• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هل يوجد كتاب اسمه الإنجيل؟  .
                          • الكاتب : مصطفى الهادي .

هل يوجد كتاب اسمه الإنجيل؟ 

 بين أيدينا عدة أناجيل وفي كل يوم يتم العثور على نسخ اضافية. فماذا يعني ذلك ؟ 
يقول تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى).(1)

من المثير للريبة أن الانجيل يخلو من ذكر الجن كأمة من الامم التي خلقها الله ، بل ذُكر قسمٌ صغيٌر منهم هم الشياطين.والشياطين كما نعلم فئة متمردة من الجن، كما أن في الإنسان أيضا متمردون (شياطين الإنس والجن). فأشار القرآن إلى أن هناك شياطين في صورة بشر وجنّ يوحي بعضهم لبعض.(2)

أن اختفاء (الجن) من الإنجيل الذي هو حلقة وصل بين التوراة والقرآن يدلنا على أن هناك ايد خفية قامت بذلك. هذا إذا عرفنا بأن الجن الذين هم نمطٌ معتدل بين الأبالسة والشياطين (إلا إبليس كان من الجن). فقد كان هؤلاء يُتابعون أيضا بشارة بعث نبي في آخر الزمان تكون رسالته آخر الرسائل وعلى من تصله أخباره أن يؤمن به ، ومن هنا نرى أن التوراة وما تلاها من كتب او رسائل نزلت على أنبياء ضمن رسالة موسى بعده، حملت أيضا ذكر (الجان) وأنهم رفضوا الإيمان برسالة موسى ، ولكن وحسب التوراة فإن هناك علاقة بين الجان والإنسان في مسائل السحر والتنجيم والعرافة وقد نهت التوراة عن الاستعانة بالجان.

ولكن العجيب أن هذه النصوص تختفي في الإناجيل مما يدلنا على قساوة ما تعرض له إنجيل عيسى من عملية طمس ظالمة والهدف ليس عيسى وإنجيله بل المقصود البشارة التي وردت فيه ومن هنا نرى أن القرآن ذكر بأن هناك إنجيلا (بشارة) نزلت على عيسى ولكنه نفى ان تكون هذه الرسالة بقيت سالمة في إشارة خفيّة اظهر القرآن من خلالها بأن الإٌنجيل (ضاع مع البشارة التي فيه) ولم يتبق منه أثر وقد اشار إلى ذلك على لسان الجن الذين قالوا : (يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى).وكما هو الشائع أن الكتاب الذي نزل بعد موسى هو (الإنجيل) . فلماذا لم يذكره الجن وقفزوا من رسالة موسى إلى رسالة نبي الإسلام ؟

يضاف إلى ذلك فإن ورقة بن نوفل النصراني العالم بالكتب والأنبياء ، حين ذُكر له حال الرسول محمد (ص) مع الوحي وما يعتريه من إشراقات النبوة قال: (هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى). مع أن ورقة نصراني، إلا أنه لم يذكر الإنجيل؟! بل ذكر ما ذكرته الجن.(3)

ونظرا لطول المدة (الفترة) بين نبوة موسى وعيسى اعتقد الناس والجن أن النبوة أنقطعت كما نفهم من قول القرآن الكريم (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا). والحديث هنا بعد رسالة موسى ، ثم استمروا بالكلام بعد رسالة محمد (ص) فقالوا : استمعنا إلى قرآنا عجبا . ولم يردنا أنهم قالوا (أستمعنا إلى إنجيل عجبا).

ولعل هناك من يقول مبررا ذلك : بأن الجن لم يعرفوا ببعثة عيسى بعد موسى فهذا مُحال ، لأن الإنجيل الحالي يذكر أن يسوع المسيح تم تجربته من قبل الشيطان اربعين يوما والشيطان حسب مفهومهم من الجن ، فكيف لم تكن الجن تعلم برسالة عيسى ؟ (وكان هناك في البرية أربعين يوما يجرب من الشيطان).(4) وفي نص لوقا : (أربعين يوما يجرب من إبليس).

فلماذا تجاهل الجن عيسى وإنجيله ولم تورد لهم خبرا؟ وعيسى اخرج شياطين كثيرة من بعض المرضى . يضاف إلى ذلك ورد ذكر الجن عدة مرات في التوراة (5) والتوراة عمل بها عيسى طيلة فترة نبوته وأنه اعلنها بصدق قائلا : (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس بل لأكمل).(6) مشددا على أن (فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس). (7) ومن هنا تتضح لنا حقيقة مفادها أن إنجيل عيسى ليس كتابا مستقلا برسالة مستقلة ، بل هو كتاب متمم لسلسلة الكتب التي نزلت على بني إسرائيل.

الخلاصة : مما تقدم هل هذا يعني أن عيسى لم يكن نبيا عالميا بل هو ضمن سلسلة الأنبياء الفرعيين بعد موسى الذين استمروا في تبليغ رسالة موسى بعده ونزلت عليهم رسائل فكان آخرهم عيسى؟ حيث أن بني إسرائيل كلما بُعث فيهم نبيا كذبوه أو قتلوه (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون). (8) فكان عيسى آخر نبي في سلسلة أنبياء بني إسرائيل أنقذه الله منهم.

عيسى نفسه يقول ذلك ويعترف بأنه ضمن سلسلة أنبياء محليين بعد موسى والإنجيل رسالة من ضمن رسائل (الناموس) حالها حال رسائل الأنبياء قبله (9) ولذلك نرى عيسى يقول بأنه ما جاء ليُنقض الناموس بل ليُكمل. وقد أكد ذلك بكل وضوح وقال بأنه إنما بُعث إلى بني إسرائيل خاصة ومنع تلاميذه بعده من تبليغ الأمم بل التبليغ فقط ضمن بني إسرائيل كما نرى ذلك في وصيته لهم قبل رحيله : (هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أمم لا تمضوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة).(10)

فلوكانت دعوة السيد المسيح عالمية لما نراه يمنع حوارييه من تبليغ الامم والاكتفاء ببني إسرائيل.وهذا ما نراه يلوح من خلال آيات القرآن الذي يقول على لسان عيسى : (مصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم). (11) فعيسى مصدق للتوراة (الناموس) ،ورسالته إلى بني إسرائيل فقط ليُحل لهم بعض الذي حُرم عليهم، وهذا ما يذهب إليه القرآن حيث يصف نبوة عيسى بقوله : (ورسولا إلى بني إسرائيل).(12)

من خلال مراجعة نصوص ما يُعرف بالإنجيل يتضح لنا أن السيد المسيح وكل من جاء بعده مرورا ببولص و يوحنا اللاهوتي في زمن متأخر كانوا يستخدمون كلمة (كتاب) في إشارة إلى كتاب السيد المسيح الذي أنزل عليه وأن كلمة (الكتاب) وردت اكثر من كلمة إنجيل ، وأن السيد المسيح قبل رحيله أوصى بالكتاب وشدد عليه كما يذكر يوحنا : (تذكر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب).(13) انظر الهامش.

المصادر : 
1- سورة الاحقاف آية : 29.

2- قاموس الكتاب المقدس ، دائرة المعارف الكتابية المسيحية شرح كلمة الجَان يقول مبررا اختفاء كلمة جن من الإنجيل : (نلاحظ أن كلمة الجان لا توجد إلا في الترجمات العربية) أي انه اراد ان يقول أن تسرب كلمة جن إلى الطبعات العربية من الإنجيل جاء تأثرا من المترجمين بالفلسفة الإسلامية فيقول : ففي ترجمة كينج جيمز King James تترجم بـ: Familiar Spirits، الأرواح الخفية وفي ترجمات أخرى بكلمة Spirits الأرواح فقط). والعرب اختصروا ذلك فأطلقوا عليها (الجان). اي الذي لا يُرى. كما في قاموس المعاني عربي عربي : (جن ، جان : مخلوقات لا نراها ، مكلفون كالإنسان).

3- الرواية وردت في صحيح البخاري باب بدء الوحي حديث رقم 3 . اذكر الرواية مختصرة : قال البخاري : (ورقة بن نوفل ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية... فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ... وكان شيخا كبيرا قد عميَ فقالت له خديجة : يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال لهُ ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبرهُ رسول الله (ص) خبر ما رأى ، فقال لهُ ورقة : هذا الناموس الذي نزل على موسى). فتجاهل ورقة أيضا ذكر عيسى (ع) مع أنه من علماء النصرانية.

4- وردت كلمة الجن تحت إسم (الجان) حسب تعبير التوراة. (النفس التي تلتفت إلى الجان، وإلى التوابع أقطعها من شعبها.( سفر اللاويين 20: 6 . وإنجيل لوقا 4: 2.
5- إنجيل مرقس 1: 13.
6- إنجيل متى 5: 17.
7- إنجيل متى 5: 18.
8- سورة المائدة آية 70.

9- بلغ عدد أنبياء بني إسرائيل بعد موسى العشرات اذكر منهم (يوئيل ، ناحوم ، حبقوق ، صفنيا ، إرميا ، إلياس ، اليشع ، حزقيال وهو ذو الكفل ، عزير ، شمعيا ، باروخ ، ملاخي ، زكريا ، يحيى وبُعث عيسى في زمنه).ولهؤلاء رسائل وكتب منها : (عزرا ، نحميا ، ايوب ، داود ، سليمان ، أشعياء ، ارمياء ، حزقيال، دانيال، هوشع ، يوئيل، عاموس ، عوبديا ، يونان ــ يونس ــ ميخا ، حبقوق ، صفنيا ، حجي، زكريا ، ملاخي ، يشوع، ثم آخرها الإنجيل جاء به عيسى). 
10- إنجيل متى 10: 5.
11- آل عمران آية : 50. 
12- سورة آل عمران آية : 49.

13- إنجيل يوحنا 2: 22. وهذا يعني أن كلمة (إنجيل) متأخرة تمت استعارتها من اللغة اليونانية عن طريق التلاميذ الذين كتبوا هذه الكتب . وهي لاعلاقة لها بلغة السيد المسيح الآرامية. وإليك بعض النصوص التي تقول بأن اصل التسمية كان (الكتاب) وليس الإنجيل ففي إنجيل يوحنا 20: 30 يقول : (وآيات أخر كثيرة صنع يسوع لم تكتب في هذا الكتاب).وفي سفر أعمال الرسل 8: 35 يقول: (ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع).وحتى زمن بولص كانوا يعرفونه بـ (الكتاب) ولم تكن كلمة إنجيل متداولة .انظر رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 3: 16(كل الكتاب هو موحى به من الله).لا بل حتى زمن متأخر كان يوحنا اللاهوتي يطلق عليه (الكتاب) كما يقول في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 22: 10(وقال لي لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب).




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=135650
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 07 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 22