• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : إشفِ بهِ صدُورنا وأذهِبْ بِهِ غَيْظ قُلٌوبِنا "دعاء الإفتتاح" .
                          • الكاتب : محمد جعفر الكيشوان الموسوي .

إشفِ بهِ صدُورنا وأذهِبْ بِهِ غَيْظ قُلٌوبِنا "دعاء الإفتتاح"

"اللّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِنَ الحَقِّ فَحَمِّلْناهُ، وَما قَصُرْنا عَنْهُ فَبَلِّغْناهُ، اللّهُمَّ أَلْمُمْ بِهِ شَعْثَنا، وَأَشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَأَرْتِقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْ بِهِ قِلَّتَنا، وَأَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَأَغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَأَقْضِ بِهِ عَنْ مُغْرَمِنا، وَاجْبُرْ بِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّرْ بِهِ عُسْرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ أَسْرَنا، وَانْجِحْ بِهِ طَلَبَتِنَا، وَأَنْجِزْ بِهِ مَواعِيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَاعْطِنا بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالآخرةِ آمالَنا، وَاعْطِنا بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِنا، يا خَيْرَ المَسْؤُولِينَ وَأَوْسَعَ المُعْطِينَ، اشْفِ بِهِ صُدُورَنا، وَأَذْهِبْ بِهِ غَيْظَ قُلُوبِنا، وَاهْدِنا بِهِ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَانْصُرْنا بِهِ عَلى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّنا، إِلهَ الحَقِّ آمِينَ". الصدر غير القلب وانما هو يحويه ويحيط به. قال الله تعالى: "وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ".

الصدر للقلب كالفناء والساحة الأمامية للدار، فكل مَن أراد الدخول إلى وسط الدار عليه الدخول أولاَ إلى الباحة الأمامية ومنها يدخل الى الداخل ليستقر او ليمكث بعض الوقت حسب الإستقبال الحسن أو التذمر وعدم الترحيب لهذا الداخل. كذلك هو الصدر تتجمع فيه الواردات إلى القلب، تحصل فيه عملية إعادة انتشار وتموضع ومنه تأخذ الواردات طريقها لتلج في القلب الذي هو موضع الشقاء او السعادة، الطاعة أو التمرد، القبول أو الرفض، وكما أن الخروج من داخل الدار ينبغي المرور بنفس الساحة الأمامية للبيت ومنها يكون الإنطلاق لجهة معلومة، فالحال شبيه بتلك الواردات التي دخلت القلب فإنها سوف تعود للصدر الذي تجمعت فيه سابقا، ومنه تتفرق على الجنود، إذا كانت تلك الواردات هي وسوسات فسوف تقصد جند الشيطان لتبدأ المعركة، وإذا كانت تلك الواردات إلهامات فسوف تقصد جند الرحمان لتبدأ المواجهة. الصدر إذن هو موضع تجمع الواردات والقلب هو مصدر الأوامر أو النواهي بالتحرك وتوزيع المهام على الجنود. فالصدر ليس محصناً ضد مجموعة معينة من الواردات، سواء الوسوسة " الذي يوسوسُ في صُدورِ النّاس" أو الإلهام. مايدعو للشر هي الخواطر التي تؤدي إلى سوء العاقبة، ومايدعو للخير والصلاح هي الخواطر التي تؤدي إلى حسن العاقبة. الأولى وجهتها الجنّة والثانية حتما إلى السعير" فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ".

عن رسول الله ص :" في القلب لمّتان لمّة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله. ولمّة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير، فمن وجد ذلك فليعوّذ بالله من الشيطان ثم تلا قوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم".

إشفِ به صدورنا..

المؤمن الحقيقي هو في إتصال دائم مع الخالق السبحان وتواصل لايكاد ينقطع طوال اليوم والليلة يستمد منه العون لكل كبيرة مهما عظمت ولكل صغيرة مهما هانت. فكلّما حسن إيمان المرء إزداد دنوا من خالقه تعالى وأحسن التوكل عليه، وإستعان به لجميع خير الدنيا وخير الآخرة، وإستعاذ به من جميع شر الدنيا وشر الآخرة. بمعنى أن الأنسان ولكي يحقق مايريده من خير، ومايدفعه من شر، عليه  طلب العون والمدد من الله القادر المطلق. هذا ليس تجاوزا او نفيا للأسباب والمسببات. هذا تفويض الأمر لله تعالى لأنه هو الذي سبب الأسباب وهو قادر على ان يسبب سببا من غير سبب فلا تنقصه القدرة ولايحتاج لسبب. ذكرنا في موضوع سابق دعاء الرزق: " اللهم ياسبب من لاسبب له ياسبب كل ذي سبب" والذي ليس لديه سبب فالله تعالى قادر ان يسبب له سببا لايستطيع له طلبا. الخالق السبحان هو الذي اعطى خاصية الحرق للنار وهو قادر بلا ادنى ريب على سلب هذه الخاصية متى شاء كما حصل مع خليله إبراهيم عليه السلام. وكما نكرر في صلواتنا اليومية: بحول الله وقوته أقوم وأقعد واركع واسجد،  فلولا حول الله وقوته لم يكن بوسعي القيام القعود حتى لو كنت رجُلا فولاذيا، فكيف وانا هذا الكائن الضعيف من لحم طري وعظم يابس إن سقط أرضا رضت عظامه وربما تكسرت وتهشمت. قبل عدة أيام جلس خادمكم الصغير لفترة طويلة نسبيا اطالع احد الكتب ولم انتبه للوقت، حينما نهضت شعرت بألمِ شديد في كتفي ورقبتي وذراعي ولازلتُ أعاني من الألم. ياربِّ إرحم ضعف بدني ورقة جلدي ودقة عظمي. ذكرتُ هذه الحادثة طمعا بدعوةِ داعٍ لي بظهر الغيب بالشفاء أجاركم الله من شر العلل والأوجاع والأسقام. لو شفى الله بكرمه ولطفه صدورنا من الغضب والشهوة  والضمائر الخبيثة ووساوس الشيطان فستكون تلك مقدمة رائعة لأصلاح القلوب التي هي مركز الأوامر للجوارح بالأنطلاق أو بالنهي عن إرتكاب المحارم ومايسخط الحق سبحانه.

وأذهبْ به غيظ قلوبنا..

بعد الدعاء والطلب من الحق سبحانه بشفاء صدورنا ننتقل إلى المرحلة الثانية من التخلية وطرد الشوائب والرواسب الأوساخ المعنوية التي هي فيروسات أيضا واكبر خطورة من الفيروسات العضوية واشد فتكا واسوأ عاقبة. الغيظ اذا لم يكظم فانه سيتطور الى فعل خطير وينتج عنه مالاتحمد عقباه. غيظ القلوب واقعا مصيبة ان لم  يعالج بجرعات منتظمة من الصبر والكظم والتسامح والعفو عمن ظلمنا أو آذانا.

الجزاء من جنس العمل..

في أحد أيام الحج دخلت المسجد الحرام قاصدا الطواف حول الكعبة المشرفة. على بعد امتار كانت هناك حاجّة واقفة مستقبلة الكعبة وقد رفعت يديها عاليا وهي تدعو الله سبحانه. استوقفتني كلماتها وظننت  انها تذكر وِردا لاأعرفه، وقفت قريبا لأستمع وأتعلم لأن الحج مناسك وتربية  وتزود بخير الزاد. سمعتها تقول: " اللهم إني في بيتك وفي ضيافتك ولولا توفيقك وحسن تدبيرك لما توفقت لأقف بين يديك في بيتك الحرام، اللهم أنك تشهد أن فلان الفلاني قد ظلمني وغشمني، وأن فلانة بنت فلان قد إتهمتني ظلما وعدوانا، وأن فلان وفلانه واخذت تذكر دستة أسماء من الذكور والإناث كلهم لها قبلهم تبعات، واصلت الحاجّة وقد أجشهت بالبكاء وهي تقول: أنا ياربّ في بيتك الحرام  وقد سامحتهم جميعا من أعماق قلبي وغفرت لهم وأسألك يارب أن تغفر انت لهم، والآن يارب البيت الحرام أطلب منك أن تغفرلي وتسامحني وتعفو عني فقد قصدتك من فجّ عميق لأقف هذا الموقف واسألك وانا في ضيافتك وقد امرتنا بأن نحسن قرى من نزل بنا وحلّ ضيفا علينا يالله ياأرحم الراحمين". هذه الحاجّة المباركة كانت على علم بأنها ان لم تغفر لمن أساء واعتدى عليها فكيف وبأي وجه تطلب من الله العفو والمغفرة لأن الجزاء هو من جنس العمل. إرحمْ تُرحَم. إرحم من في الأرض يرحمك من في السماء. هل نكتب هذا للكتابة فقط؟ أحيانا كثيرة الجواب يكون نعم وللأسف الشديد.

الأخوان الحاجّان..

ينقل أحد العلماء وقد توفي رحمه الله، أنه جاءه أخوان متخاصمان يريدان ان يذهبا للحج معه ولكن بشرط ان لايسعى للصلح بينهما ـ غيظ القلوب ـ وإلاّ فسوف يذهبا للحج مع شيخ غيره. يقول ذلك العالم وافقت على طلبهما وقلت لهما ـ مستنكرا على هيئة مزاح ـ: أعوذ بالله نحن نذهب للحج وليس للصلح بين أخوين في الحج. يكمل العالم القصة: ذهبنا فعلا للحج ولم ابادر للصلح أو مايوحي بذلك بين هذين الأخوين ـ الزعلانين ـ ولكن حينما كنا في رحاب زيارة الحبيب المصطفى ص وتحديدا في الروضة المطهرة من جهة قبر النبي ص لمحت الأخوين يجلسان احدهما  خلف الآخر، لم أحتمل المنظر بأننا بجوار المصطفى وفي القلوب غيظ وغلّ، أسرعت إليهما وأقسمت عليهما بالحبيب المصطفى أن يتسامحا ويعفوا عن بعضهما كرامة لرسول الله ص، سمعني من سمعني من الحجاج والزائرين فشكلّوا معي حلقة أحاطت بالأخوين وأنضموا إلى دعوتي بالتوفيق والصلح وكان خيرا وقد تصالحا. يواصل الحديث ذلك العالم رحمه الله: ماإن رجعنا إلى بلدنا حتى تخاصما من جديد وكأن صلحا بجوار المصطفى ص لم يكن. يتساءل ذلك العالم. هل هذان ذهبا فعلا للحج وزيارة خير خلق الله ص. اذا تركت القلوب دون دواء فمرضها يستفحل ويصعب علاجه، كلّما أتسع الفتق كان أصعب على الراتق أن يرتقه، وكذا القلوب فالنقطة السوداء تصبح عدة نقاط ان لم نعتد على إزالتها بالمعقمات والمطهرات، والنقاط لوكثرت وتجمعت تصبح حينها بقعة سوداء والعياذ بالله.

وعمتي..

كنت صبيا دون العاشرة من عمري وكانت لي عمة اشتهرت في أهلها بحسن تدينها ورقة قلبها. اتفق أن إختلفتْ عمتي مع والدي وحصل شيء كدّر صفاء نفسها فإنقطعت عن زيارتنا مدة من الزمن. ذات ليلة وبعد صلاة العشاء الأخير وبينما أنا في طريقي للخروج من صحن أمير المؤمنين عليه السلام واذا بإمرأة تجرني إليها وهي مرتبكة وشبه خائفة: أين أبوك ياجعفر؟ قالت ذلك وهي متوترة، من نبرتها عرفت أنها عمتي رحمها الله. قلت لها: لاتقلقي ياعمتي فوالدي بخير ولله الحمد، إستحلفتني وقالت: أقسم عليك بالذي زرته قبل قليل هل فعلا أخي بخير؟ قلت لها: تفضلي معي للبيت لتتأكدي بنفسك ياعمتي. وافقت وجاءت معي. إلى هنا القصة عادية وليس فيها مايثير الأنتباه، ولكن في طريقنا إلى البيت كان الحوار مع عمتي مهما جدا بالنسبة لي على الأقل.

ـ عمتي العزيزة، كيف عرفتي ان والدي لم يصلّ العشائين في حضرة أمير المؤمنين كعادته كل ليلة؟

ـ إبتسمت وقالت: ويحك ياولد هل أنا قاسية القلب كما تظن!!!

ـ لم أفهم شيئا ياعمتي الغالية!

ـ أنا من ذلك الوقت الذي إختلفتُ فيه مع والدك ولهذه اللحظة أقصد حضرة امير المؤمنين ع لزيارته ولأطمإن على أخي، أتفحص المصلين حتى أرى أخي بينهم، أطيل النظر إليه، أمعن في قسمات وجهه إن رأيته مسرورا سررت بذلك، وإن شعرت أنه ليس كذلك حزنت وربما دمعت عيناي ودعوت له وهكذا كل ليلة. إذهب به غيظ قلوبنا. لو كان هناك شيئا قليلا ونزرا يسيرا من الغيظ لما جاءت عمتي كل ليلة وتتفحص الوالد بين المصلين. توفيت العمة وبقى اثر نقاء قلبها وحسن تدينها في قلبي، ومن حينها قلت ولازلت أقول للأولاد وللأخوان وربما لأساتذتي المحترمين كذلك: ممكن أن نختلف، ان يكون بيننا جفاء وهجران، ان ـ نزعل ـ ولكن لتبقى قلوبنا صافية من أية شائبة. قلت لصديق إختلف مع صديق آخر في إحدى المؤسسات الدينية: من حقك أن تختلف معه وان لاتوافقه الرأي وربما تغضب عليه لبرهة من الوقت ولربما رفعت صوتك عليه بحق او بغير وجه حق، كلّ ذلك ممكن ولكن الشيء غير الممكن إطلاقا هو إن نزل من السلّم وعثر أن لاتسرع إليه وتعطيه يدك لينهض. غير مسموح به ـ أخلاقيا ـ أن ترى أخاك الذي اختلفت معه وهو في موقف يحتاج فيه الى مساعدة الآخرين ولاتكون انت اول من يهرع لمساعدته ونجدته. إن أسرعت إليه رغم أنه إعتدى عليك بالقول وآذاك بالفعل فأنت كريم وترجو من الله مالايرجوه لئام خلقه. وان اكتفيت بالنظر إليه وهو لايجرأ على طلب مساعدتك لمعرفته انه قد ظلمك، فأنت بحاجة إلى عيادة طبيب خاص ليكتب لك الدواء الشافي ان شاء الله تعالى. اللهم إشفِ بالحق صدورنا وأذهب بالحقِ غيظ قلوبنا إله الحق آمين ربِّ العالمين.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=144725
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 05 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 05 / 27