• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : أدب الفتوى .
                    • الموضوع : عريّس الشهادة .
                          • الكاتب : اسعد عبد الرضا الحلفي .

عريّس الشهادة

 استطلاع من قصص العقيدة والجهاد..

لشهيد زفوهُ للشهادة قبل موعد زفافه بثلاثة ايام..

كان الرعب قد احتل البيوت واستباحها كالطوفان الاسود حتى غطت سحابة الظلام مدن البلاد وبلغت القلوب الحناجر حيث يُنحر الطفل الرضيع أمام عيني أُمه، وتُغتصب النساء أمام عيني أزواجهن ، وتهدم بيوت الله بمسمع من المصلين وتُستباح الحرمات بمشهد من المؤمنين، حتى ذبحوا الانسانية وملأوا كؤوسهم وافواههم بفيض دمائها، كان ذلك يوم اقبلت عصابات الإجرام والعقيدة الباطلة الدموية وقد رفعوا فوق الرؤوس اعلامهم السوداء بسواد قلوبهم ..
وما يزال ذلك المشهد شاخصا في أذهان اهل العالم كله، عندما احتضن الجبناء -اصحاب المناصب- حقائبهم وازدحموا على ابواب المطارات وفرّ بعض القادة الأمنيين ولحقوا بهم جنودهم وولى الجمع الدبر  قبل أن يواجهوا تلك العصابات بحرب حقيقية!

في ذلك الوقت كان الرعب يسوق النفوس، والخوف يتملك القلوب، فسقطت تلك المدن بين أيدي تلك الشرذمة المجرمة دون قتال!

وبينما يشاهد العالم تلك الاحداث وهو يرتعد خوفا من أن يصحوا يوما وتلك العصابات قد توغلت في أوساط بلدانهم لهول ما يحصل وسرعة تطور الأحداث واذا بصوت النجف الاشرف يرتفع فوق منبر سيد الشهداء (عليه السلام) من كربلاء المقدسة في لحظةٍ لا أحد يجيد وصفها كما تصفها كريمة قوله تعالى : (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) .

هنا صُعق الاعداء وفزعوا عندما سمعوا نداء حكيم الطائفة وزعيمها ، ونبراس مجدها ومنار عزتها ، السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) وهو يصدح بفتوى الجهاد الكفائي من على منبر الجمعة في كربلاء، وما هي إلا كلمحٍ بالبصر بين اعلان الفتوى وانتهاء الخطبة حتى تدفقت سيول الأبطال من الرجال، تهدر كالأمواج، وتزأر كالأسود، يسألون عن مراكز التطوع للذهاب الى القتال، وتحول العراق الى عرس بطولي كبير اسمه عرس الجهاد.

حينها برهن الشيعة على قوة العقيدة التي يحملونها في قلوبهم ، وقطفوا ثمار ثورة سيد الشهداء الامام الحسين (ع) وأدركوا عظمة تلك المنابر التي أعدت أولئك الابطال لمثل هذا اليوم حتى سقوا بدمائهم سوح الجهاد ...

من هنا ندرك أهمية توثيق تفاصيل تلك الأحداث بدقة متناهية ونجهد أنفسنا في تدوين تاريخها لحظة بلحظة حتى لا نعطي أعداءنا فرصةً لتحريف تاريخ تلك الحقبة التي ستكون شمساً في سماء الأجيال القادمة، وهذا ما أكدت عليه مرجعيتنا الرشيدة في خطابها مرارا وتكرارا.

ومن قصص هذا العرس الجهادي العقائدي قصة الرائد (حيدر جاسم صالح) أحد ابطال مدينة البصرة الفيحاء ، فهلُمّ معي لنتعرف عليها...

"الشهيد في سطور"
ذات يوم رافقتُ وفد المرجعية العليا في الجنوب المكلف بزيارة عوائل الشهداء من قبل سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) لتفقد أحوالهم وتلبية حوائجهم ومعالجة مشاكلهم وايصال سلامه وتقديم هداياه ، ومن تلك العوائل التي تشرفنا بزيارتها كانت عائلة الشهيد (حيدر) وقبل أن نصل الى بيت الشهيد شاهدت صورته التي علقها أحبته في تلك المنطقة وقد كتبوا عليها ما يصف حجم إيمانهم بذلك الشهيد وعمق تفجعهم بفقده وعظيم افتخارهم به..
نقشوا عليها مشاعر قبل أن تكون كلمات ، كتبوا (البطل: حيدر جاسم صالح الخفاجي .. الاستشهاد: قاطع الخالدية 27-8-2016 ..... الشهيد ليس حكاية رجل يحمل على كتفيه الكفن، وليس قصة يحفظها التاريخ ويرويها الزمن، بل هو اسطورة رجل مات لكي يعيش الوطن)

كان الشهيد يسكن منزلا متواضعا بالرغم من رتبته العالية والتي كانت دليلا على عظم شرفه ونزاهته 
وكان في استقبالنا رجل يتكئ على عصاه، وكانت بسمته تزين محياه المشرق بنور الإيمان ، رحب بالقادمين برسالة صاحب الفتوى ترحيبا شائقا وحاراً ، وعرفت بعد ذلك انه والد الشهيد مع بعض اخوته وخاله .

حدّثنا والد الشهيد الذي ركب صهوة الموت الى جنة الخلد وكان الفخر يملأ كيانه، ويضفي على نبرة صوته شيئا من القوة والتحدي، ورغم أنه لم يستطع اخفاء ألمه وتفجعه فحرارةُ الفقد لم تزل تسعر في الصدور ، وحرقة الفراق ما فتئت تسجر في النفوس ، ولكنه أبى إلّا أن يعطر الأسماء بأريج حديثه عنه، حدق في الجانب البعيد من المكان وأخذ في حديثه عن أمنيات ولده: كان ولدي حيدر يقول دائما أعظم امنياتي أن أكون من انصار الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) .

"كان الشهيد صلب الايمان راسخ العقيدة"
ترى ما هو تأثير العقيدة في النفوس؟ وما هو تأثير محراب المسجد في تأجيج الهمم، وفعالية منبر الحسينية في ترسيخ الشجاعة، ودور كتاب العقيدة في تبيان الحق؟
كانت هذه التساؤلات تدور في خلدي وقد جلسنا مجتمعين نستمع لوالد الشهيد يتحدث عن فلذة كبده وهو يبتسم، نظرت حولي علّني احظى بجواب عن هذا السؤال، هنا وجدت مكتبة تحوي الكثير من الكتب، سألت أحد أقربائه الحاضرين لمن هذه المكتبة؟ فقال لي هذه المكتبة للشهيد حيث كان كثير القراءة !! 
دفعني  الفضول الى أن اتعرف على نوع تلك الكتب، فوجدت جلّها كتب عقائدية .

"وصية الشهيد"
اقبل علينا أحد أفراد عائلته وسلمني ورقة فنظرت فيها واذا بها كانت وصية الشهيد التي أمرهم أن لا يفتحوها الا بعد وفاته وكأنه كان خبيرا بموعد رحيله.
اخذت اقرأ تلك السطور التي خطها بأنامله النورانية حيث كانت كل كلمة منها تدلُ على عظمة تلك الروح التي كان يحملها وذلك الايمان الذي ملأ صدره .

"مضى شهيدا قبل موعد زواجه"
صدمنا والد الشهيد عندما قال قوموا معي حتى اُريكم شيئا .. فنهضنا وسار بنا إلى إحدى غرف البيت... ففتح بابها وكانت المفاجئة المفجعة التي تناثرت لها دموع الحاضرين ، حيث رأينا غرفة زواجه البيضاء الجميلة وفي أعلى السرير قد وضعت والدته صورته ببزته العسكرية .

وقف الجميع بصمت خاشع ودموعهم تتساقط كحبات المطر ، ومما زاد المشهد الما وحزنا عندما قطع والد الشهيد ذلك الصمت وتحدث بنبرة حزينة قائلا: إن والدته تأتي كل يوم لتنظف الغرفة ولا تقبل أن نرفع شيئا منها ، كانت امنيتها وامنيتي أن نزفه لعروسه .

نعم، كان الشهيد السعيد على موعد مع عروسه وزفافه قبل ثلاثة أيام فقط، إلّا أنهُ لم يكن مهتما لشيء كاهتمامه بواجبه المقدس في ساحات الجهاد، ويبدو أنه كان على موعد مع دماء الشهادة لا مع حناء الزفاف .....

يقول السيد ناظم عبد علي مسؤول فرع مؤسسة العين في قضاء أبي الخصيب: لقد سطر الشهيد حيدر جاسم أروع ملاحم البطولة والأيثار والمواقف النبيلة، فأصبح مصدر عز وفخر، لقد استشهد البطل حيدر جاسم يوم الأثنين بينما كان موعد زفافه يوم الخميس، حيث كان والده قد قام بتوزيع بطاقات الدعوة لحضور حفل الزفاف ولكن كان مقدرا له أن يُزف الى جنان الخلد ، كان لوالدة الشهيد موقف سيخلده التاريخ حيث ألحت على أن يُزف نعش ولدها كيوم عرسه ، وفعلا حصل كما ارادت ، حيث اوقدوا الشموع ورفعوا أواني الزينة ونثروا الحلوى .

وتابع قائلا بعد سؤاله عن دور المؤسسة تجاه الشهداء، لقد كان وما زال لمؤسسة العين دور كبير تجاه الشهداء بصنوفهم وانتماءاتهم كافة، وبتوجيه مؤكد من سماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) بادرت المؤسسة ومنذ انطلاق الفتوى المباركة باحتواء عوائل الشهداء واحتضان أيتامهم وتلبية احتياجاتهم ومما تتميز به المؤسسة أنها احتضنت جميع الشهداء ووثقتهم بأدق التفاصيل بما يحفظ حقوقهم دون تمييز. 

شهيد تزفهُ أمهُ
عندما رأيت غرفة زواجه وحزن والده بدأت ابحث عمن يروي لي شيئا عن والدته فحتما كان لها موقف مشرف وبالتحديد ساعة تشييعه عندها التقيت الشخص الذي قام بتجهيز مراسيم التشييع التي ارادتها امّ الشهيد وهو الدكتور عبد الحسن حبيب من قسم الثقافة والإعلام التابع لمسجد السيد الصافي الواقع في قضاء ابي الخصيب، سألته أن يروي لي ما يعرفه عن ذلك اليوم فقال: في يوم استشهاد الرائد (حيدر جاسم) اتصل بي اخوه وكان متألما جدا لوضع أمّ الشهيد أكثر من ألمه لشهادة اخيه، حيث كانت تنتظر عودته لتزفه الى عروسه فكانت والدته مذهولة بخبر استشهاده.

وتابع الدكتور عبد الحسن حديثه قائلاً: فأخبرني اخوه هكذا بالحرف الواحد (أمي تريد تزف أبنها لأن حسرة بقت بقلبها) .
واضاف الدكتور: اخوه أخبرني بذلك الإتصال حتى لو كان التشييع رمزيا بشكل زفة للشهيد، لأن الشهيد كان قد تعرض جسده لإصابات بليغة جدا بحيث لم يستطيعوا نقله إلى البصرة لذلك تم دفنه بالنجف الأشرف مباشرة دون أن تراه والدته.
وتابع قائلاً: عند ذلك اتصلت بجميع الأخوة الذين اعرفهم ممن أخذوا على عاتقهم الوقوف مع عوائل الشهداء وتبني تشييعهم بشكل يليق بأبطال سقوا الأرض بدمائهم الشريفة من أجل أن يحيا الوطن، وأبلغوني بأنهم في خدمة أمّ الشهيد وأنهم جميعهم أبناؤها، وفعلا ذهبنا لتشييع الشهيد وكان الأمر أشبه بالاستنفار وأخذنا تابوتا رمزيا وقمنا بمراسيم التشييع المهيب كما أرادت أمّ الشهيد ، وكان الموقف عظيما عندما وصلنا أمام باب البيت حيث خرجت أمّ الشهيد بكل رباطة جأش واستقبلت ولدها بالزغاريد وهي تنثر الحلوى (طشة) على التابوت كما تنثرها أمّ على رأس ولدها ليلة زفافه ، فكان المشهد مؤثرا جدا، لا نستطيع أن نصف ذلك الموقف ولا نستطيع أن نصف عظمة تلك الأم . 

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=156833
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 06 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 30