• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : البطون الخفية في حديث سيد البرية .
                          • الكاتب : الشيخ صادق الحاج احمد الدجيلي .

البطون الخفية في حديث سيد البرية

روي عن جابر بن عبد الله الانصاري ( رضوان الله عليه ) ، ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال: (يا جابر انك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن الحسين بن علي بن ابي طالب، المعروف في التوراة بباقر ، فإذا لقيته فاقرأه منى السلام، فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام من أنت؟

قال: انا محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، قال له جابر : يا بني إقبل فأقبل، ثم قال له إدبر فأدبر، 

فقال: شمائل رسول الله ورب الكعبة، 

ثم قال: يا بنى،  رسول الله يقرؤك السلام ، فقال على رسول الله (صلى الله عليه وآله) السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلغت السلام) .

الامالي للشيخ الصدوق ص 432

‏إن هذا الحديث كغيره من الأحاديث، له ظاهر يعرفه كل الناس وله باطن يدركه من يتأمل فيه ويغوص في بحره فيستخرج منه درره وجواهره.

أولا :- تسليط الضوء على شخصية جابر بأنه آمين فيما ينقل عنه، وهذا ما تحتاجه الأمة في نقل احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وليس اخذ الحديث عن كل إنسان من دون ‏التفحص في الراوي من هو ؟ وما مدى أمانته وثقته وعقله و فهمه للحديث، بل لابد أن يكون الراوي للحديث والناقل له كجابر، ممدوح ومؤتمن يحافظ على الأمانة التي ينقلوها وهي احاديث نبينا صلى الله عليه وآله .

ثانيا:- أن جابر آمين وصادق فيما ينقل ‏وقد تحدث كثيرا في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد نقل عنه أنه قال: ( ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغض علي ).

‏هذا الحديث ينقله ابن شهراشوب في المناقب ص 207 - وينقله الخوارزمي أيضا في المناقب ص 231 

وهذا الحديث نقل عن عبد الله بن مسعود أيضا، حيث ينقله الإلوسي عن ابن مردويه في روح المعاني ج 2 ص 217 

وكان جابر يدور في سكك المدينة ‏وهو يقول (علي خير البشر ومن أبى فقد كفر، يا معشر الأنصار أدبوا اولادكم على حب علي، فمن أبى فانظروا في شأن أمه ).

من لا يحضره الفقيه ج 3 صفحة 413 .

‏فإذا هذا الحديث مقدمة مهمه في تصديق جابر وما ينقل عنه (رضوان الله عليه).

 ثالثا:- حمل احاديث النبي (صلى الله عليه وآله ) ونقلها ، يحتاج إلى شجاعة وقوة؛ لأن الزمان الذي نقل فيه جابر هذا الحديث كان زمان المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، زمان سلطتهم وقوتهم ، ‏وجابر كان الراوي الشجاع الذي يصدع بالحق ولا يا خاف الظالمين ، فمن يريد أن يتحدث عن النبي وأهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) لابد أن يكون كجابر، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ‏لا يداهن أو يجامل أو يستر الحق أو يخفيه.

رابعا:-  العمر الطويل الممدوح والحسن إذا كان في طاعة الله وفيه نفع و فائدة ، كما ورد في دعاء النبي (صلى الله عليه وآله): (اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لى من كل شر )

صحيح مسلم او الصواب هو كتاب مسلم ص272.

‏وهو مروي عن الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء اليوم الثلاثاء .

مفاتيح الجنان صفحة 58 

خامسا:- النعيم العظيم والتوفيق الكبير في لقاء ولي الله ورؤيته، كحال جابر (رضوان الله عليه) في رؤية الأمام الباقر (عليه السلام) هذه النعمة العظيمة ، التي نحن محرومون منها في هذه الأيام؛ لغيبة أمامنا عجل الله فرجه وسهل مخرجة فعلينا أن نستشعر هذه النعمة ونتحسر على فقدانها، وندعوا الله ان يمن علينا بها
 سادسا:- فضل العلم و رفعته ، وأن الإنسان إستحصل مقام الخلافة الإلهية وكان مسجود الملائكة ‏وما ذلك إلا لعلمه، حيث يقول الله تعالى ((يا آدم انبئهم باسمائهم)) البقرة 33 

وقال تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها)) البقرة 31

وأن التوحيد والمعرفة موقوفة على العلم حيث يقول الله عز وجل ((شهد الله أنه هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)) ال عمران 18

‏سابعا :- العلم النافع والمفيد في دنياكم وآخراكم هو العلم الاستخراجي ، والعلم البحثي والتنقيبي والذي عبر عنه (صلى الله عليه وآله) بالبقر ؛ لأن البقر باللغة بمعنى ‏بمعنى الشق والكشف والاظهار ، فهو إذن تبحر في العلم وتعمق في العلم، والإمام الباقر (عليه السلام) كان هكذا يستخرج كنوز وجواهر الكتاب والسنة ، وليس الجمود على ظواهر النصوص وعدم فهم معانيها وعدم التعمق واستخراج لآلئها ونفائسها كحال الوهابية هذه الأيام .

ثامنا:- السلام بمعنى شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) لهذا الإمام (عليه السلام) بالسلامة من كل افة أو سوء إو عيب أو منقصة .

أو أن السلام بمعنى التحية والإكرام لهذا الإمام من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، 

او بمعنى الأمر بطاعته والتسليم والآنقياد له ‏بما يقول ويحدث ويستخرجا من الكتاب والسنة .

تاسعاً:- يعلمنا النبي (صلى الله عليه وآله) كيف نحب الائمة (عليهم السلام) وكيف نواليهم ونتواصل معهم و نقدم لهم فروض الطاعة والآنقياد في كل زمان ومكان.

عاشراً:- هذا الحديث يبين مقام او رفعة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث ‏ظهر تساوي الحاضر والمستقبل عنده فهو يخبر عن المستقبل كأنه حاضر عنده وهذا دليل على بعثته ورسألته وصدق دعوته وقربه من الله تبارك وتعالى.

الحادي عشر :- ‏اسمه المبارك كم هو جميل ورائع فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) (البيت الذي فيه اسم محمد يصبح بخير ويمسي بخير)

 البحار ج 103 صفحة 129

وعنه (صلى الله عليه وآله) :(من ولد له ثلاث بنين ولم يسم أحدهم محمداً فقد جفاني)

البحار ج 103 ص 129

وعن الامام الرضا (عليه السلام) :(وقال الرضا (ع): لا يولد لنا مولود الا سميناه محمدا فإذا مضى سبعة أيام فان شئنا غيرنا والا تركنا)

 عدة الداعي ص 77 

وعنه (صلى الله عليه وآله): (إذا سميتم محمدا فلا تقبحوه ولا تجبهوه ولا تضربوه بورك بيت فيه محمد ومجلس فيه محمد ورفقة فيها محمد)

 البحار 104 صفحة 131

الثاني عشر :- ‏الكنية كان النبي (صلى الله عليه وآله) يكني أبا القاسم، وهذه الكنية سر من الأسرار، فعن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) (فقلت له: لم كني النبي (صلى الله عليه وآله) بأبي القاسم؟ فقال لأنه كان له ابن يقال له قاسم فكني به ، قال فقلت له : يا بن رسول الله فهل تراني أهلا للزيادة؟ فقال نعم، أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمة قلت بلى، قال اما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبٌ لجميع أمته وعلي(عليه السلام) فيهم بمنزلته؟ فقلت بلى : قال: اما علمت أن عليا قاسم الجنة والنار ؟ قلت بلى، قال :فقيل له أبو القاسم لأنه أبو قاسم الجنة والنار فقلت له وما معنى ذلك؟ فقال إن شفقة النبي صلى الله عليه وآله على أمته شفقة الآباء على الأولاد وأفضل أمته علي " ع " ومن بعده شفقة علي " ع " عليهم كشفقته صلى الله عليه وآله لأنه وصيه وخليفته والامام بعده فلذلك قال صلى الله عليه وآله أنا وعلى أبوا هذه الأمة)،

 على الشرائع ج1 ص 127

البحار ج16 ص95

‏وروي عن الحسن (عليه السلام) (جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأساله أعلمهم وكان فيما سأله أن قال له: لأي شيء سميت محمداً وأحمداً وابا القاسم وبشيراً ونذيرا وداعيا ؟

فقال النبي (صلى الله عليه واله) : (أما محمد فإني محمود في الأرض ، وأما احمد فإني محمود في السماء، وأما أبو القاسم فإن الله عز وجل يقسم يوم القيامة قسمة النار فمن كفر بي من الأولين والآخرين ففي النار ، ويقسم قسمة الجنة فمن آمن بي وأقر بنبوتي ففي الجنة ، وأما الداعي فإني ادعوا الناس إلى دين ربي عز وجل، وأما النذير فإني أنذر بالنار من عصاني، وأما البشير فإني ابشر بالجنة من أطاعني) 

علل الشرايع ج1 ص137

والإمام الباقر (عليه السلام) لديه هذه الكنية فمن أراد النجاة والفوز فليتولاه ويتبعه (عليه السلام).
‏الثالث عشر :- الحديث يشير إلى وحدة النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبنائه و إن طينتهم واحدة وعلمهم واحد فقد رؤية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث النورانية مخاطبا سلمان وأبي ذر جندب (أولنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلنا محمد، فلا تفرقوا بيننا، ونحن إذا شئنا شاء الله وإذا كرهنا كره الله، الويل كل الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيتنا )

البحار ج26 ص6

‏وروى الشيخ النعماني عن زيد الشحام عن الامام الصادق (عليه السلام) :( نحن من شجرة برأنا الله من طينة واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن أمناء الله على خلقه، والدعاة إلى دينه، والحجاب فيما بينه وبين خلقه، أزيدك يا زيد؟

قلت: نعم.

فقال: خلقنا واحد، وعلمنا واحد، وفضلنا واحد، وكلنا واحد عند الله عز وجل.

فقلت: أخبرني بعدتكم.

فقال: نحن اثنا عشر هكذا حول عرش ربنا جل وعز في مبتدأ خلقنا، أولنا محمد، وأوسطنا محمد، وآخرنا محمد)

الغيبة للنعماني ص88

 الرابع عشر :- التعامل بيقين نظري وعملي في ما يصدر منه (صلى الله عليه وآله) ، ‏وهذا معنى الطاعة في قوله تعالى ((أطيع الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )) النساء 59 

بمعنى العمل بأحاديثهم في مجال الفقه والأخلاق وغيرها لأن فيها نجاتنا في الدنيا والاخره .

الخامس عشر :- أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرفون بسيماهم وصفاتهم البدنية ، قال تعالى ((يسعى نوره بين ايديهم )) الحديد 12

ويظهر وما في الباطن على ما في ظاهره،

قال تعالى :((نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)) التحريم 8

‏وقد روى عن الامام الصادق عليه السلام:

( صلاة الليل تبيض الوجه وصلاة الليل تطيب الريح وصلاة الليل تجلب الرزق ).

التهذيب للشيخ الطوسي ج2 ص 120 

إذا هذه الرواية تكشف ما للمؤمنين من نور وعلامة، يستطيع الإنسان أن يهتدي إلى المؤمن من خلال نوره.

‏السادس عشر:-  الرؤية النافذة ،كجابر، رؤية بصر ورؤية بصيرة : رؤية البصر قال (صلى الله عليه وآله) (شمائله شمائلي)، والبصيرة في قوله يبقر العلم بقرا) وهكذا يكون المؤمن ذو بصر وبصيرة في أمور دنياه وآخرته.

‏السابع عشر:- الامام الباقر (عليه السلام) احد أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنص هذا الحديث حيث قال (تلقى ولد من ولدي محمد بن الحسين بن علي بن ابي طالب)،

 أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعى بهم إلى الله عز وجل ويلعن من تخلف عنهم بنص اية المباهلة ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكاذِبِينَ )) ال عمران 61

‏وهذا الحديث يقول (ستبقى حتى تلقى ولدي) إذا الإمام الباقر (عليه السلام) هو ابن النبي (صلى الله عليه واله) الذي يدخل في اية المباهلة،  فهكذا يكون الإيمان باهل البيت (عليهم السلام) بالموالاة لهم وبالبراءة من اعدائهم 

إن قلت لماذا قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(تلقى ولداً من ولدي) ولم يقل( ستلقى ابن من ابنائي ) قلت لأن الحديث في مقام بيان الميراث العلمي و إن علم الباقر موروث من والده رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) و اما آيه المباهله كانت بلفظ الأبن لأن المقام مقام الدعاء و الابتهال الى الله تعالى.


الثامن عشر :- يوجد سؤال كيف ندخل الائمة (عليهم السلام) في آية التطهير (( إنما يريد الله لي يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) الاحزاب 33

يمكن إدخالهم بضم اية المباهلة إليها وتكون لدينا ثلاث خطوات : 

الخطوة الأولى آية التطهير، 

الخطوة الثانية ضمن اية المباهلة ، 

الخطوة الثالثة هذا الحديث ،

‏فإذا استعنا على فهم القرآن بالقرآن والسنة نجونا وكذلك العكس في فهم السنة بالقرآن ، إذا نستطيع أن ندخل الائمة عليهم السلام بآية التطهير بضم اية المباهلة ، والذي يفسر اية المباهلة ويوضحها هي احاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ، ومن ضمنها هذا الحديث المبارك.

 التاسع عشر :- امر بلاغي لغوي، لماذا عبر النبي (صلى الله عليه وآله) باللقاء لأن اللقاء بمعنى الإلقاء وهو يقول (ستلقى ولدي ) اللقاء بمعنى الإلقاء  ‏لانه سوف يلقي على الإمام الباقر (عليه السلام) سلام النبي (صلى الله عليه وآله) وذكره العطر عن ولده الباقر (عليه السلام). 

العشرين :- امر بلاغي لغوي آخر، النبي (صلى الله عليه وآله) عبر بقوله (فأقرؤه عني السلام )

القراءة بمعنى قرأ الكتاب أي نطق بكلماته ،

فجابر ينقل ويقرأ للإمام الباقر (عليه السلام) ما حُمل من امانة من دون زيادة أو نقيصة، وهذا يكشف عن دقة جابر ورعايته الأمانة بأدق واحسن صور تحملها.

والحمد لله رب العالمين.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=146782
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 07 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2023 / 02 / 7