• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : دور المراءة في التجربة الديمقراطية في العراق بين الواقع والطموح .
                          • الكاتب : هيفاء الحسيني .

دور المراءة في التجربة الديمقراطية في العراق بين الواقع والطموح

من بديهيات الفكر القانوني أن الدستور والقوانين هي نتاج الثقافة والفكر لمجتمع ما، وهو انعكاس للخزين الذي ورثه المجتمع من تراكمات تأريخية وحضارية ، حيث ينعكس كل ذلك على الدستور وعلى مجمل مفاصل الحياة حتى على اللغة..
فحينما تحشر القيم الاجتماعية المرأة مع الفئات المستضعفة وينظر لها على انها كائن ضعيف لابد من حمايته من قبل الرجل أو الفكر الذكوري .. يبدأ الدستور يتكلم بنفس المنطق !!
وهذا يتضمن اهانة للمرأة إلى حدٍ ما ، بشكل أو بآخر ، رغم ان نوايا من كتب الدستور ليست كذلك ، فقد كانت نيته إنصاف المرأة لأنها في الحقيقة مهضومه في هذا المجتمع ، وهي بصراحة ، مهضومة الحقوق ليس في العراق فحسب بل في كل مكان من العالم وفي كل زمان.
وفي خضم اطلاعنا على نماذج كثير من الدول التي زرناها والتي سبقتنا في الديمقراطية، وجدنا أن المرأة هناك تعاني ـ ربما أقل مما تعانيه هنا ـ ولكن هناك تمييز بسبب الجنس في القانون والتدرج الوظيفي حتى بالأجور وساعات العمل، وهذا معروف للجميع.
وربما لتلك النظرة الى المرأة سبب تراكمي تاريخي يشير اليه تاريخ المجتمعات التي كانت تقتات على السلب والنهب والقتال وهذا ماكان يقوم به الرجل الذي كان يحمل السلاح والمرأة لا تقاتل، فتكون النظرة هنا إلى المرأة نظرة دونية على الرغم من ان المرأة تقوم بأعمال أكبر وأشق مما يقوم به الرجل، هذا الأمر انعكس تدريجياً وتأريخياً على نظرة المجتمعات للمرأة وخاصة المجتمعات التي مازالت تعتمد الأساس القبلي العشائري كما هو الحال بالنسبة للمجتمع العراقي ومازالت هذه النظرة تحمل التراكمات التاريخية ذاتها تجاه المرأة ، وإن انخفضت بنسبة كبيرة اليوم ..
وحينما تنعكس هذه التراكمات على مختلف نواحي الفكر والثقافة في المجتمع ، فمن الطبيعي ان ينعكس ذلك على اللغة أيضاً ، ولو قرأنا اللغة العربية ، وغالباً ما يتم تغليب الذكر على الأنثى في الخطاب في كثير من مناحي اللغة وآدابها وحتى الشعر، فحتى الحبيب يخاطب بلغة المذكر رغم أن الصوفية الذين يتغنون بحب الإله دائماً يرمزون إليه بأسماء إناث كليلى وسلمى وهذه مفارقة غريبة!!
وللإنصاف فان لغات أخرى حتى الإنكليزية ربما نجد فيها ذلك التحيز الواضح للذكور..
الرؤية القرآنية
وعندما جاء القرآن الكريم بلغة العرب جاء بوعي جديد للغة ومضامينها الاجتماعية وأعطى صورة واضحة لشخصية المرأة في إفراده خطاباً خاصاً بالمرأة وعدم تضمينها في الخطاب مع الذكر، كقوله تعالى :
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) (الحجرات:13)
و(للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) ( النساء: 32)
و(لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) (آل عمران: 195)
وهنا يوجد دائماً إفراد وخطاب واضح للمرأة، ثم يذكر في مقابل (المؤمنين المسلمين القانتين الصالحين) فيقول (القانتات الصالحات المؤمنات ) إلى غير ذلك..
 فالقرآن كسر هذا الحاجز في خطابه الواعي الدقيق وفي إفراده هذه الخصوصية للمرأة، وهذه ثورة في عالم اللغة.. مما يحدونا الى التساؤل حول مدى تخلقنا نحن بأخلاق القرآن؟
وسأضرب مثلاً  حول رؤية أحد علماء اللغة الكبار للمسألة الأنثوية ، ربما تعين الباحث على الاجابة عن التساؤل آنف الذكر ، فأحد علماء اللغة الكبار يصل إلى قوله تعالى:
(قالت الأعراب آمنا) ( الحجرات:14)
يقول انه تعالى أنزلهم منزلة الإناث لنقص عقولهم!!
بينما ليس للأمر علاقة بزيادة العقل أو نقصانه ، فأن تذكير الفعل أو تأنيثه للقلة أوالكثرة ، حيث تم تأنيث الأعراب لأنهم كثر ، بينما تم تذكير الفاعل آية (قال نسوة في المدينة) ( يوسف: 30) للقلة .
كما ورد في القرآن الكريم:
(إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم) (النحل: 58)
والحديث هنا عن مجتمع كان يئد البنات وهن أحياء، ولم أجد أو أقرأ عن أي حضارة من الحضارات تقتل بناتها لوجود نظرة دونية تجاه المرأة، إنما فقط ظهرت هذه الحالة في التاريخ العربي، فنحن سليلو حضارة تدفن بناتها لأنها ـ ربما ـ ستجلب العار يوماً على حد تعبيرهم وهي لا تقاتل ولا تحمل السلاح. مع هذا فالقرآن يستخدم صيغة ( البشرى) للأنثى في سياق مجيئها للحياة ..
كل هذا ليس من السهل التخلص منه إنما يجب تعزيز هذه الثقافة وسن قوانين وتشريعات تساهم في تعزيز دور المرأة.
التشريع والتراكمات التاريخية
ان هذا الأمر قد انعكس على العقلية المتحدثة وهي متأثرة بمخزون تراكمي لتاريخ العقلية العربية، وقد انسحبت هذه المسألة على الدستور العراقي فإنه كتب بعقلية ذكورية ، دون قصد الإساءة إلى المرأة من قبل من كتب الدستور بل على العكس فقد انتصروا لها في أكثر من موضع ـ ولكن هذه قضية تتعلق باللاشعور في ثقافة مجتمع كامل.
وقد كتبت إحدى الزميلات تقول : في ديباجة الدستور على الدوام (نحن أبناء العراق، نحن كذا نحن كذا..) ولم تتحدث عن بنات العراق ولم يرد ذكر للأنثى في هذا الخطاب.
هذا فيما تم حشر المرأة في الحديث عن العجزة ومن يحتاج الرعاية والمساعدة، لكن المرأة هي مثلها مثل الرجل وهي قادرة على التنافس مثله كما انها تساهم في صنع القرار السياسي ولذلك يجب الحديث عن المرأة بهذا الإطار وتطبيقه على أرض الواقع، ويبقى الأمر ليس سهلاً..
ورغم أن التشريعات تقوم بدور كبير جداً في تعزيز دور المرأة ، فان تشريعاتنا قد انعكس عليها ذلك المخزون والتراكم ، فلو نظرنا إلى القوانين العقابية على سبيل المثال فإنها لم تأخذ من القرآن شيئاً إنما أخذت من التقاليد والأعراف القبلية والعشائرية، خاصة فيما يتعلق بالأعذار المخففة في كثير من العقوبات ولا يؤخذ بها في الجانب التشريعي .
تحولات النصوص الحديثة
إن ضغوطات من قبيل التظاهرات قد أثمرت في إنتاج نصوص واردة في الإعلانات والمواثيق والصكوك الدولية، وقد ورد كثير من المواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، حيث جاء في المادة الثانية ان هذه الحقوق وممارستها يجب أن لا يكون على أساس تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو ما إلى ذلك.
ولعل نتاج كل هذه المساعي هو اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة بـ(سيداو) الصادرة عام 1980، أما من ناحية عدم تطبيقها بحذافيرها فإن مرد ذلك هو صدور تحفظات من بعض الدول المرتبطة بتقاليد وعادات معينة.
إن درجة السعي الدولي لتعزيز دور المرأة كونها شريكاً للرجل ومبدأ المساواة جعلت اليونسكو يعتني بهذه المسائل خاصة فيما يخص لغة المؤتمرات فيجب أن لا تترجم اللغة أو الخطاب بما يسيء للمرأة باستخدام أدوات لغوية معينة، مثلا (chair man) فيجب أن نقول (chair woman) للمرأة إذا كانت رئيساً للجلسة، أو (chair person ) حتى يشمل المرأة والرجل، وهكذا... نادى المجتمع الدولي بالابتعاد عما يسيء للمرأة في لغة المتحدث أوالمتحدثة فوضعوا بعد الشارحة تاء التأنيث..
سر قوة المرأة 
وبعد فالمرأة ليست ضعيفة أو أسيرة تقاليد بالية أو يعوزها من يوصل صوتها، بل هي أقوى من الرجل، والأدوار التي تمر بها المرأة ـ خصوصاً الفسلجية منها ـ شاهدة على ذلك فإن المرأة تتحمل وتصبر فيها بما لا يطيق معه الرجل صبراً وتحملاً، فلا صبر للرجل على الجلوس مع طفله ساعات قليلة في البيت لكن المرأة تتحمل ذلك ولديها صبر وقدرة لا يملكها الرجل.
والتاريخ يذكر لنا شواهد على قوة المرأة وانها في مواقف كثيرة كانت أقوى من الرجل، فالنساء اللائي عذبن في سبيل الرسالة السماوية التي جاء بها النبي الاعظم محمد( ص) حيث قد قضى بعضهن تحت التعذيب ولم يذكرن الرسول (ص) بسوء ، بينما كان هناك رجال معروفون من الصحابة ومشهود لهم بالجهاد قد ذكروا الرسول (ص) بسوء للتخلص من العذاب، وذلك وفق تشريع أباح ذلك (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ( النحل: 106).
فالقرآن يذكر لنا صورة لقوة المرأة وقد تقدم في بداية الكلام آية (إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم) فالقرآن يعبر بأنها بشرى وليست إخباراً عادياً فهي بشارة بالذكر والأنثى على حد سواء.
وقد ورد ذكر القرآن (مريم) بالأسم لعظم قصتها وإنها ولدت دون زوج وليس هذا تكريم لإمرأة على أخرى.
كذلك فإن الآية الشريفة تقول (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) ( النساء: 76)
بينما عن النساء (إن كيدكن عظيم) ( يوسف: 28)
وهذا الكيد ليس معناه إساءة للمرأة لكن المرأة تكمل شخصيتها وضعفها البدني بأمور ومسائل أخرى ومن نوع آخر لتحمي نفسها. لذلك فإن المرأة ليست ضعيفة كما يتحدث عنها البعض أو كما تتحدث عنها لغتنا الدارجة أو اللغة الموروثة من التقاليد والعادات القبلية.
وكذلك تقوم المرأة في الريف بأعمال أكثر من الرجل في الزراعة والحصاد وما إلى ذلك..
تعزيز دور المرأة في الراهن
عليه ، ينبغي على المرأة لإيصال صوتها أن تقوم بالدور الملقى على عاتقها.. وتعزيز دورها الراهن في المجتمعات عموماً وليس في العراق فقط ، هنا يجب القول بضرورة وضع مجموعة من القواعد تمكن المرأة من الحضور والمساهمة في صنع القرار السياسي ، ومنها أن يكون لها جانب وحضور في الانتخابات، وان كان ذلك متأخرا حتى في أوربا حيث استطاعت المرأة أن تقترع في نهاية القرن التاسع عشر، وفي أمريكا بعد تعديل الدستور عام 1920 وفي لبنان عام 1953.
والبعض وضع كوتة للنساء رغم ان الكوتة في مفهومها العام مخالفة لمبدأ المساواة ومتعارضة معه ولكن تعزيزاً لدور المرأة فإن وجود الكوتة لفترات معينة في بداية التحول هو ضمان لحضور المرأة في المجالس التمثيلية، والقانون الدستوري أخذ بهذا النظام.
ولدينا اليوم نساء حضرن بقوة في المجالس التمثيلية. ولكن دور المرأة مغيب في الحقائب الوزارية الحالية، فيما كان لها في حكومة الدكتور الجعفري ست وزارات ، مما يعكس تراجعنا مع الوقت في هذه المسألة.
نعم ، هناك مطالبات من قبل النساء حول وجود وزيرات ولكن لطبيعة العملية السياسية التي بنيت على أساس معروف فقد تم تغييب دور المرأة في هذا المجال.
إن أمام المرأة العراقية الكثير من العمل والكثير من الكفاح والنضال لتحصل على حقوقها وكذلك أمام الرجل ليساعد المرأة لا لأنها ضعيفة ولكن لأنه يؤمن بالحق ويؤمن بالعدل.
ونحن بحاجة إلى مزيد من التطوير في التشريعات العراقية وإلى تشريع قوانين جديدة تأخذ بنظر الاعتبار أن للمرأة دورا فاعلا وكبيرا جداً وانها شريك للرجل في صناعة الحياة.
وهناك فضاء واسع من الحرية للمرأة في العراق اليوم سوف يسهّل مهمتها من خلال حضورها في المجالس التمثيلية وبإمكانها من خلال هذا الحضور أن تسهم في صنع مثل هذه التشريعات التي ستنتصف للمرأة.
وأخيرا...
إن للمرأة دوراً كبيراً في هذه المحافل رغم وجود إرادة لتغييب المرأة في داخل الكتل ولكن ذلك لم يمنع أن كثيراً من النساء برزن وحضرن بشكل متميز وكان لهن صوت مسموع.
وبمرور الوقت سوف تكون الصورة واضحة وجلية وهي ترسم دور المرأة في صناعة الحياة وصناعة القرار السياسي وستأخذ دورها في النهاية، خاصة المرأة العراقية الصبورة، قد مرت بأدوار من الحرمان في مجتمع ذكوري دكتاتوري، وعقود طويلة من القمع والاضطهاد والتي أحدثت شرخاً كبيراً في الأسرة العراقية ودورها التربوي ، وسوف تثمر كل هذه الجهود لما فيه خير المرأة العراقية وتطورها وصلاحها .. وهذا ماسيعود بالخير والصلاح للعراق الجديد..
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=12921
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 01 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 15