• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مصر وذرية الحسن المجتبى (ع) مقام زيد الأبلج (رض) .
                          • الكاتب : د . احمد قيس .

مصر وذرية الحسن المجتبى (ع) مقام زيد الأبلج (رض)

مرّ معنا آنفاً في القسم الأول الخاص بذرية الحسن المجتبى (ع) شيئ من ترجمة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) بشكل موجز.

وزيادة على ما مرّ معنا سابقاً ، سنعمد في بداية هذه المقالة الى استعراض خطبة الإمام الحسن (ع) التي قالها بعد وفاة واستشهاد أبيه الإمام علي بن ابي طالب (ع)، والهدف من وراء ذلك سيتضح من خلال سياق هذه الخطبة التي نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين) صفحة 33 وما بعدها.

يقول الأصفهاني بعد ذكر سند رواة هذه الخطبة : ( قالوا : خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي (ع) ، فقال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الأخرون بعمل ، ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرائيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.

ثم خنقته العبرة ، فبكى وبكى الناس معه.

ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي الى الله سبحانه بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : (( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات * قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور)) ( سورة الشورى الآية 23) . فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت ..... ثم نزل عن المنبر .)).

وكنا قد ذكرنا أيضاً في القسم الأول ( مقالة السادة الطباطبائيين) ، أن ذرية الإمام الحسن (ع) قد انحصرت بولديه : زيد وكنيته ( أبا الحسين ) وعرف لاحقاً بالأبلج لشدّة بياض وجهه، وبالحسن بن الحسن والمعروف بالحسن المثنى رضوان الله عليهم أجمعين . ولا خلاف حول هذا الأمر بين المسلمين. ومقالتنا هذه تتحدث عن شيئ من أخبار وأحوال زيد الأبلج (رض)من جهة ، وعن صحة نسبة المقام المشهور في مصر له من جهة أخرى.

وعليه، فإننا سنبدأ بالكلام عن أحوال وأخبار زيد الأبلج (رض) ، ثم نعرج على استعراض مسألة صحة نسبة المقام له، والكلام حوله وفيه.

فقد ذكره الشيخ المفيد في ( الإرشاد)ص 194 وابن عنبة في (عمدة الطالب) ص 72 ، والطبرسي في ( أعلام الورى) ص 220 ، ومحسن الأمين في ( أعيان الشيعة ) ج 10 ، ص 454 ، واللواساني في ( الدروس البهية ) ص 47 ، والعديد من العلماء والمؤرخين. وقد قام السيد محسن الأمين بنقل جملة أحوال زيد الأبلج ( رض) وأخباره عن العديد من المصادر والمراجع ، ومما قاله حول هذا الموضوع : أقوال العلماء فيه :

في عمدة الطالب ص 48 ،كان زيد يكنّى أبا الحسين وقال الموضح النسابة أبا الحسن، وكان يتولى صدقات رسول الله (ص)، وتخلف عن عمه الحسين فلم يخرج معه الى العراق وبايع بعد قتل عمه الحسين ابن الزبير قاله ابو نصر البخاري، فلما قتل عبد الله أخذ زيد بيد اخته ورجع الى المدينة وله في ذلك مع الحجاج قصة، وكان زيد بن الحسن جواداً ممدحاً وأمه فاطمة بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري. وفي تهذيب التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات وكان من سادات بني هاشم، وكتب عمر بن عبد العزيز الى عامله: أما بعد فإن زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذو سنهم.......

وفي إرشاد المفيد، بعدما ذكر ولد الحسن بن علي عليهما السلام، وعد فيهم زيد بن الحسن قال : وأما زيد بن الحسن فكان يلي صدقات رسول الله (ص) وأسن وكان جليل القدر كريم الطبع طريف (طيب) النفس البر ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله وذكر أصحاب السيرة أن زيد بن الحسن كان يلي صدقات رسول الله (ص)، فلما ولي سليمان بن عبد الملك كتب الى عامله بالمدينة: أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فأعزل زيدا عن صدقات رسول الله (ص) وادفعها الى فلان ابن فلان رجل من قومه وأعنه على ما استعانك عليه والسلام. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز إذا كتاب قد جاء منه: أما بعد فإن زيد بن الحسن شريف بني هاشم ذو سنهم فإذا جاءك كتابي هذا فاردد عليه (إليه) صدقات رسول الله (ص) وأعنه على ما استعانك عليه والسلام. وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشير الخارجي ( من بني خارجة قبيلة) :

إذا أنزل ابن المصطفى بطن تلعة

                                                                         نفى جدبها واخضر بالنبت عودها

وزيد ربيع الناس في كل شتوة

                                                                               إذا خلفت أنواؤها ورعودها

حمول لأشناق الديات كأنه

                                                                           سراج الدجى إذ قارنته سعودها

(الأشناق) جمع شنق بالفتح وهو ما دون الدية وذلك ان يسوق ذو الحمالة الدية الكاملة فإذا كانت معها ديات جراحات فتلك هي الأشناق كأنها متعلقة بالدية العظمى. ومات زيد وله تسعون فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره وتلوا فضله، وممن رثاه قدامة بن موسى الجمحي فقال:

فإن يك زيد غالت الأرض شخصه

                                                                               فقد بان معروف هناك وجود

وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى

                                                                                 به وهو محمود الفعال فقيد

سميع الى المعتر يعلم أنه

                                                                                 سيطلبه المعروف ثم يعود

وليس بقوال وقد حط رحله

                                                                               لملتمس المعروف أين تريد

إذا قصر الوغد الدنيء نمى به

                                                                                  الى المجد آباء له وجدود

مباذيل للمولى محاشيد للقرى

                                                                            وفي الروع عند النائبات أسود

إذا انتحل الغر الطريف فإنهم

                                                                                لهم إرث مجد ما يرام تليد

إذا مات منهم سيد قام سيد

                                                                                    كريم يبني بعده ويشيد

في أمثال هذا مما يطول به القول، وخرج زيد بن الحسن رحمة الله عليه من الدنيا ولم يدع الإمامة، ولا ادعاها به مدع من الشيعة ولا غيرهم، وذلك ان الشيعة رجلان إمامي وزيدي، فالإمامي يعتمد في الإمامة النصوص وهي معدومة في ولد الحسن عليه السلام باتفاق الجميع، ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب. والزيدي يراعي في الإمامة بعد علي والحسن والحسين عليهم السلام الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن رحمة الله عليه كان مسالماً لبني أمية ومقلداً من قبلهم لأعمال، وكان رأيه التقية لأعدائه والتآلف لهم والمداراة، وهذا يضاد عند الزيدية علامات الإمامة كما حكيناه. وأما الحشوية فإنها تدين بإمامة بني امية ولا ترى لولد رسول الله (ص) إمامة على حال. والمعتزلة لا ترى لولد رسول الله (ص) إمامة على حال. والمعتزلة لا ترى الإمامة إلا فيمن كان على رأيها في الإعتزال ومن تولوهم العقد لهم بالشورى والاختيار، وزيد على ما قدمنا ذكره خارج عن هذه الأحوال. والخوارج لا ترى إمامة من تولي أمير المؤمنين (ع)، وزيد كان متولياً أباه وجده بلا خلاف . وفي الارشاد ومن مراثي محمد بن بشير الخارجي فيه، ما رواه صاحب الأغاني بسنده، أنه لما دفن زيد بن الحسن وانصرف الناس عن قبره، جاء محمد بن بشير الى الحسن بن زيد وعنده بنو هاشم ووجوه قريش يعزونه فأخذ بعضاتي الباب وقال:

أعيني جودا بالدموع وأسعدا

                                                                                بني رحم ما كان زيد يهينها

ولا زيد إلا أن يجود بعبرة

                                                                            على القبر شاكي بكية يستكينها

وما كنت تلقى وجه زيد ببلدة

                                                                           من الأرض إلا وجه زيد يزينها

لعمر أبي الناعي لعمت مصيبة

                                                                       على الناس فابيضت قصيا رصينها

وأنى لنا أمثال زيد وجده

                                                                                  مبلغ آيات الهدى وأمينها

وكان حليفيه السماحة والندى

                                                                               فقد فارق الدنيا نداها ولينها

وقد توفي سنة 120 بين مكة والمدينة بموضع يقال له ساجر وهو ابن تسعين سنة كما في إرشاد المفيد، وتهذيب التهذيب، وفي عمدة الطالب عاش مائة سنة وقيل خمساً وتسعين وقيل تسعين.

وهذا المعنى حول مكان وفاته عليه شبه إجماع بين العلماء والمؤرخين ، وهذا الأمر أكدّه أيضاً الدكتور محمود صبيح في (المنتدى) على موقعه الإلكتروني.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن بشكل مباشر : من هو إذاً صاحب المقام الموجود بمصر الى جانب مقام الشريف حسن الأنور والد السيدة نفيسة (رض)؟

بعد التحقيق وبشيء من الإختصار تقول : هو زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع). بمعنى أنه ابن حسن بن زيد الملقب بالأنور وليس والده كما هو مشهور بين الناس. وبعبارة أخرى هو ليس زيد الأبلج (رض) ابن الإمام الحسن المجتبى(ع) الذي كان يلي صدقات رسول الله (ص) ، بل حفيده الذي يحمل اسمه ، وبالتالي قد يكون ذلك هو السبب حول إلتباس الأمر عند الكثير من الناس. والذي يعضد ويؤكد هذا المعنى الذي ذهبنا إليه الأمور التالية:

1- الإجماع بين المؤرخين والعلماء على وفاة زيد الأبلج(رض) بين مكة والمدينة.

2- إنتقال الشريف حسن بن زيد الملقب بالأنور مع أفراد أسرته الى مصر ، ومن ضمنهم كانت السيدة نفيسة (رض) المقطوع صحة نسبة القبر والمقام لها ، والذي سنتحدث عنه بشيء من التفصيل بمقالة خاصة.

3- إستحالة إغفال ذكر وجود قبر ومقام لإبن سبط النبي (ص) في مصر بين المؤرخين الذين أجمعوا على وفاته في الحجاز كما ذكرنا آنفاً.

4- عدّ العلماء زيد من جملة أبناء حسن الأنور وبشيء من الإجماع ، وقد ذكره محسن الأمين في أعيانه، ونقل عن تهذيب التهذيب : أن زيداً نقل وروى عن أبيه (حسن الأنور) عن جدّه (زيد الأبلج) ، وزاد في الخلاصة أنه أخو السيدة نفيسة (رض).

5- قول الدكتور محمود صبيح في منتداه : أن مقام حسن الأنور موجود بحي الخليفة بالقاهرة ومدفون معه ولده زيد الأصغر ، أما زيد الأبلج (رض) الذي توفي عام 120هـ ، فقد دفن بين مكة والمدينة.

وبناءً على ما تقدم ، يمكن القول وبكثير من الإطمئنان أن المقام الموجود في القاهرة بحي الخليفة الى جانب مقام حسن الأنور (رض) هو لولده زيد الأصغر وكنيته (أبا طاهر) بحسب ما ذكر ابن عنبة في ( عمدة الطالب) لا زيد الأبلج (رض) والله أعلم .

وعلى كل حال فهو فرع من الدوحة  النبوية المباركة التي يستحب زيارتها ، وتجب مودتها كما جاء في الذكر الحكيم، وعلى لسان النبي الأمين، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=128061
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 12 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11