• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : إياك أعني ـ وعنك أغضي درس من حليم هذا الزمان السيد السيستاني .
                          • الكاتب : نجاح بيعي .

إياك أعني ـ وعنك أغضي درس من حليم هذا الزمان السيد السيستاني

 يروي لنا (بن شهرآشوب) في (مناقبه) بأن رجلا ً سبّ الإمام (عليّ بن الحسين) عليه السلام, فما كان من الإمام إلا أن كظم غيضه وسكت. ولكن نزوة ضغينة الرجل ونزغ شيطانه دفعاه بحميّة جهله لأن يقف أمامه (عليه السلام) وينهره بصوت ملئه الحقد والعصبية: (إياك أعني)!, فما كان من الإمام (عليه السلام) إلا أن يرد عليه ببرد سماحة خُلق الأنبياء والأوصياء والمُصلحين قائلا ً: (وعنك أغضي)(1).

اليوم ما أحوجنا ونحن نعيش الزمن الصعب الى هكذا خُلق وسماحة وحُلم. ولكننا حينما نلمس تجليات أخلاق وفضائل أئمّة أهل البيت عليهم السلام, في مواقف سليل العترة الطاهرة متمثلة بسماحة المرجع الأعلى السيد (السيستاني), نكون قد تنفسنا وتنفس الصعداء جميع الخطآؤون, وجميع من ضاعت عندهم بوصلة الرشد والحق, وتاهت في ضباب الغي وفي يباب مشتبهات الحق. فكان سماحته حقا ً كما كانوا (عليهم السلام) بابا ً الى (الله) مفتوحا ً للجميع, وهو مقام قُدسيّ لو تعلم ويعلمون (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(2). وهذا هو سرّ تسيّده (دام ظله) على نفوس البرايا وتربعه على عرش قلوبهم فـ(من حلم ساد)(3). وأنت الحليم الأول في هذا الزمن العصيّ.
(يهمنا أن نحيطكم علما ً بأن سماحة السيد (دام ظله) لا يرضى أبدا ً بأن يُعاقب شخص بسسب نشره ما تضمن الإساءة إليه)(4).
موقف نبيل لسيد النجف الأشرف (دام ظله) حلق في الأجواء حتى شغلها تماما ً, وانتشر بين الأوساط الإعلامية وعبر مواقع التواصل في الداخل والخارج كالنار في الهشيم, وتناقلته الألسن ولهجت به الشفاه, وكان بحق مدعاة لأن يقف عنده المرء ويستخلص منه الدروس والعبر.
لم يكتف سماحته بإحاطة الجهات المعنية بعدم رضاه بأن يُعاقب أي شخص أساء إلى سمعته أو مكانته أو حتى إليه شخصيا ً. بل رجا منهم أن تُتخذ بحق المواطن أقصر الإجراءات القانونية للإفراج عنه وإخلاء سبيله فوراً. ولم يقف سماحته عند هذا الحد أبدا ً. فبعد إن تناهى الى مسامعه وأبلغ بأن الحكم قد اكتسب الدرجة القطعية, ولم يكن أمام الجهة القضائية بدّ من المضي بالحكم بما يستلزم حبس المُدان لمدة سنتين, سارع مكتب سماحته لأن يُناشد رئيس مجلس الوزراء برفع توصية الى رئيس الجمهورية العراقية, بإصدار (عفو) عن المحكوم وإطلاق سراحه في أقرب وقت ممكن, حسب ما نصّ عليه الدستور في المادة رقم (73) منه.(5).
ـ (يُعفى المحكوم ...).. وصدر المرسوم بالعفو وتم إخلاء سبيل مَن أساء الى سمعة ومكانة المرجع الأعلى السيد (السيستاني) دام ظله.(6).
موقف سماحة المرجع الأعلى الآنف الذكر هو تذكير ودعوة لـ(الإدعاء العام) لأن يأخذ دوره الفعّال في البلد كمؤسسة مهمة يُشار لها بالبنان. وأن يكون بذات القوة والإندفاع والحرص والشعور بالمسؤولية, في إقامة دعاوى في مجال مُحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في الدولة ومؤسساتها ومتابعتها, وأن يكون هدفه حماية نظام الدولة الذي عاث به السياسيين فسادا ً, والحفاظ على أموال الدولة والقطاع العام التي وقعوا سلباً ونهباً بأيدي سماسرة الأحزاب والكتل السياسية الفاشلة. كونه يمثل الشعب ومصالحه العليا, ولأن الأمل كل الأمل معقود في ذك.
وهي دعوة أيضا ً لإحترام الدولة ومؤسساتها والدستور والقانون والمواطنة. وهي دعوة إيضا ً الى كل النخب الدينية والسياسية والإجتماعية والفكرية والأكاديمية في داخل العراق وخارجه, لأن يحذوا حذو حليم الزمان وحكيمه في التعامل مع الأمة والمجتمع وفق مبادئ السماحة والعفو والحُلم.
ربما اقتضى التنويه الى أن المادة (372/1/هـ) ق.ع المعدل الواردة  في قرار محكمة جنح الحلة قد وردت هكذا سهوا ً. والصحيح هي (372/هـ) إذا اعتمدنا التسلسل وفق الحروف الأبجدية, أو(372/5) إذا عتمدنا التسلسل حسب الأرقام. عموما ً هذه المادة سواء كانت (هـ أو5), والواقعة تحت (الفصل الثاني) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 والمعنون بـ(الجرائم التي تمس الشعور الديني) والتي تنص:
(يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار:
هـ ـ(من أهان علنا ً رمزا ً أو شخصا ً هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية) وهذه الفقرة قد أثارت عند القاصرين وقصيري النظر  والصائدين في الماء العكر إشكالات عدة منها: أن المادة (372هـ) عنت الأشخاص الأموات دون الأحياء, وهي بهذا لا تنطبق والفعل الجرمي عند (المواطن الذي أساء) كون المرجع الأعلى على قيـد الحياة. أو أن المادة المذكورة أفصحت بأن لا إجماع لدى الطائفة الشيعية بأكملها على تقديس السيد السيستاني, بدليل أن عبارة (لدى طائفة) الواردة في المادة القانوينة جاءت بصفة عامة, وتنفي صفة عموم التقديس لدى الطائفة. أوأن السيد السيستاني إنما هو شخص (طبيعي) والدعوة المُقامة ليست من جرائم (الحق العام) وهذا ينتج عنه بأن له الحق إقامة شكوى من عدمها عن طريقه أو من ينوب عنه قانونا ً, وبالتالي له الحق بالتنازل عن حقه الشخصي في الدعوى المُقامة.
هذه الإشكالات لا تصمد أمام الحقائق الباهرة, كونها إرهاصات متشنجة لنفوس مريضة تعبى تُعاني من التشظي والتيه, وهي تحتاج فعلا ً لأن تتمعن طويلا ً بهذا الموقف لأنها معنية به بالدرجة الأولى وواقعة في دائرة القصد والعلاج.
الإدعاء العام هو من أقام الشكوى ضد (المواطن) الذي صدرت منه الإساءة. وهو صاحب الحق بالتنازل عنه (قانونا ً) وتم فعلا ً تنازله عن الدعوة بعد طلب المرجع الأعلى. لعلمه المسبق بأن الذي جرت عليه الإساءة ليس (شخصا ً) طبيعيا ً, ولو كان كذلك للزم حضوره شخصيا ً لتقديم طلب التنازل فضلا ًعن حضوره لتقديم طلب إقامة الدعوة, لأن الجرم الواقع يُعد من جرائم (الحق العام). وبهذا فسماحة المرجع الأعلى شخصية (رمزية معنوية إعتبارية) كبيرة جدا ً في نفوس الأمّة والشعب العراقي. وإذا ما محصّنا الجهة التي وقع عليها الضرر من تلك (الإساءة) من المنطقي نجدها في (الأمّة) و (المجتمع) كون مقام سماحة المرجع الأعلى مقام مؤثر بشكل فعلي وقوي جدا ً في نفوس الأمة والمجتمع وفي نفوس جميع محبيه في أقطار الأرض شرقا ً وغربا ً. وبهذا فسماحته (رمزمعنوي مُقدس) للشعب وللمجتمع على حدّ سواء. ووجود شخصه (حيا ً) في الأمّة يعطيه دفق وقوة ورمزية أكثر احتراما ً وتقديسا ً فيما لو كان (ميتا ً) فهذا هو العموم والإطلاق الذي يُفهم من المادة القانونية (372هـ). 
وفإن تفسير طلب سماحة المرجع الأعلى ورجاءه باتخاذ (أقصر الإجراءات القانونية للإفراج عن المواطن المذكور وإخلاء سبيله) على أنه تنازل عن حقه الشخصي قد اتضح بطلانه كما تقدم. وأما تأويل تنازل سماحته عن حقه الشخصي بأنه جاء بـ(الفحوى) فهذا كالأول لا يصمد أيضا ًأمام الحقيقة. كوننا لا نحتمل أدنى احتمال بأن سماحته سوف يُبادر ويقتص مِن مَن يُسيء أو يريد أن ينال من مقامه أو مكانته أو سمعته بالأمس واليوم وغدا ً, فكيف نقطع بأن سماحته سيتنازل عن حقه الشخصي في ذلك: (يهمنا أن نحيطكم علما ً بأن سماحة السيد (دام ظله) لا يرضى أبدا ً بأن يُعاقب شخص بسسب نشره...). 
ـ وإذا ما نظرنا وتمعنّا الى الجوانب الأخرى التي تكتنف مقام ومكانة السيد المرجع الأعلى دام ظله, نكون قد لمسنا السبب الكامن وراء إقدام سماحته لطلب العفو عن المُسيء له. ولعله يكمن في جانب قيادته للحركة الإصلاحية في الأمّة والمجتمع العراقي. والتي هي إمتداد طبيعي لحركة قادة الإصلاح الحقيقي في التاريخ, متمثلة بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام والعلماء المصلحون في زمان غيبة الإمام (عج) الذين: (جُعلوا حججا ً في الأرض وقادة الإصلاح الحقيقيّون وهم موجودون في كلّ زمان)(7). فحركة المرجعية العليا الإصلاحية وقيادتها لها لا تختلف عن (جوهر) و (محور) حركة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. ولما كان الأمر كذلك فالسماحة والعفو والحُلم والتجاوز عن من ظلمهم, من أخلاق وفضائل وشيم قادة الإصلاح. وكونهم أبواب الله تعالى وسبيل الى رضاته ورضوانه ما يضمن السعادة في الدنيا والآخرة.
ـــــــــــــــ
ـ(1) مناقب (ابن شهرآشوب) ج 3 ص 296
ـ(2)  سورة فصلت آية 35
ـ(3) بحار الأنوار ج 77 ص 208 ح 1
ـ(4) كتاب مكتب سماحته ذي الرقم (16هـ) في 19 ش 1441هـ ـ 13/4/2020م
ـ(5) كتاب مكتب سماحته ذي الرقم (17هـ) في 20ش 1441هـ ـ 14/4/2020م
ـ(6) المرسوم الجمهوري ذي الرقم (13) في 18/4/2020م
ـ(7) خطبة جمعة كربلاء الأولى في خطبة 4/5/2018م




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=143658
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 04 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 7