• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : نفائس العتبة العباسية المقدسة سيف السلطان جعفر خان زند (1199-1203)هـ (1785-1789)م .
                          • الكاتب : علي الصفار الكربلائي .

نفائس العتبة العباسية المقدسة سيف السلطان جعفر خان زند (1199-1203)هـ (1785-1789)م


 أشرنا في حلقات سابقة أن خزانات العتبة العباسية المقدسة تضمُّ آلافَ النفائس من المصاحف الشريفة والمخطوطات والمسكوكات والسجاد والمجوهرات الثمينة التي تزيِّن عمائمَ السلاطين والتروس والحراب والمدى مما يسحر الناظرين وتستوقف الباحثين.. وهذا الكم الهائل هو إرث كبير في تاريخ أمتنا الإسلامية وتنوعه، يقدم لنا نماذج تحكي لنا تلك الحقب التاريخية البعيدة منها والقريبة، ويعطينا صورة واضحة عن الفن والابداع لتلك الحضارات والدول التي تنتمي لها هذه القطع الفنية الفريدة.
ومما يجدر الإشارة إليه وهو بغاية الأهمية ما تضمه خزانة العتبة المقدسة من السيوف التي هي بالمئات، وقسم منها نادر في صناعته ونقوشه وتذهيبه وشكله، وعدد من هذه السيوف تعود لسلاطين وملوك وأمراء لهم وقعهم في التاريخ.
 ومن المؤكد أن وجود هذا الكم الهائل من السيوف عموماً وسيوف الملوك والسلاطين العثمانيين أو الزنديين أو القاجاريين أو أمراء الهند الاسلامية وغيرهم دليل على مكانة أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب (ع) في نفوس القادة والأمراء من الشرق والغرب وعلى اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، إلا أنهم يتوحدون في رؤية واحدة وهي أن أبا الفضل العباس (ع) هو بطل الطف، وكبش الكتيبة، والأخ المدافع عن أخيه، والباذل نفسه، والمؤاخي والمواسي والحامي.. لذا نراهم رغم سلطتهم واتساع حكمهم وسطوتهم يتصاغرون أمام عظمة قمر العشيرة، ويخنعون على أعتاب أبوابه، ويضعون سيوفهم التي هي رمز قوتهم وشجاعتهم وفخرهم، وما سطرت من انتصاراتهم بين يدي المحامي الناصر العباس بن علي (ع).
ومن السيوف المميزة جداً في خزانة العتبة المقدسة - وهو مما اخترناه ليعرض في متحف الكفيل - سيف السلطان جعفر خان زند وهو السلطان السابع للدولة الزندية التي حكمت بعد نادر شاه، وانتهى حكمها بتربع (آل قاجار) على كرسي السلطة في المشرق، ولمعرفة الأثر لابد لنا من معرفة المؤثر نفسه، فبالرغم من كون السيف - مدار البحث - تحفة فنية في صناعته وتكفيته بالذهب وما نقش عليه من كتابات، بل حتى نوع الصلب الذي صنع منه، لابد لنا أن نسلط الضوء على صاحبه السلطان جعفر وعائلته الحاكمة، ومدى نفوذها وأي البلاد حكمت، حتى نُعلم القارئ أن الذي أهدى هذه التحفة الفنية هو على قدر كبير من الأهمية، وله ولأسرته وقع في التاريخ، وحكم يمتد من سنة (1160هـ وحتى سنة 1209هـ) شمل إيران برمتها الى حدود الهند من جهة، والى تخوم الدولة العثمانية من جهة أخرى، وصولا الى الخليج وعمان والبحرين بل البصرة وبغداد احياناً..
ولمعرفة ذلك، لابد لنا من المرور ولو مر الكلام على تلك الفترة، وكيفية وصول قبائل الزند الكردية الفيلية الى سدة الحكم.
كيفية وصول قبيلة الزند الكردية الفيلية الى سدة الحكم:
ولمعرفة ذلك، لابد لنا أن نعرف الأحداث التي عصفت بالمشرق عموماً، وبايران خصوصا في تلك الفترة، وتحديداً من نهاية الدولة الصفوية الى بداية الهيمنة للزند بوجود زعيمها محمد كريم خان زند.
الدولة الزندية (1173-1209):
الزند قبيلة تنتمي الى عشيرة الـ(لك) وهم من الكورد الفيلية ومن قبائل اللور تحديداً.
واللور: جزء من الشريحة الفيلية، يقطنون المنطقة الواقعة ما بين اصفهان الى خوزستان، وتسمى منطقتهم هذه بـ(لورستان). أما قبيلة الزند فكانت تسكن مدينة (لك)، ثم سكن الزند مدينة (ملاير) بأمر نادر شاه، ثم قام بتهجيرهم الى خراسان، ولم يعودوا الى مناطقهم في الجنوب إلا بعد مقتل نادر شاه سنة (1160هـ)، فعاد بهم زعيمهم ومؤسس دولتهم (كريم خان زند)، ثم اتخذ من شيراز عاصمة لحكمه.. ويمتاز أفراد قبيلة الزند بالشجاعة، وقد تألف جيش الدولة الزندية من أفراد الزند غالبا.
محمد كريم خان زند مؤسس الدولة الزندية:
 وهو أحد قادة نادر شاه الافشاري، وبعد مقتل نادر شاه عمت الفوضى والاضطرابات جميع المناطق والاقاليم الايرانية، بالاضافة الى سواحل وجزر الجنوب الايراني المطلة على الخليج العربي، فقام كريم خان زند وبحجة اعادة الحكم للأسرة الصفوية بجمع عدد من القادة حوله تحت هذه الدعوة، وقد عين سليمان الثاني الصفوي حاكما صورياً، ثم قام بعزله تحت ذريعة عدم وجود فرد من الاسرة الصفوية يليق بالحكم، وتربع على عرش السلطة (1173هـ).
وكان سياسياً محنكاً، وقائداً فذاً، أبقى معارضيه من الحكام والأكابر على مناصبهم، وكان حميد السيرة، شجاعا متواضعا، ولم يقبل لقب ملك او سلطان، وسمى نفسه (وكيل الرعايا)، واتخذ من شيراز عاصمة لحكمه، وقام باعمارها واعاد مجدها، وسيطرت الدولة الزندية ايامه على جميع اقاليم ايران، وتعدت ذلك الى عمان والبحرين.. ونشطت التجارة مع الهند وتوفي سنة(1193هـ) تاركاً دولة كبيرة مترامية الأطراف، وهي في اوج ازدهارها.

علي الخباز, [١٩.٠٧.٢١ ١٣:٣٩]
واستمر حكم الزند حتى سنة(1209هـ) حيث انتهى بقتل آخر السلاطين الزنديين لطف علي خان في مذبحة كبرى للزند في كرمان على يد أشد أعدائهم محمد خان قاجار.
وهنا نلاحظ ان الفترة ما بين (1193-1209) هـ هي فترة تقاسم للحكم ما بين الزند والقاجار، فقد أعلن محمد خان قاجار نفسه سلطانا سنة(1193هـ) في حين لم يتسن له القضاء على خصومه الزنديين إلا في مذبحة كرمان سنة(1209هـ).
السلطان جعفر خان زند:
وهو جعفر خان زند بن صادق خان زند قام بالأمر بعد مقتل أبيه صادق خان زند أخو مؤسس دولتهم محمد كريم خان، أي ان السلطان جعفر هو ابن اخي مؤسس الدولة الزندية، وقد حكم (1199-1203)هـ الموافق (1785-1789)م، وكان عصره عصر حروب ونزاع، بعد أن ظهر اقا محمد خان قاجار في عهد أبيه، فاستلم هو التركة بعد مقتل والده، وكان رجلاً عسكرياً، جرت له عدة حروب مع أغا محمد خان قاجار، وهزمه جعفر مرات عديدة، واراد محمد خان استئصال جعفر خان سنة(1202ه)، ولكنه عاد خائبا بسبب تحصن جعفر خان زند بقلعة شيراز، وقتل جعفر أخيرا.. والبعض اشار انه سمم بمؤامرة اشترك بها مقربون منه سنة (1203)هـ الموافق (1789)م.
سيف السلطان جعفر خان زند الموقوف بحضرة العباس (ع)
لانعلم بالتحديد كيفية وصول هذا السيف الى روضة جناب الأقدس العباس بن علي (ع) هل أهداه السلطان ليصل بواسطة وزرائه أو قادته الى مرقد ابي الفضل (ع) أم انه زار المرقد وقام بوقف السيف شخصيا؟ ومتى كان ذلك؟ وللأسف لم تتوفر لدينا الوثائق التاريخية حتى كتابة هذه السطور.. لعل سرقة او اخفاء الوثائق الخاصة بالعتبة المقدسة من قبل الحكم البائد هو السبب في فقدان هذه المعلومات القيمة.
الوصف العام لهذا السيف:
يتألف كل سيف عموماً من النصل والمقبض، اضافة للواحق الأخرى كالحامل والغمد وما الى ذلك.
أما النصل: (وهو حديدة السيف بكاملها عدا المقبض، ويكون من الفولاذ الصلب أو الحديد الجيد العهد).
فأجزاؤه: الذؤابة والمضرب والشفرة (الغرار) والكَل (وهو قفا السيف) والسنخ (وهو جزء النصل الداخل في المقبض).
وأما المقبض فيتألف من القائم، وهو مقبض كف الضارب بالسيف، والواقية (وفيها تفصيل) والقبيعة.
والسيف - مدار البحث - يبلغ طوله متراً واحداً ونصف السنتيمتر.
وهذا هو طول السيف بكامله (النصل+المقبض).
نصل هذا السيف: يمتاز نصل هذا السيف بفن صناعته، وطوله، وعرض صفحته، وشكل ضاربه المميز، وكذلك شكل ذؤابته، وعلى أحد خديه طرَر جميلة فيها كتابات مكفّتة بالذهب، وهو ذو مواصفات عالية جدا سنبين بعضها:
•  طول النصل وتقوّسه: يبلغ طول النصل لوحده(87سم).
والنصل مقوّس بشكل جميل، يبلغ التقوّس من قفا السيف الى الخط المستقيم المفروض من الذؤابة حتى شارب المقبض (8،8)سم، أما اذا حسبنا التقوس من الغرار (الشفرة) فسيكون بمقدار (12،3)سم.
•  حديد النصل: من الصلب الجيد (الجواهر)، ذي السقي الحرفي العالي، والصهر والطرق الممتاز، ومن النظر في خدي السيف، نعرف انه عمل يدوي بيد محترف في الصنعة، خبير بأسرارها، يظهر ذلك من توزيع عروق الحديد بشكل يلفت الانتباه على النصل بنسب عالية الدقة، وهذا لا يكون إلا باختيار سبيكة الصلب من نوع خاص، وهو ما يُعرف بـ(الجوهر)، وتُحمى وتُطرق مرارا على يد ماهر في الصنعة، وتعالج أثناء طرقها بمواد خاصة نباتية وحيوانية ومعدنية لها أسرارها عند ذوي الاختصاص والخبرة في هذه الصناعة، وتُسقى بمواد خاصة وبخبرة عالية بحيث يكون غرار السيف صلبا قاطعا، ويكون كَل السيف (وهو قفاه) مرناً، وبهذا يكون السيف قاطعا جدا، لكنه لا ينكسر بسبب قفاه المرن الساند للشفرة.

علي الخباز, [١٩.٠٧.٢١ ١٣:٣٩]
المواصفاتُ الأخرى لنصل السيف:
يبلغ سمك كل السيف (الكَل: قفا السيف المقابل للشفرة) (0،7)سم، أما معدل عرض النصل فيبلغ (3،5)سم ويكون مميزاً عند المضرب، حيث يصل الى (4،1)سم. أما ذؤابة هذا السيف فتمتاز بشكلها الجميل المثلث الذي يكون رأسه مقدمة النصل وهي حادة الجانبين.
الطُرَر المنقوشة المذهبة:
وهنالك خمس طُرَر منقوشة بنقوش بارزة، فيها كتابات وتواريخ، وكلها مكفتة (محلاة) بالذهب، وقد تضرر الذهب في أجزاء منها، وهذه الطُرَر منقوشة على إحدى صفحات هذا السيف الجميل.
الأولى: وهي الأقرب للمقبض، وشكلها ثماني ذو رؤوس جميلة مذهّبة، كُتب وسطها (صانعه بشيراز سنة 126).
ونحن نرجح أن المقصود سنة(1126)؛ لأنه غالبا ما يترك الرقم الأول من اليسار عند التزاحم.
الثانية: وهي التي تليها وهي طُرّة مزهّرة جميلة، كُتب وسطها وقفية السيف لحضرة العباس (وقف حضرة عباس نمود خان الله ابن أقاخان)، وهاتان الطرّتان تختلفان عملاً وتذهيباً عن الثلاث التي تليهما.
الثالثة: وهي ثُمانية الرؤوس دقيقة النقش والكتابة والتذهيب، كُتب وسطها (السلطان جعفر خان زند).
الرابعة: كسابقتها عملاً وتذهيباً، وداخلها اسم الصانع ونصه (عمل اسد الله الاصفهاني 1174).
الخامسة: وهي الأبعد عن المقبض ثُمانية الرؤوس، كتب وسطها بالفارسية (شاه ولايت عباد بن بنده).
ومن خلال معاينة هذه الطرر والتواريخ المختلفة التي بداخلها بالاضافة الى طريقة تذهيبها، نعرف انها عُملت بأكثر من يد، ونحن نرجح أن صناعة السيف تمّت على يد صانع بارع مشهور، وان بعض الطُرَر قد عملت على يد صانع آخر متفنّن في الصنعة، خبير بها، ولكن بفترة اخرى.
أما المقبض:
فطوله (13،5)سم، وقائمه (مقبض كف الضارب بالسيف) مصنوع من الخشب الأبيض، وشريط الحديد على جانبي القائم مُحلّى بالذهب، ويضم من جهة رسوم نباتية مذهّبة، فيما يضمّ الجانب الآخر صورة أسد يلاحق غزالتين والكل مذهب.
أما الواقية فهي مصنوعة من الحديد المحلى برسوم زهرية جميلة جداً، ذات تقسيمات في غاية الابداع والروعة، والجميع من الذهب، والشاربان معقوفان الى الأعلى، وهما أشبه برأس التنين في كل واحد منهما عدة ثقوب، وهي مما يُستعمل في وضع الشرائط أو الزينة أو ما شابه ذلك من خلالها.
وعلى العموم، فهذا السيف يمتاز بنصله المصنوع من الحديد الصلب (الجوهر)، وبفن صناعته، وطوله، وعرض خده، وتميز مضربه، وشكل ذؤابته، وسمك متنه (قفاه)، وجودة صناعته.. كما ويمتاز مقبضه بجماله، ودقة صناعة واقيته، وطريقة رسمها وتذهيبها.. وبلاشك أن غمد هذا السيف كان جميلاً جداً وللأسف لم نعثر عليه، ولا ندري هل هو مما سرق؟ أو مما طالته يد الاهمال فتلف؟
وبهذا فان العتبة العباسية المقدسة تضم في خزانتها وتعرض في متحفها سيفا لأحد أكبر سلاطين الزند، وهذا السيف مميز جدا وفريد في شكله وصنعه، فهو تحفة فنية اضافة لكونها رمزاً للقوة والشجاعة، حطت رحالها، وأناخت بركب تاريخها عند بطل الطف أبي الفضل العباس (ع).




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=158279
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 16