• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الأمراض الاجتماعية ... الإيمان بالحظ نموذجاً .
                          • الكاتب : ابو ذر الامين .

الأمراض الاجتماعية ... الإيمان بالحظ نموذجاً

المجتمع الذي هو عبارة عن مجموعة من البشر خلقه الله تعالى ساعيا نحو الكمال بطبعه فالإنسان الذي يبحث عن العلم ويسعى اليه هو باحث عن كماله الذي يظنه في طلب العلم والتعلم، كذلك الساعي نحو المال المذلل للصعاب من اجل تحصيله وجمعه، وهذا السعي يأتي به الانسان عندما يظن بأن كمال نقصه يحصل بما يسعى اليه، وربما يكون ما يسعى اليه يستحق بنظر غيره او لا يستحق فالمهم هو اعتقاده بما يريد. لذا جاءت الشريعة لتهذيب هذا السعي عن طريق تبيين الغايات ومكمن الكمال الحقيقي وطرق الوصول اليه.

عندما يفشل الانسان في تحصيل مراده الذي يظن ان به كماله تبدأ النزعات الداخلية في الظهور فأما ان يصاب بالإحباط والانطواء على الذات او يبرر ذلك الفشل، وهذا التبرير ربما يكون واقعيا وربما غير ذلك، وكلامنا في هذه العجالة في الاخير أي التبرير غير الواقعي الذي يريد منه الانسان تغطية فشله في سعيه.

هناك الكثير من التبريرات غير الواقعية التي ينسجها الانسان من خياله من اهمها واشهرها هي الايمان بالحظ او البخت !! , حيث يؤمن مجموعة ليست قليلة من المجتمع بقضيته وانه حق لا ريب فيه , خلاصته ان الانسان عندما يذهب منه رزق معين او يفشل في تقديمه لوظيفة معينة او في دراسته او امتحانه او زواجه ...... الخ يرمي هذا الفشل في ربقة وخانة الحظ والبخت وان هذه النتيجة التي وصل اليها ليست بسببه ولا علاقة لنفس الانسان بها انما هي امر عشوائي لا حكمة فيه وكأنما الدنيا تسير بطريقة عبثية! , والعكس كذلك أي الذي يأتيه مال كثير فجأة او تكون زيجته ناجحة ايضا هو بسبب الحظ .

عندما تتحدث من بعض المؤمنين بهذا الامر من ان الحظ لا وجود له ولا يمكن ان يحصل شيء من دون وجود مقومات له ومسببات وان لكل معلول علة أوجدته، يبرر كلامه بأن الحظ موجود في القران في عدة موارد فإذا قال به القران الذي هو كلام الله سبحانه فهو موجود وواقع حقيقة ولا مجال لإنكاره! متجاهلا ان معنى الحظ في القران غير الذي يقصده المجتمع بكلامه وان بينهما اشتراكا لفظا لا غير. وإليك عزيزي القارئ بعض الآيات التي ذكر فيها الحظ ولنرى معناها حتى يتبين لك صحة ما نرمي اليه وندعيه.

1- قوله تعالى: ((وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) ال عمران 176.

2- قوله عز وجل: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) النساء 11.

3- قوله سبحانه: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) النساء 176.

4- قوله عز وجل: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) القصص 79.

5- قوله تعالى: ((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) فصلت 35.

 

هذه مجموعة لآيات ذكر فيها لفظ الحظ والواضح من معناها ان الحظ هنا بمعنى النصيب، وهو لا يُتأتى لكل شخص من دون عناء وتعب او ظروف موضوعية تؤدي بالإنسان لإكتساب شيء مهم وخطير.

مثلا الآية الاولى نجد قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ) يشير الى ان الذين كفروا لا يكون لهم حظا (نصيب) في الاخرة أي في الجنة وذلك لأنهم كفروا والذين لهم ذلك الحظ (النصيب) هم الذين امنوا أي الذين عملوا ما فرض الله تعالى عليهم وتركوا ما نهاهم عنه، فالحظ هنا لم يأتِ إليهم من دون عمل وعناء او وجود للمعلول دون وجود علة موجدة له.

وكذلك آيات الارث الانفة الذكر هي كذلك فلولا الموت الذي حصل للمورّث لما وصل إليهم شيء، ومن الواضح ان المراد من الحظ هنا هو النصيب ولا اعتقد ان هناك من ينازع في هذا الامر البيّن.

والنتيجة فإن الحظ في القران الكريم هو النصيب ولا يتأتى الا بأسباب وظروف موضوعية تكون بمثابة العلة لتحقق معلولها، ولا يمكن القبول ان معنى الحظ بالقران هو الحصول العبثي للشيء من دوم مقدمات واسباب.

اما من الناحية العقلية فقد أطبق الحكماء على ان الحظ بالمعنى المصطلح بين العامة أي وجود الشيء من دون علة موجدة له او صدفة وبصورة عبثية من دون مقدمات هو امر محال، ويعتبرون الحظ والبخت من الوهميات التي ليس لها أي وجود ومصداق خارجي ومدارها في ذهن الانسان الذي اخترع هذا المعنى.

يقول الفيلسوف والمفسر الكبير السيد الطباطبائي في كتابه بداية الحكمة: (والانسان الذي يهرب من سبع إنما يهرب مما هو بحسب الحقيقة سبع لا بحسب التوهم والخرافة، لكنه ربما أخطأ في نظره فرأى ما ليس بحق حقا وواقعا في الخارج كالبخت والغول..).

كلامه هذا نابع من حقيقة غاية من الغايات التي يحث عنها الفيلسوف التي هي التمييز بين الموجودات الحقيقية و غير الحقيقية.

ويقول المفكر والفيلسوف الشهيد مرتضى المطهري في كتابه العشرون مقالة: ((ولم نشاهد في القران والروايات ذكرا للبخت والحظ، كما ان الكتب الفلسفية كلما تطرقت للبخت والصدفة منذ القدم أشارت إليه كأمر وهمي)). وكذلك يقول في كتاب اخر ((مجموعة اثار الشهيد مطهري ج1 ص522)): (والمؤسف ان هذا النمط من التفكير هو السائد بين الكثير من الناس، ولا شك في ان الانسان لو كان واقعيا بعض الشيء، ويفهم علاقات العلة والمعلول للأحداث وقضايا العالم، ولو تأمل قليلا في مسائل العلم بشكل علمي واستعان قليلا بعقله وفكره، سيفهم ان مسألة الحظ ليست سوى خيالا ووهما شيطانيا، فلا عقل يعترف بالحظ والبخت ولا الدين). وهذا الكلام منه قدس سره كأنه عصارة مطالعات كثيرة للموروثات الدينية والعقلية بحيث توصل الى ان الايمان بالحظ والبخت هو من الخيالات الشيطانية وهو امر يستحق التفكير والتدبر. وكذلك يقول في شرحه على كتاب استاذه اصول الفلسفة والمنهج الواقعي: (ج – الوهميات: الادراكات التي ليس لها أي مصداق في الخارج فهي باطل محض نظير تصور الغول والعنقاء والحظ).

يتبين لنا الى هنا ان الدين والعقل لا يقبلان بالبخت والحظ ويعتبرانهما من الوهميات التي لا وجود لها، ولنعم ما قاله امير المؤمنين عليه السلام: (إذا قويت نفس الانسان انقطع الى الرأي، وإذا ضعفت انقطع الى البخت).

اما ما هي الاسباب الداعية للإنسان للإيمان بهذا الامر فكثيرة منها الجهل وضعف التوكل على الله تعالى وعدم النظرة الواقعية، لكن يعد الجهل أكبر سبب يؤدي الى مثل هذه الامور، فالجهل الذي لا ينفك عن أي مشكل نفسي واجتماعي بل كل مفسدة على أي مستوى من المستويات بحيث يكون هو أحد المسببات لها، فإن مشكلتنا هنا متقوّمة به وثابتة على ركنه. لذا تضافرت النصوص الدينية للتحذير منه والسعي نحو نقيضه أي العلم والحث عليه وترتيب الاجر الجزيل على طالبه وكل ذلك لأجل مكافحته ومحاولة جادة للقضاء عليه، كالقول المنسوب للنبي (صلى الله عليه واله وسلم) المشهور: (تعلم العلم ولو كان في الصين)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (اطلبوا العلم من المهد الى اللحد)، وغيرها الكثير الذي لا يكاد يعد في الموسوعات الروائية في ابواب الحث على طلب العلم وذم الجهل.

واعتقد ان الجهل هو امر ممقوت فطريا عند الانسان كما ان العلم محبوب فطريا، لذا فالناس توقر العلم وتحقر الجاهل بصورة فطرية، وما ذلك إلا للإرتكاز الفطري في الاذهان من ان العلم شيء عظيم والجهل عكسه. لذا فإن هذا الامر يكفينا مؤونة تبين اهمية العلم وعلوه وخطورة الجهل ودناءته.

والخلاصة: إذا اراد الانسان من اطلاقه لفظ الحظ هو نفس المراد القراني أي النصيب الذي لا يأتي من دون علة وسبب فهو امر صحيح نقلا وعقلا، واما إذا كان المراد هو حصول الشيء من دون مسبب وحكمة فهو باطل.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=126650
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 11 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 17