• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : بين أروقةِ الحنين...!!! .
                          • الكاتب : عماد يونس فغالي .

بين أروقةِ الحنين...!!!

في عنوان الكتاب كلمة، مفتاح الحلقة النصيَة كلّها. إذا عُدنا إلى تعريفها المعجميّ نجد الحنين في معنى الشوق. لكن دعوني أضيف تعريفًا أدبيًّا لائقًا: الحنينُ مشاعر شوقٍ لا تنطفئ. في هذا المعنى، يندرجُ سياقُ الكتابِ كلّه، في حقلٍ معجميٍّ واسعِ القياسات، حجمٌ أحاسيسُه مفتوحةُ المدى.

عالجتْ كلود ناصيف حرب حنينَها ألحانًا، عزفتها على أوتارٍ مشاعريّة سارتْ بها إلى عمق المفاهيم الإنسانيّة، تمتمتها روحُها "نغماتٍ على قيثارةِ الحنين" إلى الحبيب الذي لا يُشبعُ نهمها إلى دفقِ قلبها اللاهب به!

بدأ الكتابُ بعد المقدّمة الدويهيّة الوفيّة لمسيرة الشاعرة، بثلاثةِ نصوصٍ مقتضبة لكن عميقة الحبّ والوفاء لأحبّاء، هي اليوم حيثُ نقرأها بفضلهم: زوجها، راعيها وأمّها العذراء! لافتٌ استعمالها اللغةُ الفصحى، اعتقادي محاولةَ تجرّدٍ إلاّ من عاطفةِ الشكر والامتنان... لكأنّها في نصٍّ رسميّ نموذجيّ. لكنّه لا يخلو من شخص الكاتبة العالق في جماليا الخصوصيّة.

ثمّ انتقالٌ فوريّ إلى المحكيّة اللبنانيّة في امتدادات القصائد على المؤلَّفِ كلّه. أجرؤ على الإقرار أنّ لبنانيّةَ التعبير ذرفتْها المحكيّةُ مدرارًا على التراث الشعبيّ الإنسانيّ في معيوشه اللبنانيّ للأطر العشقيّة كاملةً!

في قراءةٍ لبنانيّة أيضًا للنغمات الشعريّة في الديوان، أحسستُني أُنشدُ على أثيرٍ رحبانيّ بصوت فيروز... الحركيّة الصادقة السرد في التعبيرات المشاعريّة خاصيّة الأخوين رحباني، أجادت لعبَها مسرحيًّا فيروز صوتًا يحيا المعاني، رسالةً تصلُ في ملء! قصيدتا "رح خبّرك شو صار عنّا" و "لمسة إيدك" نموذجًا. في الأولى على سبيل المثال: "مشّاني حبيبي عالورد... بتقلّي انتبهي من القمر، بيتنكّر بالليل... ليش أنا بعرف غيرك قمر يا قمر..."

وفي الثانية: "رح ضلّ قلّك اشتقتلّك... شفتك بمنامي مرّتين... لا طلّ ولا شفتو..."

"اشتقتلّك"، فعلٌ يتكرّر في القصيدة الواحدة والقصائد. هو فعلُ الحنين الدائم، تقول فيه صاحبةُ الديوان شوقَها حنينًا، بمعنى لا ينطفئ! في مفهوم الحبّ، الحنين يتأجّجُ في حضور الحبيب كما في غيابه، على وتيرةٍ واحدة. فالحبيب لا يغيبُ إلاّ جسدًا، قد يجعل تعبيراتُ الحبّ تتبدّل في الأسلوب والإطار ليس إلاّ.

تسميةُ "القمر" حاضرةٌ في السياق شبه دائمًا هي الأخرى، في المعنيين الحقيقيّ والمجازيّ. لتضفي على المشاعر النورَ الذي تحتاجه، تارةً قويًّا لكشفها الواضح، وتارةً أخرى خافتًا ليتوهّج القمرُ الحبيب.

في قصيدة "ضيّعت الكنزة الزرقا"، تمازجٌ حميم بين الأسلوبيّة الرحبانيّة التي أشرتُ إليها أعلاه، وبين فعل "اشتقتلّك" وتسمية "القمر".

"ضيّعت الكنزة الزرقة

هالمقعد العتيق.

قالوا الحرامي سرقها

رحت عالمخفر تشكّيت...

... وكنت مشتاق أغمرِك

يا قمري الغالي"...

كلود ناصيف حرب، بهذا القدر قلبُكِ شفيف، لا تكتبين صناعةً، بل تعيشين شعرًا وترتقين جمالاً... نعم، كأن تَهدين إلى نموذجٍ أدبيّ لأيّ عملٍ بحثيّ أو دراسة أكاديميّة... هذا يُحسَب لكِ يا شاعرة!

كتبتِ في الديوان الحبَّ عبادةً، فأتيتِ الحبّ معبدًا، أمّيتِه مصلّيةً. والصلاةُ في مفهومها صِلةٌ بالحبيب، علاقةٌ فارقة بالحبّ الذي يعليه فوقَ كلّ آخر... تعبدينه، حبًّا حتى تكوّنه إلهًا لكِ... وليس في الحبّ مبالغة، لأنّ الحبّ مبالغة في حدّ ذاته.

"إنت إنت إنت

روح عالأرض

وقمر بسما حروفي"...

"إنتَ بقلبي معبد...

بصلّيلك هلّق وكلّ ساعة

لأنّو محبّتك صلا..."

بتعبيرٍ آخر، العبادةُ قِمَةٌ في الحبّ، وهي قمّتُه على الإطلاق. وليس في الأمرِ كفرٌ أو هرطقة كما شائع! إن لم تكن العبادةُ دافعُها الحبّ، باطلةٌ هي! الإلهُ هو الحبيبُ المطلق، والعكسُ صحيح، الحبيب هو الإله المطلق... وعلى قيثارتكِ كلود، عزفتِ نغماتِ عبادتكِ هذه، في هيكلٍ دافئ التعابير خاشع التأمّل، على هدْيِ قيثارتكِ، تزيّنتِ بعبقِ المناجاة، تتمتمينَ مزاميرَ العشقِ الإلهيّ بشفتَي قلبكِ الغارق في الحنين!!

وفي عَودٍ إلى العنوان "نغمات على قيثارة الحنين"، يخالُ لتأمّلي أنّ الحنينَ تشكّلَ آلةً موسيقيّة، تردّدتْ على أوتارها سمفونيّة إلهيّة، في صورةٍ مشاعريّةِ حالكِ الحبيبة، فتحوّلت النغماتُ أشعارًا، أناشيد! وأضحى الديوانُ هيكلَ حبٍّ، بيتَ عبادة، لا فرقَ فيه بين إقامةِ صلاةٍ أو عيش حبّ... طالما المساحةُ المتاحةُ قلبان يقيمان كلٌّ في الآخر، خلوٌّ من قيودٍ ولو تجمّلتْ.

كتابكَ هذا شاعرتي، كشفُ هويّتكِ الأنثويّة في هوى إنسانيّتها الرقيق. دفقُ مشاعرِكِ الحلوة، مذاقٌ طيّبٌ لمساءاتِ العاشقين... لستُ هنا أقيّم، بل أنعمُ بلذيذ طيّبات!




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=151141
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 12 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2023 / 02 / 1