• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : التفكر حياة قلب البصير!... .
                          • الكاتب : عبدالاله الشبيبي .

التفكر حياة قلب البصير!...

التفكُّر سياحة نورانية ورياضة إيمانية؛ ينطلق فيها القلب في وعي، والعقل في يقظة معاً بعيداً في ساحات الإيمان بلا قيد من جواذب الأرض وقيود الشهوات؛ ليجتمعا على التقاط الحكمة والمعرفة وتحقيق معاني الإيمان والترقي في درجات العبودية. المصدر: مجلة البيان.
وقيل: التفكّر يعني تسخير العقل، وله أهميّةٌ بالغةٌ في ميدان الجهاد الأكبر كونه يُرسّخ إرادة الإنسان في الجانب الخلقيّ ويُقوّي أُصول التقوى في نفسه، وبالتالي يُقوّم أفعاله ويُشذّب سلوكه. فالتفكّر يُصلح فكر الإنسان ويُنزّه عمله ويضع له منهجاً قويماً يسلك من خلاله سبيل الخير والسعادة، حيث وصفه الإمام جعفر الصّادق عليه السلام وصفاً رائعاً، فقال: التقوى ماء ينفجر من عين المعرفة.
فان حقيقة التفكر هو إجالة الفكر في الذهن ومحاولة الاستنتاج منها. إلا أن الذي يقتضيه الذوق العام، هو: أن ذلك وان كان هو التطبيق المهم لمعنى التفكر أو التفكير، إلا انه لا ينحصر بذلك، ومن هنا كان المعنى الذهني الواحد يسمى (فكرة) فحصول الفكرة ولو زماناً قليلاً هي نوع من التفكر.
ونحن الآن وان قلنا إن الفكرة تكون في (الذهن). كما هو المشهور أو المتعارف، إلا أن (الذهن) لم يذكره القرآن الكريم إطلاقاً، وإنما نسب التفكير إلى العقل تارة (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) والى اللب أخرى‏ (أُولِيْ الأَلْبَابِ) والى القلب ثالثة (هُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) والى النفس رابعة (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ) والى الصدور خامسة، كقوله تعالى: (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ) وقوله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). المصدر: فقه الأخلاق، ج‏1، ص80.
أن الذي يمتلك التفكير السليم والواقعي يخلق عنده الرؤية السليمة ومن ثم يصل الى الحقيقة وعالم النور والهداية، ولهذا ورد في الحديث التفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة، والتفكر مرآة صافية، وقيل التفكر حياة قلب البصير.
وإذا حافظت على التفكير السليم فسوف تصبح أكثر قدرة على وضع الأمور في منظورها الحقيقي, والتفكير السليم ليس دائماً سهلاً، إذ أنه من الصعب أن تفكر بطريقة منطقية، والتفكير السليم وضع الأمور في نصابها من الرزق الوفير الذي يسوقه الله إلى العبد, وهو الحكمة التي تجعل الإنسان يضع الأمور في نصابها الحقيقي, وقد امتن الله عزوجل على أصحاب العقول وأولي الألباب, ووصف أصحاب الفهم السليم بأنهم أصحاب العقول والنهى.
ولهذا قال صديقنا في منشورة على صفحات التواصل الاجتماعي كنتُ ذات يوم مقبل على الصلاة في سجادة مبللة وعندما انتهيت من الصلاة رفعت السجادة فوجدت اثرها على الارض فتأملت في نفسي وقلت ياليت اثر السجود ينطبعُ في قلبي!.
سينطبع هذا الأثر في القلب بعد الاخلاص في النية وبحضور القلب وخشوعه، وبالتأمل التام في ذلك المقام وأنت واقف بين يدي رب الانام وخالق الاكوان الرحمن، فأن الصلاة هي معراج المؤمن، وقربان كل تقي ورفرف الروح.
وان الصلاة عمود الدين أن قُبلت قبل ماسواها وان ردت رد ما سواها، وهي لحظات اللقاء مع المولى عزوجل وانت واقف بين يديه تدعوه وتتوسل اليه بنبي الرحمة محمد (ص) وال بيته الكرام، ان يقبل منك هذه العمل. 
كما اهتمّت النصوص اهتماماً بالغاً بالأعمال التي تنوّر قلب الإنسان لما يساهم ذلك في القرب من الله تعالى ومنها:
1_ قراءة القرآن وكثرة ذكر الموت: عن رسول الله(ص): إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: فما جلاؤها، قال(ص) قراءة القرآن وكثرة ذكر الموت.
2- الاتعاظ بالعبر والمواعظ: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة.
3- الذِكر: قال تعالى: ﴿الذين أمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، ومن وصية الإمام علي عليه السلام لإبنه الحسن عليه السلام: أوصيك بتقوى ولزوم أمره وعمارة قلبك بالذكر.
4- التفكّر: فقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام: التفكّر حياة قلب البصير.
5- مجالسة العلماء: قال لقمان لابنه: يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإنّ الله عزّوجلّ يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر.
6- إطعام المسكين واكرام اليتيم: إنّ رجلاً شكا الى النبي(ص) قساوة قلبه فقال: إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وأمسح رأس اليتيم.
على أن لا ننسى بأنّه لا يمكن ملأ الكأس بالماء النظيف إذا ما كان ذلك الكأس وسخاً، لذا علينا أن ننظف الكأس ومن ثمّ نضع الماء النظيف فيه، وهكذا القلب فعلينا التخلص من الذنوب والمعاصي، بأن نعد الله سبحانه وتعالى بتركها وعدم العود لها ونتوب توبة نصوحة والندم والبكاء على ما جنيناه على أنفسنا بابتعادنا عنه تعالى، فاذا ما كان ذلك أصبح ذلك القلب وعاءً للعلم والحكمة فقد قال النبي عيسى (عليه السلام): القلوب ما لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع أو يُقسيها النعيم، فسوف تكون أوعية للحكمة.
وعليه فان الإدراك الواعي لمصادر الخطأ في التفكير هو المصدر الرئيس الذي نستطيع أن نعتمد عليه لتحسين تفكيرنا. وكلما ازداد تفكيرنا وضوحاً, كلما أصبحنا أفضل في اتخاذ القرارات, وحل المشاكل, وأيضًا في وضع الأمور في منظورها السليم.
واهم ما يمكن تصوره كأهداف للتفكير، عدة أمور، قد يجتمع بعضها مع بعض وقد لا يجتمع.
الهدف الأول: استنتاج أمر دنيوي محض كمن يفكر في حسابات تجارته أو المحاضرة التي يلقيها على الطلاب.
الهدف الثاني: استنتاج أمر دنيوي ذي نتيجة دينيه. كالتفكير في بناء مسجد ومقدماته وحساباته.
الهدف الثالث: استنتاج وجود الله عزوجل. بعد الالتفات إلى دقة الترتيب والتدبير في هذا الكون، وان ذلك لا يكون إلا من قبل فاعل عالم قدير.
الهدف الرابع: استنتاج حسن تدبير الله سبحانه للكون وواسع قدرته ورحمته، بعد التسليم بوجوده.
وهذا هو الذي يستفاد من ظاهر القرآن الكريم. إلا انه غير مناف مع الهدف الثالث بطبعه، إذ بعد الالتفات والتأمل بالكون يكون التدبير والمدبر واضحين.
الهدف الخامس: استنتاج عظمة الله سبحانه في خلقه. وهذا معنى غير مجرد التدبير والترتيب.
الهدف السادس: استنتاج الهدف من الخليقة، بالتفكر فيها. كما في قوله‏ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ). أو غير ذلك من الأهداف الممكنة للخلقة. المصدر: فقه الأخلاق، ج‏1، ص83




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=131793
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 20