• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : حكمة مرجع.. القسم الأول .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

حكمة مرجع.. القسم الأول

 تنهض الأمم حين تثق بقدراتها، وتدرك المعين الذي يستمد إنجازاته من منهج أئمة الفكر والسلام (عليهم سلام الله)، هذا المعين الذي يمتلك الحنكة والبراعة والتميز بمواقف تكشف عن معدن الهوية، وعن التخصص الذي لا ينغلق لتعصب ما، أو لرؤى ضيقة المعنى، والتميز هو مقدرة الطموح للأمن والسلام، وعلى صهر تلك المواقف الصعبة لصالح الأمة، من أجل خلق التفاعل الإنساني الأسمى، والتأكيد على جوهر الثقة لأصالة الانتماء المؤمن وقدرته المميزة على حصافة الرأي في وقت تشتتت فيه الآراء، ورصانة موقف تفردت عن مواقف الآخرين، بما يجعلها قدوة لمفهوم الاصالة والنجابة، فكان ابداع علمائنا العلم والعطاء وحسن المقام والريادة في الوفاء الذي هو ثمر الوعي بقيم هذا الانتماء المدرك المتشبث بمعناه، ولم يتخلَّ يوماً عنه في سراء ولا ضراء. حملوا اصوله المكونة للوجود المعنوي والساعي لانتقال المجتمع من حالة التناحر الى الوحدة والوئام، والارتقاء بالثقافة المؤثرة الى عالم الواقع، لذلك وقفوا في مقدمة الدفاع عن العراق وشعبه، وبذلوا جهداً تضحوياً ليتمكن من استيعاب المواقف، اعتمادا على وضوح الرؤية التي منحت هذا الجهد قدرات، مكنت هذا الانتماء للرقي، بما امتلكت من آفاق معرفية حضارية وفكرية، عبر فرادة ما تميز به سماحة السيد السيستاني (دام ظله الوارف). بالإضافة الى كمالاته الأخرى، فمن اهم معايير الحنكة في القيادة هي وضوح الصورة المؤسسة لمفهوم الرؤية والمكونة لسمة الإحاطة المتمكنة، لفهم المتداول الواقعي السياسي والاجتماعي المأزوم، وفق قراءة واعية تنفرد عن القراءات الغرضية، وهذا البعد البناء هو إمكانية القائد المحنك من اجتياز المراحل المأزومة بهدوء الثقة العالية بالنفس، دون أن يترك أثراً انفعالياً سلبياً، أو خللاً في موقف معين، ومثل هذه النتيجة تدل على مستوى الأداء المثالي القادر على قراءة المكون الفكري للخصم بدقة ومعرفة خطواته، وأساليبه وامكانيات ما يمتخض عن مدراك تخمينية عارفة بمعايشة الحدث ورصد سلوكياته. لنقف امام مرتكز مهم من مرتكزات علماء البصيرة، وما اكتسبوه من علوم أهل البيت (عليهم السلام)، والاحتكام الى البصيرة هو انتقاء مقدرة تقصي البنى المزاجية والانفعالية عن مواقع التحكيم؛ لأن حيوية البصيرة المتقدة تجعل النظر في عواقب الأمور تدبر بحنكة هذا الانتماء الروحي، ويمنح المعرفة موهبة قدرة اثر تراكم التجارب المعرفية من سيرة العلماء، لهذا استطاع المرجع الأعلى السيد السيستاني(دام ظله الوارف) أن يقرأ الاحداث بدقة وتفحص عال. فعلى الرغم من ضخامة الأحداث في كمها وكيفها مابعد 2003 م، وتهاوي مصداتها وتكاثر صناعها، انبرى سماحة السيد بالحكمة المعهودة عنه ليضمد الجراح ويعالج الأدواء، ولم يؤمن بالانكفاء حين يتسع الخرق على راقعه، بل عمل وفق الحكمة العلوية (خير العلم ما نفع) فما اعظم المنفعة التي تلقاها الشعب العراقي من علم سماحة المرجع وثقافته الشمولية المتنوعة التي اكتسبها عن مطالعاته الكثيرة طيلة عقود من الزمن لكتب ومصادر تختلف بموضوعاتها، وتتجاوز الاختصاصات الفقهية والأصولية إلى علوم القانون والتاريخ القديم والحديث، وكتب مذكرات الساسة مرورا بالكتب الفكرية الحديثة، والذي كان يحرص على مطالعتها بكل دقة وتأن. وعرفت منهجية مطالعاته بأنه يقرأ الكتاب مرتين، ليتعرف على منهجية المؤلف وأخرى يركز فيها على مضمون الكتاب ومطالبه.. هذا الشغف في طلب العلم وغزارة الإطلاع على الثقافات العامة المختلفة وخبرات المتخصصين كان له الأثر الكبير على شخصية سماحة السيد ونظرته للأحداث وقراءته لها وكيفية التعامل معها على أعلى درجة من الاتزان والتعقل عند اتخاذ القرارات، دون أن تؤثر عليه الضغوطات الخارجية والنفسية وحتى الصحية،. الجميع يتذكر حكمة وصبر المرجع الأعلى حين تعامل مع الأحداث التي جرت في النجف الأشرف في عام 2004م بعد محاولات حثيثة من قبل الساسة لحل الأزمة، ولكن لم يفلحوا إلى أن وصل الأمر إلى انتهاك الحرم المطهر لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث كان الخيار العسكري هو الخيار الأخير الذي أصرت عليه الحكومة الانتقالية وبمساندة قوات الاحتلال..! وقد حذر السيد المرجع وبشدة استخدام الحسم العسكري للخروج من الأزمة، وهو على فراش المرض بعد إجراء عملية (القسطرة) له في أحد مستشفيات لندن للعلاج من اضطرابات في القلب تزامنت مع أحداث النجف، حيث افرغ ما بوسعه -وهو في تلك الحالة- للخروج بحل سلمي والذي استبعدته أطراف الخلاف حينها، لتعقيد المواقف وتصلبها بينهم، فلم يجد سماحة السيد طريقا آخر غير العودة إلى العراق لحل النزاع الدائر وإنقاذ الموقف على الرغم من الوضع الصحي الذي كان يمر فيه، فضلا عن خطورة الوضع الأمني المنهار في أماكن متعددة من البلاد. فالجميع كان يبدي النصح بالتريث حتى تنتهي الأزمة، ويستتب الوضع الأمني؛ لأنهم يوقنون أن دخوله للعراق في تلك الظروف يشكل خطرا على حياة السيد المرجع والذي كان له رأي آخر: ((إن إنقاذ النجف أهم، وكرامة المرجعية أهم من حياة المرجع))، عبارة عظيمة وجليلة في أهدافها، وعميقة في معانيها، ولو كتبت بالذهب على المآقي لما اوفت حقها. بهذا الإصرار والروحية العلوية قرر سماحة السيد السيستاني (دام ظله) العودة إلى العراق عن طريق دولة الكويت يوم الأربعاء المصادف 25/8/2004م ومن ثم الدخول إلى البصرة مباشرة ليطلق منها مبادرته الحكيمة التي أذهلت الساسة والمراقبين، وأحرجت كل من لا يعرف طريقا لحل الأزمات سوى الرصاص..! فمن البصرة الفيحاء أعلن ممثله عن مبادرة المرجعية الدينية في الحل، وقد كان أولها هو دعوته للجماهير العراقية بالتوجه مع موكب سماحة السيد صباح اليوم التالي إلى مدينة النجف الأشرف والوقوف على أطرافها، لتلقي الأوامر من مكتبه الشريف. زحفت الجماهير في يوم الخميس المصادف 26/8/2004م من جميع المدن العراقية ملبية دعوة مرجعيتها، لتحط رحالها على مشارف مدينة سيد الأوصياء، ملتزمة بأمر مرجعها بعدم الدخول إلى المدينة، وكلها عزم واقتدار، وقد قدرت القنوات الرسمية حينها عدد الزاحفين إلى النجف بثلاثة ملايين مواطن، وفور وصول سماحة السيد في الثالثة عصرا إلى مشارف مدينة النجف الأشرف، حيث كانت الأمواج البشرية تزداد والهياج الجماهيري يبلغ مداه بسيله البشري، توجه إلى مقر إقامته المؤقت في احد أحياء مدينة النجف، ليعلن عن خطته التي نصت على الاتفاق الذي على أساسه حُلت أزمة النجف، حيث جاء فيه: بسمه تعالى إن سماحة السيد السيستاني (دام ظله) يدعو إلى ما يلي: أولاً: إعلان مدينتي النجف الأشرف والكوفة خاليتين من السلاح، وخروج جميع العناصر المسلحة منهما، وعدم عودتهم إليها. ثانياً: تولي الشرطة العراقية مسؤولية حفظ الأمن والنظام في أرجاء المدينتين. ثالثاً: خروج القوات الأجنبية منهما. رابعاً: تعويض الحكومة العراقية جميع المتضررين في الاشتباكات الأخيرة. خامساً: مساهمة جميع القوى والتيارات الفكرية والاجتماعية والسياسية في خلق الأجواء المناسبة لإجراء التعداد السكاني، ومن ثم الانتخابات العامة التي من خلالها يمكن استعادة السيادة الكاملة. 9 رجب/ 1425 للهجرة وتحت ضغط هدير ملايين الجماهير المجتمعة على مشارف المدينة، وتحذير المرجعية الدينية الشديد لجميع الأطراف بمواصلة الاشتباكات العسكرية داخل المدينة، تم تنفيذ بنود هذا الاتفاق، وأنقذت مدينة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحفظت دماء أبنائها الغيارى الكرام. امتازت خطوات سماحة المرجع بدقتها التي اذهلت العالم، إلى درجة أعيت سلطات الاحتلال المناورة والمخاتلة أمام الرأي العام الداخلي والعالمي، فما كان عليهم إلا الرضوخ لمطالبه، هذا الواقع الذي كشف لأكثر من مرة انه بحاجة ماسة الى مجهوده الفكري الذي احبط لهم جميع خططهم التي رسمها خبراء ساسة العالم المخضرمين، والمتبناة من قبل أعتى القوى العظمى في العالم، وحكمة صبره التي أفشلت جميع المحاولات المغرضة التي لعبت على وتر الاقتتال الداخلي، وإذكاء فتنة الحرب الأهلية، لتجد سلطات الاحتلال ذريعة قانونية أمام المجتمع الدولي بإطالة تواجده كمحتل في العراق. وكانت من اشد تلك الفتن وأعظمها ضراوة هي الاعتداء الآثم بتفجير مرقد الإمامين العسكريين(عليهما السلام) في سامراء، حيث أوشكت شرارته أن لا تبقي حجراً على حجر في هذا البلد المظلوم، وبيقظة نظره الثاقب لخطورة ما تؤول إليه الأوضاع، ابعد الاتباع من ان ينجروا إلى الحرب الأهلية، وحصن الوعي العراقي الى مقاصد ما سيجنيه المحتلون وأذنابهم المغرضون، وحذر من الأهداف المرسومة لمثل هذه الجريمة النكراء. وتوشح بالرداء العلوي المرصع بالحكمة والاتزان والصبر وكظم الغيظ على النوائب، وأعلن استنكاره لهذه الجريمة بأشد عبارات الاستنكار، محملاً قوات الاحتلال مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع بإذكاء هذه الفتن، داعياً الجماهير المؤمنة بالزام الحكمة والتعقل في التعاطي مع هذه الجريمة، مبيناً لهم خطورة الوقوع في فخاخ الفتن. وقد كان التأييد الإلهي واضحاً في استتباب الأمور ونجاح الثلة المؤمنة في تجرع ألم الغصة والالتزام بالهدوء، وعدم الانجرار وراء اقتتال داخلي، فقد صدر البيان بعد لقائه بمراجع الدين الكبار في مكتبه في النجف الأشرف وهم كل من المرجع الديني سماحة السيد محمد سعيد الحكيم، والمرجع الديني سماحة الشيخ محمد إسحاق الفياض، والمرجع الديني سماحة الشيخ بشير النجفي (أدام الله بركات وجودهم الشريف)، وقد نص البيان على: بسم الله الرحمن الرحيم )) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (( لقد امتدت الأيادي الآثمة في صباح هذا اليوم لترتكب جريمة مخزية ما أبشعها وأفظعها، وهي استهداف حرم الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) وتفجير قبته المباركة، مما أدّى إلى انهدام جزء كبير منها، وحدوث أضرار جسيمة أخرى. إن الكلمات قاصرة عن إدانة هذه الجريمة النكراء التي قصد التكفيريون من ورائها إيقاع الفتنة بين أبناء الشعب العراقي؛ ليتيح لهم ذلك الوصول إلى أهدافهم الخبيثة. إن الحكومة العراقية مدعوة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة في وقف مسلسل الأعمال الإجرامية التي تستهدف الأماكن المقدسة، وإذا كانت أجهزتها الأمنية عاجزة عن تأمين الحماية اللازمة، فإن المؤمنين قادرون على ذلك بعون الله تبارك وتعالى. إننا إذ نعزي إمامنا صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف) بهذا المصاب الجلل، نعلن الحداد العام لذلك سبعة أيام، وندعو المؤمنين ليعبّروا خلالها بالأساليب السلمية عن احتجاجهم وإدانتهم لانتهاك الحرمات واستباحة المقدسات، مؤكدين على الجميع وهم يعيشون حال الصدمة والمأساة للجريمة المروعة أن لا يبلغ بهم ذلك مبلغاً يجرّهم إلى اتخاذ ما يؤدي إلى ما يريده الأعداء من فتنة طائفية، طالما عملوا على إدخال العراق في أتونها. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون 23 محرم الحرام 1427هـ وثبة أخرى من وثبات المرجعية، اجادت التعاطي مع الاحداث، واذهلت أعداء هذا البلد المحصن بالصلوات، فأذعنوا لفشلهم، وتيقنوا من عدم مقدرتهم على الاستمرار في إغواء من ورائهم بذرائع واهية من أجل إطالة فترة احتلالهم للعراق، علّهم يتداركون بعض ما خططوا له، ولكنهم أحرجوا كثيرا، وبدؤوا بالاستعداد للانسحاب طواعية للحفاظ على النزر اليسير مما تبقى من ماء الوجه.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=128096
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 12 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 03 / 26