يبدو ان الزخم الفكري الذي عاشه ابن خلدون وما قدمه من نظريات اجتماعية أنساه التفريق بين النظرية والحقيقة ، الحق والباطل ، العلم اليقيني والجهل المركب ، صحيح ان نظريات ابن خلدون ما زالت يُصدح بها في جامعات متعددة ، ومجتمعات تخضع لتشريح نظرياته وأفكاره ، ولكن يبدو ان ابن خلدون كان متأثراً بالناس فأفكاره مغلفة بالغموض الصريح و حسب ما يقال ان من اضمر شيئاً ظهر في فلتات لسانه وقسمات وجهه، لقد عكس ابن خلدون في مقدمته وتاريخه موقفه من الإمام الحسين عليه السلام مغلطاً الامام الحسين عليه السلام من ناحية الشوكة ومصوباً له من ناحية الأهلية ! بقوله ( وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها ) وفي نص اخر يقول ( فقد تبين لك غلط الحسين ، إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه ، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه ، وكان ظنه القدرة على ذلك )
ويبدو ان نظرته تلك في الإمام الحسين عليه السلام قد انتشرت وفي ذلك نقل أن الحافظ أبو الحسن بن ابي بكر حين سأله ابن حجر العسقلاني عن سبب غضه من ابن خلدون ذكر له قول ابن خلدون واصفاً الامام الحسين عليه السلام بأنه قتل بسيف جده ، وهذه المقولة رغم عدم وجودها في تاريخه الموجود الان ، الا ان النسخ القديمة قد أثبتتها ، وهذه النظرة متوافقة مع ما ذهب إليه القاضي الأندلسي أبي بكر بن العربي صاحب كتاب ( العواصم من القواصم ) الذي صور فيه الامام الحسين عليه السلام بأنه قتل بسيف جده !
ويبدو ان معارضة ابن خلدون وما جاء به من قول حصل في عصره وبالذات في مصر والتي توفي فيها ، وربما هذه المعارضات قد أجبرته على عدم الخوض في ذكر الامام الحسين عليه السلام او عدم الإسهاب فيه ، وترك صفحاتها بيضاء ، وفيما يتعلق بتلك الصفحات البيضاء الخالية كان للدكتور علي الوردي رأياً قائلاً ( يخيل لي أن ابن خلدون عندما أراد أن يكتب عن ثورة الحسين في تاريخه ، تملكته الحيرة وتوقف عن الكتابة ، فهو لايدري أيكتب الرأي الذي يؤمن به في قرارة نفسه ، أم يكتب الرأي الذي يريده الناس منه )
والظاهر بل الأكيد ان ابن خلدون لم يرجع إلى أقوال الإمام الحسين عليه السلام ونصوصه ولم يأت على ذكرها ، وكأنه لا علم له بها ولا دراية كقول الامام الحسين عليه السلام ( وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر )
لكن ابن خلدون لم يقدر على تخطأت الامام الحسين عليه السلام من الناحية الشرعية ولكنه حسب رأيه خطأه من الناحية الدنيوية ، وهذا النظرة تخفي ميلاً أموياً يعكس حقده على أهل بيت النبي صلوات الله عليهم .
من جانب آخر عُرف عن ابن خلدون رفضه لوجود الإمام المهدي عليه السلام فقد عقد فصلاً في مقدمته أنكر فيها على أئمة الحديث رواياتهم عن النبي صَل الله عليه وأله في الإمام المهدي عليه السلام ، وإيمانهم بها ، وزعم أن الروايات لا أصل لها ، رغم ان قضية الامام المهدي عليه السلام هي قضية عالمية لا ينكرها الا جاهل أو حاقد .
|