوعها (الأمّة) في أمور دينهم ودنياهم اليها . وهي مقام النيابة عن المعصوم ( ع ) في زمن الغيبة الكبرى . كما ثبّتها ورسم مهامها الإمام الثاني عشر ــ عج :
( أما الحوادث الواقعة , فارجعوا فيها الى رواة حديثنا , فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) وسائل الشيعة ج18 ص 101 .
4 ــ إذن فالمرجعيّة الدينية العليا اليوم هي الجهة الوحيدة التي تمثّل نهج الأنبياء والرسل والأوصياء ( ع ) , في خط المواجهة الإلهيّة مع الطواغيت والمنحرفين . وهي الكيان الوحيد الذي له الحق أن يشير بالبنان الى مواطن الخلل والإنحراف في المجتمع . والى مَن يقف وراءه من المنحرفين والفاسدين ولا تأخذها بالله في ذلك لومة لائم . لأنها تقوم مقام النيابة المقدسة عن المعصوم (ع) .
كما ولها الحق أن تختار من القرآن الكريم ما تشاء وتتبنّاه وتطرحه , كمقاربة مع الواقع المعاش لينصرف ذهن المتلقي اليه للاستخلاص النصيحة والعبرة عبر نهج التكامل الإلهي : (القرآن عندما يصوّر قارون حقيقة , يوجد مَن يتشبّه في زماننا بقارون , والنفس نفس قارون . والذين معه والذين ارادوا واحبوا ايضاً هؤلاء نفس مَن كان مع قارون..) . واختارت المثال القرآني (قصّة قارون) لما في قارون من دّالة تدّل على الطبقة السياسية المنحرفة التي أثرت على حساب الآخرين (الأمّة) .
5 ــ لماذا قارون ؟.
بإمكاننا رَصد الأمور التالية :
أ ــ ربما لأول مرّة تشير المرجعيّة العليا الى ما أشار اليه القرآن الكريم بشكل واضح , مِن أنّ مثل قارون كظاهرة منحرفة في المجتمع , لم تكن لتظهر وتنمو لولا وجود مَن يؤيدهم في المجتمع :
(قَالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةَ الدّنْيَا يَلَيْت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتىَ قَرُونُ إِنّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ) .وهؤلاء يشكلون شريحة اجتماعيّة سلبيّة (مُعرقِلة) . هم أيضاً يتحملون المسؤولية التاريخيّة والشرعيّة والأخلاقيّة في ذلك . لأنّهم يتشبّهون بالمنحرف الفاسد المُفسِد , سواء كان قارون (المثال القرآني) أو (الطبقة السياسيّة الحالية) . ومعجبون بما عندهم ويريدون أن يكونون مثلهم. 
ب ــ أشارت المرجعيّة العليا الى أنّ (القارونيّة) كظاهرة , هي نتاج الحالة الفرعونيّة (النظام السياسي العام) في زمن موسى (ع) , إذن فالطبقة السياسيّة الفاسدة الحالية , هي نتاج النظام السياسي المنحرف (نظام المحاصصة والتوافقيّة السياسيّة) التي أبتلي بها العراق والعراقيين . فالعراق يعيش الآن الحالة (الفرعونيّة) المتجبرة .
ج ــ إذا كان قارون قد استحصل ثراءه الفاحش عن طريق ذكائه وجهده وحيلته : (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) ولم ينسب شيء من ذلك الى الله تعالى , فيكون بذلك قارون شخص قد أوكله الله تعالى الى نفسه . فكانت النتيجة هي الطغيان والتسلط والتجبّر على الناس والمجتمع والإعتداء عليهم  . والمفارقة هنا أنّ الطبقة السياسيّة الفاسدة الحالية , لم تقل ما قاله قارون : (أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) البتّة , لأنها لم تتجرأ على قول ذلك لأنها تعلم جيدا ً أن ثرائها الفاحش إنما جاء عن طريق الاستحواذ على المال العام وسرقة ونهب وسلب أموال الدولة .
وبمعنى اقرب أنّ ( طبقتنا السياسيّة ) فاقت (قارون) وأساليبه والقارونيّة ومفهومها , فراحوا يشترون الذمم والولاءات وعبروا بطغيانهم من حالة الفساد الى الإفساد في المجتمع. 
د ــ وبالنتيجة أنّ كلاًّ من قارون و( الطبقة السياسيّة الفاسدة ) لا يحبّون النصيحة فضلاً عن الناصحين أنفسهم . ومثل ما نصح موسى (ع) أو قومه قارون : ( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ), كانت المرجعية العليا قد نصحت الطبقة السياسية الفاسدة و مرارا وتكرارا حتى بُحّ صوتها .
هـ ــ الهلاك والاستئصال هو مآل قارون والقارونيّة : (فخَسفْنَا بِهِ وَ بِدَارِهِ ) ويعتبر الهلاك تهديد قائم لكل مَن هو على شاكلة قارون عبر التاريخ كسنّة إلهيّة .
إذن فالمرجعية الدينية هنا بمقام (التهديد المباشر) للطبقة السياسيّة الفاسدة وأنهم وبلا شك بانتظار الردّ الإلهي الحاسم . 
ـ المرجعيّة الدينية العليا إنما هي على خطّى الأنبياء والرسل والأوصياء عليهم السلام وممّا ريب فيه . 
ــــــــــــــــ
( 139 ) ــ هل تعلم بأنّ المرجعية الدينية العليا ..
حينما تناولت الآيات المُباركات من سورة الصف كانت تهدف الى التأكيد من أن المقاتلين ضد الإرهاب التكفيري اليوم دفاعا ً , عن العراق وشعبه ومقدساته إنما كانوا قد دخلوا في خانة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا..). 
والآيات هي :
(بسم الله الرحمن الرحيم ـ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم يقول بعد هاتين الآيتين مباشرة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) وإذا سمح الوقت سنعطف على آيةٍ أخرى هي الآية (13) من نفس السورة: (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)!.
ـ خطبة جمعة كربلاء في (9ربيع الأوّل 1438هـ) الموافق 9/ 12/ 2016م. بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي.
https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=299
ـ
ـ فلنتأمل مضامين الخطبة أعلاه : 
إستطردت المرجعية العليا وسلطت الضوء على مضامين تلك الآيات الكريمة وبيّنت أنّ (حب الله تعالى) للمقاتلين الذين يندفعون للقتال في سبيله هو(الله) تعالى لا في سبيل غيره . ولم يحرزوا مصلحة أخرى غيرها . للتفريق من أن هناك حروب ومعارك جرت عبر التاريخ ليست في سبيل الله . أو هناك حروب ومعارك سجلها التاريخ لنا كانت في سبيل الله , ولكن البعض كان يُقاتل بها  بنيّات ومصالح ذاتيّة بعيدة عن الله .
فالله تعالى هنا يُحب الذين يقاتلون في سبيله حصرا ً. وبما أن المعارك التي تحصل بين بني البشر , كثيرة الغايات ومتنوعة الأهداف والنوايا والخلط والإشتباه هنا غير ممتنع ووراد أصلا ً, ومن الممكن طرح سؤال من قبيل : هل أن الإشتراك في تلك المعارك والقتال فيها يصبّ في (سبيل الله) أم لا ؟. ومن الطبيعي عقلا ً أن يفزع المرء الى معرفة (السبيل) القويم والصحيح لإحراز مرضاة الله وحبه تعالى في ذلك . 
وبيّنت المرجعية العليا من أن (السبيل) أو الطريق لا يمكن أن يُشخّصه أو يُبيّنه أو يأمر به ويرشد اليه إلا ّ النبيّ (ص وآله) أو الوصيّ من بعده (عليه السلام) أو الفقيه الجامع للشرائط النائب عن المعصوم وبأمر منه . وما ذلك إلا لكي لا يلتبس الأمر على البعض ويقاتل في غير سبيل الله تعالى .
وتطرقت الى مضمون (صفا ً كأنهم بنيان مرصوص) وهم المؤمنون . حيث أنهم حينما يكونون بعضهم مع بعض كالجدار المنيع , الذي رُصت حجارته بعضه مع بعض بحيث لا فرجة فيه ولا خلل به . حتى صار من الإحكام والاستحكام بحث لا يمكن خرقه ولا يمكن هزّه أو العبث به. وهي كناية على اجتماع القلوب على أمر واحد والهدف الواحد والغاية الواحدة . فصارت من القوة والمنعة بحيث يُحقق المراد بانهزام العدو وتحقيق النصر , ومُستوجب للقرب والظفر بالحب الإلهي الذي عنته الآية المباركة .
ـ وإذا ما عرجنا على الآيتين الأوليتين وقرنّا مضمونهما مع ما تقدم من مضمون الآيتين الأخيرتين , نفهم أن الله تعالى لم يوجه التوبيخ الى الناس جميعا ً , وإنما (المؤمنين) تحديداً أي أمة الإسلام . وحذرهم من القول اللامسؤول الذي له آثار سلبية مدمرة أحيانا ً . لأنها قد تصل الى الملايين من الناس وقد تكون استفزازيّة وفيها توهين وتضعيف وتؤثّر أثراً سلبيّاً . 
وبالتالي يكون بمثابة المعول الهدّام الذي يضر المجتمع والأمة . وكثيرون هم من يطلقون الوعود والعهود ولكنهم يتراجعون حينما يجّد الجد , وينكلون وينكصون عمّا ألزموا أنفسهم به . وهو فعل يُخرج الإنسان عن الصدق ويكون فاقدا للثقة والموضوعيّة , وهؤلاء قطعا ً لم يكونوا بمستوى القول والفعل . فهم يصرّحون ليلا ً ونهارا بأنهم مجاهدون ويقاتلون , ولكنهم وعندما يحمى الوطيس تراهم كالغزال في الهزيمة , فيكونوا مصداق الآية المباركة (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)!.
 و(كبر مقتا ً) والمقت هنا هو أشد من البُغض والغضب الإلهي . وهو تقريع لأصحاب القول اللامسؤول . المستوجب للبغض الإلهي ويستحقه مَن يقول ولا يفعل , ومن يطلق الوعود ولا يفي أومن يطلق العهود وينكل .
وكانت المرجعية العليا قد ربطت ما أوردته من كلام, بالوضع القائم في العراق من خلال عبارتها : (وعندنا الآن في هذه اللّحظة شباب مؤمنون يسعون لأن يرجع العراقُ الى ما هو عليه، وهؤلاء يُقاتلون في سبيل الله ..) لِما له من مساس بواقعنا ولا ينفك عنه ابدا ً .  فهي تشير بالإضافة الى كون هؤلاء الشباب هم مصداق الآية المباركة : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) وهم يقاتلون داعش , تشير كذلك الى أن المعنيين بـ(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) وهم تلك النخب والجهات والزعامات والقيادات السياسية , التي لم تنفك عن القول والتقول بالكلام والشعارات والوعود والعهود الكاذبة . وبنفس الوقت نراهم وقد خلت وتخلو منه ساحات المعارك المقدسة . وهم ذاتهم أصحاب المشروع الجديد الذي يهدف الى إفراغ ـ فتوى الجهاد الكفائي ـ التي أطلقتها المرجعية العليا من محتواها الديني الإلهي , وتصوير القتال الدائر ضد داعش على أنه قتال بعيد عن فتوى المرجعيّة , ويحاولون أن يلبسوا عليه اللباس الوطني الزائف , من أن الشعب العراقي قد هبّ كرجل واحد ولبوا نداء الوطن للدفاع عنه!.
وكنتيجة ممكن أن نخلُص الى الآتي :
ــ المرجعيّة الدينيّة العليا ومن مقام النيابة عن المعصوم (عج) هي لا غيرها مَن عرّفت الأمة (العراقيين) العدو الحقيقي وخطره عيلهم وصرّحت بإسمه فكان (داعش) .
ــ المرجعيّة الدينيّة العليا هي مَن حدّدت (السبيل) الواضح للأمّة (لجميع العراقيين) لكي يهبّوا لقاتل هذا العدو الغاشم حينما أطلقت فتوى الدفاع المقدسة في 13/6/2014 م . وسحب الفتوى أو إيقاف المعارك ضد هذا العدو منوط بالمرجعيّة العليا حصرا ً .
ــ المرجعيّة الدينيّة العليا اتخذت هذا الموقف التاريخي وأنقذت البلاد والعباد والمقدسات , بعد أن لمست تقهقُر وضعف وخواء وخيانة وحيرة وعجز الدولة العراقيّة (بحكومتها) .
ــ الساحة العراقيّة الآن تتجاذبها معسكران إثنان . 
ـ الأول : يتمثل برهط الآية (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) .
ـ والثاني: يتمثل برهط الآية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ)!.
ــ تحذير من شملتهم الآية (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) وأنهم مشمولون بالبغض الإلهي , وهم زعامات المكاتب الفارهة والبدلات الفضفاضة والشعارات الفارغة , المهزومون والمنهزمون من المعارك , الكاذبون الوضّاعون السارقون للنصر الإلهي من مستحقيه الذين هم المجاهدين , الذين يحاولون إفراغ فتوى الجهاد من (الشأنيّة) الدينيّة .
ــ الحبّ الإلهي والبشارة لمن شملتهم الآية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) . لأنهم صدقوا الله فكان الله تعالى عند وعده فأحبهم . و(هذا نوعٌ من التوفيق أن الإنسان يُقاتل وهو مطمئنّ أنّ الله تبارك وتعالى يحبّه). الى درجة أن المرجعية العليا تمنّت مرارا ً وتكراراً أن تكون معهم في القتال وتقول في كل مرّة (يا ليتنا كنّا معكم) !
وسيكتب الفتح القريب على أيديهم إن شاء الله تعالى (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)!.
ـ
ـ يتبع ..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=122057
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 07 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 18