• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أكثر روايات البحار موضوعة! (2) .
                          • الكاتب : ابن شط العرب الحسيني .

أكثر روايات البحار موضوعة! (2)

ظهر السيد كمال الحيدري في أكثر من درس مستعرضاً كتاب اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي الذي لخصّ فيه كتاب معرفة الناقلين المسمّى برجال الكشي مستشهداً برواية يونس بن عبد الرحمن وجاعلها أحد المستندات في بناء التوافق مع ما يطرحه ويعلن عنه بزعم أنّ الكثير من رواياتنا المتوفرّة في كتبنا موضوعة إسرائيلية وأنّ أغلب روايات كتاب البحار مجعولة!
ولمناقشة هذه القضية فلنا هنا على كلام السيد كمال الحيدري ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: كيف يستدلّ السيد الحيدري على بناء فكرته وتشييد توجّهاته، ولو من بعض جوانبها، برواية هي، بحسب منهجه المتشدّد في قبول الروايات، تحوم الشكوك حول مصدرها الأصلي والتلاعب بمحتواه، كما صرّح هو بذلك في دروسه؟!
فإذا كان حال الرواية كما هو مبيّن، بمعنى أنّها لا تورث الاطمئنان بصحّة صدورها وحجيّتها، فكيف أضحت عند فضيلته من الأخبار التي يصحّ الاحتجاج بها والاعتكاز عليها؟!
فإن قال قائل: لعلّ هناك قرائن قويّة جعلت السيد يطمئن بصحّة صدورها ويسكن إلى مفادها من دون إثارة الإشكالات حولها وافتراض الآفات فيها كما يفعل مع غيرها من الروايات ومصادرها.
وهذا الاحتمال وإن لم يتبيّن لنا وجهه ولم تظهر لنا شواهده. لكن لو تعاملنا معه بمرونة أكثر وتساهلنا وقبلنا هذا التعليل من هذا القائل لرفع الإشكال عن كلام السيد الحيدري، فإنّه من زاوية أخرى سوف يضع أمام الباحث علامة استفهام كبيرة وعقبة عظيمة لقبول فكرة الجعل الواسع في مروياتنا كما يتصوّرها الحيدري ويسوّق لها، وذلك لأنّه ليس من الانصاف أن يقبل الباحث هذا التعليل لاخلاء منهج السيد من العيوب والتبرير لمسلكه، وفي المقابل يرفض أنّ يفترضه لفقهاء الطائفة التي جمعت الكتب المعتمدة وألفت المصادر المعتبرة!
ثمّ ألا يحقّ لنا أن نسأل السيد: هل كان منهج قدامى فقهاء عصر الغيبة في اختيار الأحاديث اعتباطياً وحشوياً أم كان منهجهم في الغالب يعتمد على الاجتهاد في انتقاء الأحاديث وملاحظة القرائن المتوفرة فيها للاطمئنان بصدورها وتطبيق الضوابط الدرائية كموافقتها للكتاب والسنة وشواهد روايات أهل العصمة عليهم السلام؟
فإذا كان جوابه هو أنّ الاحتمال الثاني هو المقرّر عندهم، وهو الحقّ الذي لا مرية فيه، فلم باء السيد الحيدري تجر وباء القدامى لا تجر؟
وبتعبير آخر: كما أنّ مسلك الحيدري هو الذي جعله يتمسّك ببعض النصوص ويعتبرها وفق مذاقه الدرائي معتبرة غير مجعولة يصحّ الأخذ بها والبناء على مفادها، فكذلك قدامى الفقهاء كان منهجهم كما هو معلوم منهج الغربلة والتمحيص للنصوص، كما أكّد هو على ذلك، ومن ثمّ البناء على حجيّتها والعمل بمفادها.
الملاحظة الثانية: لقد أكّد الحيدري في بعض دروسه ومنها درس 528 من عملية الاستنباط الفقهي، وصرّح أنّ القدماء قد غربلوا النصوص، لكن هذا لا يعني خلوّها تماماً من الأحاديث الموضوعة.
وهذا الاعتراف منه لو تمعّن فيه الباحث وأنعم النظر في ملازماته فسوف لا يرتضي قول الحيدري الذاهب بتوسيع دائرة الوضع في أحاديثنا، بل إنّ التدقيق في تلميحاته سوف تقوده إلى أن يقلّص هذه الدائرة، باعتبار أنّ من يستعمل آلية الغربلة الدقيقة للأحاديث وينتهج الطريقة العلمية في تمحيص الموروث، فلا بدّ أن يقلّ وقوعه في المزالق الدرائية والأخطاء الانتقائية، لا أنّه يكثر تعثرّه وتعظم مطبّاته وتمرّ من يديه الآفات الوفيرة بسهولة.
إذن من هذا المنطلق لا نجد ما يبرّر الطعن بأغلب المرويات ما دام هناك آلية علمية وقواعد رصينة سار عليها قدامى فقهائنا ومنهجية غربلية تفرز الموروث الجيد من الرديء.
وما من ريب أنّ منهج القدماء كان يعتمد على الملاحظة والنظر والترجيح وجمع القرائن، ولذا تراهم لم ينسخوا كلّ روايات الأصول (الكتب الأربعمائة) في منابعهم ولم يضعوا كلّ أحاديثها في مؤلفاتهم الشخصية، وإنّما اختاروا منها، بحسب مبناهم وجهدهم، بعض ما يرونه، معتبراً وحجّة فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى كما أشاروا إلى ذلك في مقدّمة بعض جوامعهم.
وبطبيعة الحال هذا لا يعني عدم وقوعهم في بعض الحالات القلائل في الخطأ، كما أنّنا لا نبني على صحّة كلّ ما ورد في الكتب الأربعة والمصنفات المعتمدة، بل نعتقد أنّ الخطأ متوقع من غير المعصوم، وأنّ هذه المجاميع الحديثية، شكر الله سعي مؤلفيها، بحاجة لتنقية بعض موادّها وغربلة بعض بنودها وتصفية بعض موروثها، لا بالشكل المضخّم الذي يزعمه الحيدري.
والحقيقة أن معظم فقهائنا غير غافلين عن هذه النكتة، كما أن أغلب أهل الدراية والخبرة في علوم الحديث غير متهاونين في هذه الجزئية، فهم مدركون تماماً إلى صحة مقولة بعض الأبرار: كم ترك الأول للآخر.
الملاحظة الثالثة: لو تنزّلنا عمّا سبق بيانه وغضضنا النظر عن هنات المزاعم، فإنّنا نتساءل هنا من أين علم السيد الحيدري وأصرّ في أكثر من درس أنّ هذه الكتب الحديثية التي رآها يونس وتحدّث عنها المعصوم كانت من كتب الأصول الأربعمائة لا من غيرها من كتب الحديث؟
ففي أبعد الافتراضات وأقصى الاحتمالات كما يُحتمل أنّها من الأصول، يُحتمل أنّها من غيرها.
وعلى أيّ حال لا يوجد في البين قرينة ناهضة وحجّة مقنعة تشهد لكلامه وتؤكّد صحّة ما ذكره وتلزم خصمه بحيث لا يجد مفراً من الاعتراف والاذعان له.
على أنّه من الواضح أنّ متن الرواية اليونسية يتحدّث عن بعض كتب الحديث، ولم يعيّن لنا صنفها ولم يرشدنا إلى نوعها ومرتبتها.
هذا، ونحن لا ننكر أنّ هناك روايات عديدة في البحار لا قيمة لها في عالم المحاكمات الدرائية، لأنّها تعاني من ضعف سندي أو خدشة متنية، لكن هذا شيء والادّعاء بكون أغلب روايات كتاب البحار مجعولة شيء آخر.
ومن هنا فنحن لا نتفق مع السيد أنّ أغلبها موضوع، وكذلك لا نوافقه في منهجه الذي يعتمد أحياناً على معطيات لا علاقة لها بالموضوع ومن ثم ينتج قضية متهافتة وحكم غير مشروع.
وبالجملة: إنّ اتكاء السيد الحيدري على الرواية اليونسية للترويج لفكرته التي تطعن بأكثر مروياتنا، ليس في محله، بل لا يمكن الاعتماد على هذا النصّ اليونسي والتمسّك به في تقعيد أوجه فكرته وتوطيد أضلاعها.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
 


كافة التعليقات (عدد : 4)


• (1) - كتب : ابن شط العرب ، في 2021/02/17 .

العفو يا طيب واثابكم الله سبحانه أخي العزيز مصطفى الهادي

• (2) - كتب : مصطفى الهادي ، في 2021/01/01 .

الشكر الجزيل على بحثكم القيّم مولانا العزيز الحسيني واثابكم الله على ذلك / وأقول أن السيد الحيدري بعد ان فقد عصاه التي يتوكأ عليها وهم شلة من الشباب البحرينيين المؤمنين من الذين كان لهم الدور الفاعل في استخراج الروايات والأحاديث ووضعها بين يديه ، هؤلاء بعد أن تنبهوا إلى منهج السيد التسقيطي انفضوا من حوله، فبان عواره وانكشف جهله في كثير من الموارد. هؤلاء الفتية البحارنة الذي اسسوا نواة مكتبته وكذلك اسسوا برنامج مطارحات في العقيدة والذي من خلاله كانوا يرفدون السيد بمختلف انواع الروايات ووضع الاشارة لها في الجزء والصفحة. وعلى ما يبدو فإن الحيدري كان يؤسس من خلال هذه البرنامج لمشروع خطير بانت ملامحه فيما بعد.
أثابكم الله على ذلك


• (3) - كتب : ابن شط العرب ، في 2020/12/31 .

أحسن الله اليكم وجود أفكاركم سيدنا

• (4) - كتب : قنبر الموسوي ، في 2020/12/31 .

احسنتم واجدتم



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=151148
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 12 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 03 / 1