• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : ذهبٌ....مع الريح .
                          • الكاتب : د . أحمد فيصل البحر .

ذهبٌ....مع الريح

كنت مدعوا أول أمس للمشاركة في محاضرة حول الأدب العربي الحديث يديرها "زويلي" فذ وهو الدكتور زياد المرصفي. وكانت المحاضرة، وهي لطلبة الادب الانكليزي ومريديه، تدور حول الشاعر محمود درويش. أحسست لأول وهلة ونحن نجلس في تلك القاعة الصغيرة وبشكل شبه دائري أننا في حلقة ذكر صوفية أو في جلسة استحضار للأرواح...وبالفعل كنا نستحضر روح الشاعر محمود درويش في ابيات قصائده الجميلة ولوحاته الشعرية الرائعة.
تذكرت ونحن نتكلم عن فكرة الموت لدى درويش كيف أن الشاعر حاور الموت بتحدٍ وأصرار لم يبد معه أي أشارة تسليم أو استسلام وكأنه ليس يبدي أدنى أكتراث له. لكن درويش كان يخاطب الموت خطاب الشاعر لا الأنسان بقوله " هزمتك ياموت الفنون جميعها..هزمتك ياموت الأغاني في بلاد الرافدين"، وهنا يسجل الشاعر موقفا صريحا يبين فيه الفرق بين قبول الحتف كنهاية أبدية صارمة وبين مواجهة الحتف بقلب مطمئن. نعم..لقد انتصر محمود درويش على الموت لأنه علم علم اليقين قبل وفاته أن الموت ليس نهاية لذكره وليس معول هدم لما شيده من صروح في ميادين الادب وقلوب الجماهير.
لقد نجح درويش في وضع بصماته على دفتر الخلود كشاعر، حاله كحال وليم شكسبير وجون دون اللذان فعلا ما فعل درويش بالضبط عندما اعلنا في قصائدهما عن وصولهما الى مرحلة الذكر اللامنقطع..بل أن شكسبير تعدى ذلك الى تذكير حبيبته بأنها مثله ستبقى خالدة ولن يذوي جمالها ولن يبلى عودها لأن الشاعر منحها سرمدية الجمال حين ذكرها في بضعة أبيات من قصيدته (سونيت 18).
لكن لا يزال الشك يراودني حيال تلك الافكار وخصوصا حين أقرأ لفحول الشعر العراقي كالسياب وأحمد مطر ومظفر النواب. لأنني لم أجد نصا مماثلا لدى هؤلاء الشعراء بل وحتى أي نص يسجل ولو انتصارا صغيرا في أي محفل او موقف أو قضية، اللهم ألا اعتبار الموت نفسه انتصارا اذا كان موتا في سبيل الله والوطن والقضية وهذا انتصار لاغبار عليه كما يقول السياب: "أود لو غرقت في دمي الى القرار, لأحمل العبء مع البشر, وأبعث الحياة ان موتي انتصار". لكن النغمة المنفردة لشعرائنا الأفذاذ تخرج عن المألوف لدى أقرانهم كدرويش وشكسبير وغيرهم. أنهم يستبقون الموت لأنفسهم مع ان أشعارهم تصنع الحياة. فهذا مظفر النواب يردد " حتام ستبقى ياوطني ناقلة للنفط مدهنة بسخام الاحزان واعلام الدول الكبرى..ونموت مذلة". ومطر يجري ويقول: "أوطاني شغلي والغربة أجري..وانا أجري أجري أجري".
 ان ماجعل شعرائنا الافذاذ يلوذون بالموت هو انهم لم يشهدوا انتصارهم عليه في حياتهم لأنهم لم يحصلوا على التكريم اللائق بهم بل تجرعوا الغربة والمذلة والهجران ولم يحصدوا من شعرهم وابداعهم غير الحزن والمرض والوحدة في المنفى. ان الموت أرحم للمبدع من قلة التقدير بل انعدامه وخصوصا من ابناء جلدته الذين أفنى عمره وشعره ومداد دمه في خدمتهم..ففي حين أن النواب كان يبكي بلاده لدى الغرباء: "أبكيك بلادي..أبكيك بحجر الغرباء وكل الحزن لدى الغرباء مذلة"، يتقدم الاعضاء العرب وحتى بعض اليهود لدى الكنيست بطلب يرومون فيه السماح لدرويش بالعودة للعيش في فلسطين.. وهذا ماحصل. لقد فاز درويش بحب وطنه له ووفاءه لتضحياته التي قدمها من شعره بينما لم يحصل السياب, وهو رائد الشعر العربي الحر، على أي تكريم له في حياته ولم يظفر بالعودة الى احضان وطنه معززا مكرما, ولم يحصل سوى على تمثال له في البصرة شيده له النظام السابق بعد وفاة الشاعر لا في حياته. ولست ادري لماذا ننكر مبدعينا وننسلخ منهم في حياتهم ..حتى اذا ماتوا كمدا وحزنا صرنا نبكي عليهم ونشيد لهم النصب والتذكارات ونهيل على قبورهم شتى أنواع التكريم والاحتفاء.
اليوم يعيش احمد مطر غريبا في لندن بعد أن يئس من وطنه الذي لم يعرف منه سوى "الهوان". ومظفر النواب يصارع المرض في منفاه في دمشق بعد أن نكره حتى قراءه ومريدوه ممن اصبحوا اليوم حكاما للعراق الجديد. الحقيقة أن مظفر النواب واحمد مطر وغيرهما من المثقفين والكتاب الذين وقفوا وقفة صدق بوجه الظلم وانتصروا للشعوب تماما كما فعل درويش لابد أن تكون لهم حصة من رد الجميل والعرفان لهم في حياتهم من قبل من دافعوا ونافحوا لأجلهم طوال عقود، وغير هذا يعد نكرانا للجميل وجحودا نستحق عليه كل ماجرى ولايزال يجري علينا من أهوال. لكنني لايجب ان أبدي أي نوع من أنواع التفاؤل لأن فراسة أولئك الشعراء الفحول أصدق من ظنوني الايجابية بوفاء الحكومات أو ترحيب الشعوب لهم وهم لايزالون أحياء يرزقون..ولهذا فهم يستعجلون الموت عسى أن يحصلوا على شيء من التكريم والاحتفاء بماثرهم بعد رحيلهم الى المثوى الاخير وهم في قمة اليأس... بعد أن بلغوا قمة العطاء.
هذا هو الوطن: أحمد مطر
دافِعْ عن الوطنِ الحبيبِ ..
عن الحروفِ أم المعاني ؟ 
ومتى ؟ وأينَ ؟
بِساعةٍ بعدَ الزمانِ
وَموقِعٍ خلفَ المكانِ ؟!
وَطني ؟ حَبيبي ؟
كلمتان سَمِعْتُ يوماً عنهُما
لكنّني
لَمْ أدرِ ماذا تعنيانِ !
وطَني حبيبي
لستُ أذكرُ من هواهُ سِوى هواني !
وطني حبيبي كانَ لي منفى
وما استكفى
فألقاني إلى منفى
ومِنْ منفايَ ثانيةً نفاني !
دافِع عنِ الوطَنِ الحبيب
عنِ القريبِ أم الغريبِ ؟
عنِ القريبِ ؟
إذنْ أُدافِعُ مِن مكاني.
وطني هُنا.
وطني انا
ما بينَ خَفقٍ في الفؤادِ
وَصفحةٍ تحتَ المِدادِ
وكلمَةٍ فوقَ اللّسانِ
وطني أنَا : حُريّتي
ليسَ التّرابَ أو المباني.
أنَا لا أدافِعُ عن كيانِ حجارةٍ
لكنْ أُدافِعُ عنْ  كياني !   
    


كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : محمد قاسم من : العراق ، بعنوان : جميل ما كتبت في 2010/11/28 .

ليسَ التّرابَ أو المباني.
أنَا لا أدافِعُ عن كيانِ حجارةٍ
لكنْ أُدافِعُ عنْ كياني !

ما اروع ما كتبت
شكرا لكم اخي الفاضل



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=1506
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 11 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 18