• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : السعي في قضاء الحوائج مِن نِعَمِ الله ـ الجزء الأول .
                          • الكاتب : محمد جعفر الكيشوان الموسوي .

السعي في قضاء الحوائج مِن نِعَمِ الله ـ الجزء الأول

كتبنا في مناسبات سابقة عن الأخلاق الرفيعة والجود والكرم وذكرنا بأن هناك صفات لا يمكن الفصل بينها، فمن كان كريما في خُلُقِهِ سيكون كريما في إنفاق ماله على من هو بحاجة إليه ولا يستطيع ضربا في الأرض، ومَنْ كان للمال في سبيل الله منفقا كيف لا يُضحي بسويعات راحته ماشيا في قضاء حوائج المحتاجين ومد يد العون إليهم وتخفيف قساوة الأيام ومرارتها عنهم. عكس البخيل الذي يبخل بكل ما ذكرناه وزيادة على ذلك فهو يبخل حتى بالسلام وإلقاء التحية، وكما ورد عن صادق العترة الطاهرة صلوات الله عليه انه قال: " البخيل من بخل بالسَّلام". علماً أن السلام وإلقاء التحية هو مجرد تحريك لسان ونطق كلمات ولا يكلف مالا كثيرا ولا جهدا جهيدا ولا وقتا طويلا، لكن القلب هو مصدر الأوامر والتوجيهات والقرارات سلبا وإيجابا، والجوارح هي التي تعمل وتترجم أوامر القلب إلى حركات يعني (طلبات القلب أوامر) ولا يمكن للجوراح أن تتمرد عليها. بمعنى ـ وبإختصار ـ ان القلب إذا كان أسودا ومريضا فكيف يتحرك اللسان بإلقاء التحية والسلام!!  وكما قيل: السلام لله. أي حتى الذي بينك وبينه شحناء والعياذ بالله إن صادفته في الطريق فلا تعرض بوجهك عنه، بل ألقِ عليه التحية والسلام وهذا عنوان الرقي والترفع عن الصغائر وهو مفتاح سمو النفس ونقاء السريرة وصفاء القلب. أقول دائما للأخوة الأعزاء: لا بأس أن نختلف وتتباين وجهات نظرنا ولا تتطابق أفكارنا ورؤانا في مسألة واحدة خاصة كانت أو عامة، بل أحيانا من الجميل أن نختلف ويكون لكل منا رأيه وموقفه ونظرته وتحليله واستنتاجه، لكن من القبيح أن جدا والمعيب واللا أخلاقي أن نحقد على بعضنا ونحاول أن نلتمس العثرات والسقطات بدل الأعذار للوقيعة بذلك المحترم الذي إختلفنا معه. لدي الكثير من الملاحظات عن هذه الأخلاق الدخيلة على ديننا الحنيف ومبادئنا السامية لكني سوف لن أذكرها بشكل مفصل لأنتفاء الموعظة من ذكرها، فربما كان التلميح أبلغ من التصريح في مقام والعكس صحيح في مقام آخر. إذن قضاء حوائج الناس لا يوفق لها أصحاب القلوب المريضة، وسنأتي على ذلك لاحقا بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى. لكن هناك ملاحظة أوّد أن أسجلها هنا لأهميتها وهي أننا للأسف الشديد نشكو من قلة المصلحين في مجتمعنا مع وفرة المفسدين الذين يحاربون نشر الفضيلة بين الناس وينشطون في نشر الرذيلة في كلّ مناسبة ومن غير مناسبة، كما أن بعضهم قد خرج من سنخ الآدمية واصبح كالدابّة همُّها علفُها، ولا يأكل إلاّ من حرام، أعمى البصيرة أعمى البصر. يرتدي العديد من الأقنعة وبعضها فولاذي ليس من السهل تهشيمة لإظهار الوجه المتخفي خلفه على حقيقته، فهو يحتاج إلى معول ضخم لتحطيمه. إذا وصل المجتمع ـ أيّ مجتمع ـ إلى حد التُخمة بأمثال هؤلاء المفسدين فستكون النتائج كارثية وخارج نطاق السيطرة كما ان المجتمع يصاب بالتخلف والرجوع القهقري إلى درجة الإشمئزاز. الأكثرغرابة هو أن بعض دعاة الإصلاح بحاجة إلى إصلاح ودورات تثقيفية وإعادة تأهيل، وأن تتلى على مسامعهم هذه الأية الكريمة:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ". هؤلاء ليسوا من المصلحين الذين يهتمون بأمور العباد لكنهم يتكلمون (حلو)، تماما كالذين يحسبون على المتدينين ولا تشم من أعمالهم رائحة التدين والإيمان لكن كلامهم أيضا (حلو).

البعض تجده في موضع إسداء النصائح للغير ملاكا طاهرا، يأتيك بقائمة لأسماء المفسدين والمرتشين والمحتالين والمنتهزين ( ربما نسي أن يضيف إسمه على رأس القائمة)، ولكن في موضع التطبيق تراه شيطانا ماكرا وذئبا مراوغا قد إرتدى ثوب الكذب والتضليل وتزين به وتعطر كي نراه صادقا ومخلصا ومؤتمنا، حتى إذا إطمأن لغفلة الناس وإنشغالهم عنه بهمومهم وآلامهم كشّر عن أنيابه ونهشهم نهشا واستولى على مقدراتهم وتربع على الكرسي بعد ان وضع على رأسه تاجا مرصعا بألام الفقراء وآهات الثكالى ودموع الأيتام وبكاء المنكسرة قلوبهم. يكذب من أجل أن يجلس على الكرسي ـ كل أنواع الكراسي، الوزاري والإداري والإجتماعي وحتى الكرسي الفخري بل وحتى الكرسي الوهمي ـ كرسي له أربع أرجل من خشب (غالبا)،  صنعه نجّار من بني البشر. يكذب ولا يصدق في قول أو فعل ليبقى جالسا على ذلك الكرسي الخشبي الذي ستأكل أحشاءه دابة الأرض يوما فيسقط أرضا لتنتهي قصة وتبدأ أخرى. يكذب ويكذب فيخسر ذلك الكرسي الذهبي الدائم عند مليك مقتدر "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ". كأني بأمثال هؤلاء الذين يدعون الزهد ويسكنون القصور الفارهة، يوصون بالقناعة وهم يزدادون جشعا، قد كتبوا على أبواب (بيوتهم):

تنبيه!!!

أيها الفقراء..

يامن أبتلينا بكم

 لا تسألونا حاجة

 فلسنا متفرغين لكم

أيها الفقراء..

 لنا أشغالنا ولكم أشغالكم

 لنا أموالنا وجاهنا

 ولكم فقركم وحرمانكم

لنا قصورنا وخدمنا

 ولكم خيامكم ومواشيكم

 لنا دنيانا وزخرفها وزينتها

ولكم آخراكم وكفاكم

لنا الكراسي كلها لنا

ولكم الأرض ألا تسعكم!

..وقد فات هؤلاء قول الله تعالى: "ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ". إنتهت الملاحظة!!!

آثار السعي في قضاء حوائج الناس..

يؤسس لمجتمع راقٍ تسوده المحبة والتعاون والإيثار والشعور بالمسؤولية "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". يشعر الفقير بالطمانينة وعدم القلق من يومه وغده فهناك من يعتني به ويهتم لحاله، وهذا أحد أهم مداميكك بناء مجتمع الفضيلة والكرامة وحفظ ماء وجه الفقراء والمحتاجين، مع ملاحظة ان قضاء الحوائج لا يختص بطبقة أو شريحة إجتماعية معينة، فهناك حوائج شتى وطلِبات متنوعة تختلف من شخص لآخر، من الناس من يحتاج إلى كلمة طيبة تنفس بها همومه وتدخل على قلبه السرور وتشحنه بالطاقة لينطلق إلى الأمام متحديا العقبات والإنكسارات ومجتازا المعوقات والموانع، والحاجة تكون أحيانا بسيطة وقضاءها سهل يسير لكن ثوابها عظيم،عظيم جدا ولا يخطر بالبال والحسبان. ومنهم من يحتاج إلى القليل من المال يستقرضه نتيجة ظرف طاريء أحلّ به على حين غرة. وهنا لنا وقفة قصيرة:

الثري الذي لا يقرض المال للفقراء..

الثري كان أحد المعارف والفقير كنت أنا. قبل حوالي أكثر من ثلاثين سنة طرأ عليّ أيام الدراسة ظرف إضطرني إلى إستدانة بعض المال من أحد المعارف وكان تاجرا ميسورَ الحال، طلبت منه أن يقرضني مئتين دولار لدفع رسوم الجامعة وتسديد بدل الأيجار لأن أهلي قد تعذر عليهم تحويل المال لي لأسباب ظالمة. إعتذر ذلك المحترم وقال لي: ليس عندي طلبك فكل أموالي في الإستثمار، في البداية ظننته مازحا لأن ثراءه كان لا يوصف لكني أدركت فيما بعد أن الرجل أراد أن (يتملص) من طلبي. شكرته على حسن خلقه في رفض طلبي ورجعت من حيث أتيت، وأنا في طريقي صادفت صديقا آخر يعيش في بلد مجاور، وهو أيضا من التجار. سلمت عليه ودعوته لتناول العشاء( وتساءلت في قرارة نفسي: ماذا سأطعم هذا الزائر الكريم وأنا مفلس). شكرني على الدعوة وإعتذر لكنه سألني عن عنوان ذلك الصديق التاجر الذي رجعت لتوي من عنده فقلت: بلى أعرف عنوانه ولكن ماهي حاجتك؟ قال: أريد أن أستدين منه بعض المال لأن هناك مناقصة وأريد الفوز بها واحتاج مبلغا معينا. تبسمت ورفعت رأسي إلى السماء وقلت له: "مد يدك للسماء أقرب".

 فقال مستغربا: يا محمد جعفر هل الذي أمامك قرد حتى تهزأ به وتسخر منه؟ قلت: حاشاك مولاي فالقرود لا تدخل في مناقصات ولا تستدين من البخلاء. فهم قصدي لفطنته وقال: ليس الأمر كذلك فلنذهب عند صاحبنا وسترى بأم عينك ما الذي يحصل. طاوعته وذهبت معه إلى الرجل الثري وهناك حصلت المفاجأة. بإختصار شديد: بعد الترحيب بذلك الزائر الكريم ذهب صاحبنا وأحضر له المبلغ الذي طلبه. شردت بذهني هنيئة ونظرت له بتعجب وقلت: يا سيد أنت قلت لي قبل قليل بأن أموالك كلها في السوق فكيف أحضرت له هذا المبلغ الكبير بالتمام والكمال؟ قال: سأشرح لك الأمر:

فقير مثلك إذا اقرضته المال وإن كان قليلا فهو لا يستطيع أن يرده لي؟! فالفقير لا يزداد بمرور الأيام إلاّ فقرا. أليس كذلك؟ قلت: لا أدري. قال: أنا ادري. ثم إستأنف:

بينما الغني إذا اقرضته المال وإن كان كثيرا فسيرده لي عاجلا مع هدية ثمينة، فالغني بمرور الأيام لا يزداد إلاّ غنىً. أليس كذلك؟ قلت: لا أدري. قال: أنا أدري. بعد مرور عشر سنوات صادفته بنفس المكان وهو على غير تلك الهيئة فقال لي: يا محمد جعفر أتذكر حينما قلت لك أنا أدري؟ قلت: لا أدري. قال: لا أبدا، أنت الذي يدري وأنا الذي تبين أنه لا يدري، فقد افلست وأصبحت صفر اليدين وووو...، فدعوت له بالمغفرة وأن يزيده الله من فضله وأن يحسن إليه كما أحسن إليه من قبل، وأعطيته مئتين دولار وقلت له: هَبْ أنك أقرضتني هذه قبل عشر سنوات وقد حان الآن وقت السداد، فبكى وقال: لم أكن أفهم لغة الحياة فترجمت كلماتها (بالخطأ). هذا غيض من فيض ولا يسع المقام للإسترسال أكثر.

تعليق..

أيها السيد الغني المحترم.. لقد منَّ الله عليك بالنِعم وفضّلك على بعض خلقه جودا منه وكرما لا بإستحقاق منك أبدا، فلا يغرنّك المال ووفرته فدوام حال هذه الدنيا من المُحال، فإدخر من مالك ليوم ربما تكون محتاجا له. يقول العلماء: إن الذين يقبضون أيديهم عن الإنفاق خشية الإملاق وبدافع الإعتناء بالمال والمحافظة عليه وعدم ضياعه، هؤلاء المدّعون يكذبون فلو كانوا يريدون حقا الإعتناء بالمال والمحافظة عليه والإستفادة منه لبعثوه إلى مكان آمن يُحفظ لهم لوقت الحاجة. يقصد العلماء أن بتصدقهم وإنفاقهم في سبيل الله فهم إنما يبعثون أموالهم قبلهم للآخرة لينتفعوا من الأجر والثواب العظيم والجزاء الكبير لأن "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ". أيها السيد المحترم.. إيّاك أن تكون كصاحبنا الذي غرّه ماله فظن أنه يدري ليتبين له فيما بعد أنه لا يدري، لا يدري أن الفقر لا يدوم "لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا".

" قل لي بربك ماذا ينفع المالُ    ****    إنْ لم يُزَيّنْهُ إحسانٌ وإفضالُ

المالُ كالماءِ إنْ تَحْبِسْ سواقيَه   ****    يَأسُنْ وإنْ يَجْرِ يَعْذَبْ مِنهُ سلسالُ

تحيا على الماءِ أغراسُ الرياضِ كما  ****  تحيا على المال ِأرواحٌ وآمالُ"

مما تقدم يدل على أني قد رفعت حاجتي تلك إلى مّن ليس بأهلِ لهذا الخلق العظيم في حين أن الإمام الحسين عليه السلام يقول: "لا ترفع حاجتك إلاّ إلى ثلاثة: إلى ذي دين، أو مروّة، أو حسب، فأما ذو الدين فيصون دينه، وأما ذو المروة فإنه يستحي لمروته، وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك". وقال الإمام الصادق عليه السلام: "اللهم لا تجعل بي حاجة إلى أحد من شرار خلقك، وما جعلت بي من حاجة فاجعلها إلى أحسنهم وجها، وأسخاهم بها نفسا، وأطلقهم بها لسانا، وأقلهم علي بها منّا".

في المقابل..

هناك مَن منّ الله عليهم بنعمة قضاء حوائج المؤمنين والمؤمنات وحباهم بكراماته وشملهم برحمته وجزاهم خير جزاء المحسنين ووفقهم لفعل الخيرات. إلتقيت بأحد هؤلاء الصالحين الموفقين للسعي والمشي في قضاء الحوائج فرأيت منه العجب العُجاب. إليكم قصة هذا الصالح:

الخطيب المبارك السيد أحمد الحسيني..

أعتاد الناس أن يغلقوا الموبايلات عند النوم ليلاً، كي لا يزعجهم أحد عند منتصف الليل ويعكر عليهم صفاء النوم الهاديء. هذا السيد الكريم حفيد الحسين عليه السلام يعمل عكس ذلك:

قبل أن ينام يتاكد من ان الموبايل هو كامل الشحن، والصوت أعلى ما يكون، ويضعه قرب رأسه مع علمه بخطورة ان يكون الموبايل قرب الرأس عند النوم، وقبل أن ينام يصلي ركعتين بنية قضاء الحاجة، وحاجته التي يصلي لله من أجلها هي أن يوفقه الله لقضاء حوائج الناس في ذلك الليل الأليل، فترى السيد الكريم ينام قلقا ينظر بين الفينة والأخرى إلى الموبايل ليتأكد من المكالمات فربما فاته سماع جرس الموبايل. وأكثر من ذلك فأنه يتواصل مع من سأله قضاء الحاجة ليطمأن عليه وبعد فترة يتصل به ويسأله ان كانت الأمور على ما يرام، والحديث طويل. ليست من عادتي أن أذكر الأسماء إلاّ ما ندر لضرورة يقتضيها المقام. والضرورة هنا هي: ألتمسكم الدعاء لهذا السيد الجليل والخطيب المبارك وأن يزيده الله ويزيدكم جميعا إيمانا وتثبيتا. أين هذا السيد المتألق بخدمة جده الحسين ع من صاحبنا الذي زعم أنه يدري؟

اقضِ الحوائج ما استطعتَ *** وكنْ لِهَّمِ أخيكَ فارجْ

فلخـــــير أيام الفتى *** يوم قضى فيه الحوائج

جاء في الحديث الشريف:

"إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه".

 

نسأل الله العافية




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=149061
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 10 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 10 / 30