• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الأدب عند الإمام الصادق (عليه السلام)... .
                          • الكاتب : عبدالاله الشبيبي .

الأدب عند الإمام الصادق (عليه السلام)...

من أسباب استمرار الثقافة والمعارف الجعفرية وقدرتها على تخطي المراحل الصعبة أن هذه المعارف قامت على أصول أربعة، أولها هو الدين أو المذهب، فهو ركنها الركين، أما الأركان الأخرى فهي الأدب، والعلم، والعرفان.
ولا نعرف في تاريخ الأديان في العالم مذهباً أو ديناً اهتم إلى جانب أمور العقيدة بأمور الأدب والعلم اهتمام المذهب الجعفري بهما. بل بلغ الاهتمام بالأدب في مدرسة جعفر الصادق (عليه السلام) مبلغاً جعل الباحثين يتساءلون عن أيهما كان الأهم عند الإمام: الأدب أم المذهب، والعلم أم الأدب؟.
وكان من رأي الإمام الصادق (عليه السلام) أن العلم والأدب يعمقان إيمان المؤمن، وأن قيمة كل امرئ ما يحسنه. وكان يقول إن إيمان العالم أعمق من إيمان العامي، وإن العامي لن يعرف حدود إيمانه، ومبدأه ومنتهاه، ولن يسلم من التغيير والتبديل إلا إذا تعلم وأصبح إيمانه إيمان علم ووعي وفهم وإدراك.
وتعريف الأدب عند الإمام الصادق (عليه السلام) تعريف فريد ليس له مثيل. فهو يقول إن الأدب هو لباس العلم والفكر الذي يقر بهما من فهم السامع والقارئ، وبهذا التعريف وضع الأدب في موضعه الحقيقي، دون أن ينتقص من منزلة العلم والفكر. فللعلم قيمته، وللأدب زينته، وهو الوسيلة التي تقرب العلم إلى الأذهان.
وكان العرب قبل عصر الإمام الصادق (عليه السلام) يعنون بالأدب الشعر، وهناك آثار من الأدب المنثور نلمحها في العصر الجاهلي، ولكن الآثار الأدبية المنثورة كانت قليلة في القرن الأول من تاريخ الإسلام، باستثناء ما أبدعه المسلمون في هذه الفترة، وفي طليعتهم الإمام علي (عليه السلام)، الذي كان من أمراء النثر، وكانت خطبه في المناسبات المختلفة ذروة في البلاغة النثرية.
وقد قيل إن الإمام الصادق (عليه السلام) هو أول من رصد جائزة أدبية في تاريخ العرب، ولكن إذا كان المقصود بالجائزة الأدبية هو إعطاء الأديب أو المؤلف مبلغاً من المال، فإن جائزة الإمام (عليه السلام) تختلف عن ذلك، لأن العرب اعتادت منح جوائز إلى الشعراء وتقريبهم من الحاكم، وهي عادة استمرت بعد الإسلام، فكان الشعراء يمدحون الولاة تقرباً منهم.
وكان من عوامل انتشار الأدب وذيوعه في أيام الإمام الصادق (عليه السلام) أن الإمام لم يكن يفرض على الناس رأياً بعينه أو اتجاهاً منصوصاً عليه في الكتابة. فكان الأديب يختار الموضوع الذي يتفق مع رغبته وذوقه، كما كان الإمام من ناحيته يرحب بالأثر الأدبي، منثوراً أو منظوماً، ويتقبله برحابة صدر وإنعام نظر.
وفي رأيه أن الأديب هو الذي يبدع أثراً في النظم أو النثر يتفق مع تعريف الإمام (عليه السلام) للأدب، وليس كل ما أوتي قدرة على ارتجال القصائد أو الخطب أو المواعظ، كما كان يرى أن الأدب ضرورة للثقافة الدينية، بل هو ضرورة لتعزيز مكارم الأخلاق في نفوس الناس وإعلاء شأنها والسمو بها.
وكان يرى أن المجتمع الذي يتحلى أفراده بالعلم والأدب، والذي يبرأ من الظلم والعدوان على حقوق الغير، هو المجتمع الذي تنتظم فيه العلاقات بين أفراده، وتطرد أمورهم في سهولة ويسر.
ويعد القرآن الكريم أصلاً من أصول اللغة، بأسلوبه النثري الرائع، ولا غنى لأديب أو كاتب عنه لأنه أروع آيات البيان، وقد عجزت العرب عن الإتيان بمثله أو محاكاته.
فلما جاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحفيده علي بن الحسين(عليه السلام) اجتهدا في صنع أسلوب قرآني بلاغي فريد، فترك الأول مجموعة خطبه مسجلة في كتاب (نهج البلاغة)، وهي فصول في الموعظة والحكمة والسياسة والأدب، وترك الثاني كتاب (الصحيفة السجادية) وهو يضم أروع النماذج في الدعاء والابتهال إلى الله ومناجاة الحبيب، مما يردده كل عارف بالله وزاهد وصوفي (حقيقي).
ثم جاء الإمام الصادق عليه السلام، فشجع الناس على الكتابة، ودفع تلاميذه وأصحابه إلى التأليف والتصنيف، فاستهل بذلك عهداً جديداً من عهود الأدب المنثور، ولا غرو، فقد مر بنا قوله:
ليس اليتيم الذي قد مات والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب
مُستل من كتاب الامام الصادق كما عرفه علماء الغرب، ص234 وما بعدها.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=122175
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 07 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 20