• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : الشاعر عبدالحسين بريسم،وطريق اثبات رؤياه ..!! .
                          • الكاتب : وجدان عبدالعزيز .

الشاعر عبدالحسين بريسم،وطريق اثبات رؤياه ..!!

 لاشك ان الشاعر عبدالحسين بريسم انتج الكثير من الشعر، وترك بصمته الخاصة، لكني اخيرا حصلت على ثلاث من دواوينه، وهي ديوان (البريسم)، و(قرط النعاس)، و(عراقي يكتب سيرته)، فوجدت اشعارها منهمكة تبحث عن نسغ الحياة وجمال الحب في وطنٍ مبتلاة بالوجع التليد، ووجدت الشاعر بريسم، قد وضع رؤيته وبقي وفيا لهذه الرؤية، ففي لقاء معه، كان جوابه لسؤال لِمَ الشعر وليس غيره كالقصة أو الرواية؟، وكان جوابه : (في البدء كان الشعر ومنه توالدت بقية الفنون ولا أجدني مخيرا في الشعر لاختار غيره، فانا والشعر تؤمان ولدنا معا ونعيش في عوالمه معا أيضا، فانا كتبني الشعر وكتبته، والى الآن يكتبني واكتبه، حتى أصل به إلى ما أريد، أو يصل بي هو إلى ما يريد، إني أجد ذاتي والوطن والنساء في قصيدة واحدة، ومنها تتعدد الأشكال والصور)، فبدأت اتابع صدقه الشعري، وما قاله اعلاه، فلم اجد افتراق، بل هناك اصرار وقصدية في بلورة موقف رؤيوي يكاد ان يكون ثابتا مع جماليات الحب والحياة بقضها وقضيضها، ومن البدء ثبت موقفا وادار ظهره، كي لايعبأ بالمصدات، وشاهِدنا من ديوانه (البريسم) قصيدة (حَمام الكاظم)، يقول فيها :
(تركتني اجر ثيابي
مثل نهر قديم
اسماكه تساقطت
مع الامطار التي..
لم تأتِ في موعدها
وأنا..
لا ارى سنابل تتبعني
ولا اشم..
رائحة الخبز
وأنا ايضاً
لا اعرف من المعنى
الا أنتَ)
فالكاظم عليه السلام، سيرته لها معنى، هذا المعنى توافق مع رؤية الشاعر بريسم، فبقي وفيا لهذا المعنى، وعزز هذا المعنى بقصيدته (طريق علي)، ونحن ندرك ان طريق الحق موحش، قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ((لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه))، وقال الشاعر : (هذا الطريق موحش وسالكوه فرادى/الاصوات كلها تداخلت/تدعو الفضيلة والخلاص/من جحيم خلفه الاضداد/وأنا لاارى الا الطريق)، وكأني بالشاعر يعاهد نفسه بفهم المعنى والوفاء له، فهو لايرى الا الطريق، واي طريق هو، انه (طريق علي)، وهنا صدقت مقولته، حينما قال الشعر يكتبني، واكتبه، أي بمعنى يكتبني حين يتوافق مع رؤيتي، واكتبه حين يحيد بي، نحو افاق الخيال الجامح، لاحاول ترويضه بصعوبة احيانا، ثم يقول أي الشاعر : 
(منذ خطت اصابع امي
على جسدي وشم الكتابة
وامطرت حزنها دهلة
على وجنات براءة
اغتالها ظلام بهيئة ضوءوشحيح
جمعت لك مطر الحروف
في نهر عتيق..
اقولها الآن..
بعدما وصلت لسن الحب
احبك.. بسلطة الدستور
ابكي ـ في حضرة الضوء ـ عمراً
محت نصفه الحروب
واندرس الاخر بالمجاعات)
اذن كلما حاولنا النزوع نحو الافاق الاخرى، يمسكنا الشاعر عند لازمة الكتابة والشعر، ويعلن التزامه بوفاءه الاول.. وبقي في (طريق علي) والكتابة الى ان جاء ولده علي، فسمى قصيدته (في انتظار علي) من ديوانه (عراقي يكتب سيرته) يقول فيها :
(كنت حلما في افق رأسي
حاولت ان امسكه
والبسه ثيابا واعلقه قمراً على نخلتي الوحيدة واسميه علياً انت حلم ما زلت انتظره وفي الصباح اقول ـ ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ـ وانتظر ليلة اخرى) فالشعر لحظات ابداعية لانستطيع ان نمنعها من المثول امامنا، لكن الشاعر بريسم يتمثل تلك اللحظات، ثم يهضم معناها، ليركب منها توكيدات قصدية لمعناه الاصل، علي عليه السلام رسالة انسانية متكاملة، فلسنا نحن نقول هذا، انما سيرته تنطق هذا الحق، والشاعر يحاول الاقتراب، ويحاول الجوار، فحلمه ان يكون في طريق علي، فجاء حلمه الاخر، وهو ابنه علي ليكون مهماز يستنهضه، كي يكون وفيا اصيلا لذلك الطريق، علي ابنه يعني تجدد لرؤيته.. تجدد لوفاءه لمطر حروف الشعر، حينما تسقط فتهتز وتربت ارض الشعر بين يديه وتنبت من كل زوج بهيج.. اذن علي الابن تجدد موقف بالنسبة للشاعر..(ومااروع قول سيد قطب : كلما ولد اديب عظيم ولد معه كون عظيم، لانه سيترك للانسانية في ادبه نموذجا من الكون، لم يسبق ان رآه إنسان وكل لحظة يمضيها القاريء المتذوق مع اديب عظيم، هي رحلة في عالم تطول أو تقصر، ولكنها رحلة في كوكب متفرد الخصائص متميز السمات.)4، فالقراءة في المساحات الشعرية رحلة، تبحث عن رؤية الشاعر ذي الموقف محفوفا بالمآسي والاوجاع، هكذا الشاعر بريسم يتحين لحظاته الشعرية، ليوجهها الوجهة التالية...فـ(الاديب يتأثر بكل اهزازات الذبذبة الانسانية سلبا وايجابا، ويتأثر بكل الوان الطيف الحياتي، التي تنسكب في وعاء وجوده كإنسان يمثل طبيعة الوجود وممثل لها، وهو كإنسان تأريخي يجب ان يرسم الطريق للأجيال الحاضرة والقادمة عبر ادبه الانساني الثر)5، وفي ديوانه (قرط النعاس) وقصيدة (محنة شاعر وأغنية) توضحت رؤياه، وهو يؤشر قلقه تجاه قضايا الحياة ومحنة الطريق، يقول فيها :
(وردة وفراشة
احداهما ترقص على موسيقى
 وجع كلماتي
والاخرى تمد جذورها مسامير
في كلمات قلبي
ايهما ترقص
وايهما تقتل
الوردة
الفراشات
 ...
اعبر أنا موجوعا
المسافة الخطرة
بين جناحي فراشتي
وعلى قرب حدودي المشتعلة
وردتي تراقب
متى اضع خطوتي
فوق ـ عبوة ناسفة ـ
حتى تعلن
اني آخر شاعر
سقاها شعرا
فأورقت
أيهما
فراشتي
وردتي)
وهنا عاش محنة الحياة والموت، الا انه استعمل جماليات الحياة : الوردة والفراشة، رغم انه يتخطى المسافات الخطرة، وهو موجوعا، فما الذي يجعل الشاعر بريسم موجودا؟، هي قد تكون حالة الوصول إلى ما يريد من خلال الشعر، لكن بطريق اثبات الموقف، فهو خابر الطريق بزواياه ويعرف مخارجه، (وعجيب ذلك الانسان، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن.. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء، بل يضفي عليها من خياله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال)6، وقد يبقى الشاعر عبدالحسين بريسم على قيد تحقيق رؤياه المحفوفة بالمآسي والعبوات الناسفة والحروب المتكررة، بيد ان نفسه تمتلأ بشعور البهجة، والسير في طريقه الخاص...

  هوامش البحث :
1ـ ديوان (ديوان البريسم) الشاعر عبدالحسين بريسم/مركز العراق الدولي للثقافة والاعلام/الطبعة الاولى بغداد 2009 2ـ ديوان (قرط النعاس) الشاعر عبدالحسين بريسم/المركز الثقافي للطباعة والنشر/بابل ـ دمشق ـ القاهرة الطبعة الاولى 2017 3ـ ديوان (عراقي يكتب سيرته) الشاعر عبدالحسين بريسم/دار الشؤون الثقافية العامة/الطبعة الاولى بغداد 2017 4ـ كتاب (الادب والفن) حسين علاوي/دار الشؤون الثقافية العامة/الطبعة الاولى ـ بغداد ـ 2009م 5ـ كتاب (الاتجاه الانساني في الشعر العربي المعاصر) مفيد قميحة/دار الافاق الجديدة/بيروت ص119 6ـ كتاب (فلسفة الجمال) د.اميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص 26




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=131755
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 16