• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الشهيد الصدر قدس سره .. رسالة التغيير إلى العالم .
                          • الكاتب : كاظم الحسيني الذبحاوي .

الشهيد الصدر قدس سره .. رسالة التغيير إلى العالم

حقيقة تتلوها حقائق ..
●لم يكن المفكر الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره شخصاً معارضاً لسلطة البعث،حاله في ذلك حال بقية المعارضين ،
أو كان يلهث وراء دنيا خسيسة ؛بل  هو رسالة تغيير إلى العالم كتبت في العراق
قبل حكم البعث في العام 1957،
قرأها الشعب الإيراني ،
ولم يقرأها الشعب العراقي !
● الشهيد الصدر وأخته العلوية الشهيدة في الأمة كناقة صالح وفصيلها في أهل ثمود !
● يا أهل هذا العالم المضطرب :إنّ التغيير الذي وقع في العراق في العام  2003  لم يكن هو التغيير كان يلوح إليه السيد الشهيد والثلة المؤمنة معه، الذي المنشود عملاً بقوله تعالى :( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً) [الجن : 16] !
● إنّ الثأر لدماء الصدر لا يتحقق بملاحقة القتلة قانوناً فحسب ؛ وإنما بمتابعة ومراقبة تطبيق فكر الشهيد على أرض الواقع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحاور التي يمكن أنْ تُشكّل بمجموعها دراسةً عن شخصية المفكر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيد محمّد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه،محاور كثيرة لا تسعها هذه الوجيزة .
ولكن يمكننا الإشارة إلى بعض هذه المحاور .
لعل أهم ما يواجه المسلمون في شتى عصورهم هو مشكلة تحريف المفاهيم التي تشكل بمجموعها ثقافتهم التي يعبث بها أصحاب المصالح الكبيرة تحت واجهات إسلامية . وقد تحدث القرآن عن هذه الظاهرة في العديد من آياته ، كقوله تعالى : (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة : 75] .
لقد انتشر بين أوساط المسلمين في بلدانهم ،وفي العراق على وجه الخصوص، اعتقادٌ خاطئ نَجـَمَ عن تعريفٍ منحرفٍ لمفهوم الدين ،وكذا التحريف المنحرف لوظيفة رجل الدين، وضعته الحكومات ويقوم على فكرة أنّ الإسلام لا يعدو كونه طقوساً فارغة من أي محتوى، يمارسها الناس في أوقات معروفة وفي أمكان مخصوصة أسموها دور العبادة، فانحصر الإسلام في زوايا ضيقة تظهر على شكل عبارات باهتة على الصفحات الداخلية للجرائد ، أو في أجهزة التلفاز تحت مسمى الفترات الدينية، حتى يُوحى للناس أن يعرفوا أنهم أعداءٌ للدين ؛ إلاّ فيما يقرره الحاكم الكافر ، الذي يتهمهم بالمروق عن الإسلام .
 وقد استثمرت (بريطانيا العظمى) هذا التحريف المفاهيمي لصالحها فاشترطت على علماء الدين وتابعيهم من الرجال الذين قادوا المعارك إبان ثورتي الشعيبة والعشرين،الذين خسروا الجولة معها، أن ينصرفوا لتعليم طلبتهم مسائل الشريعة دون الخوض في مسائل سياسية . بعد هذا ساد جوٌّ من الانكفاء والهزيمة ، حتى آلت الأمور إلى التصريح بحرمة العمل السياسي داخل العراق، وصار رجل الدين يتلقى الاتهامات والشكوك إذا سمعه الناس يتحدث عن السياسة .
ونحن لسنا بصدد تقييم تلك المرحلة والنظر إلى تلك الأجواء السياسية الخانقة وما آلت إليه من تداعيات أظهرتها الانقلابات العسكرية المتعاقبة في العراق، لكننا بصدد القول بأن السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه قدّر أن يقتحم هذا المشهد المزدان بالفوضى والإرهاب الفكري الذي يتبناه المجتمع العراقي برمته جهلاَ وتغييباً عن حقائق التاريخ ،ولكن بطريقة أخرى تستند إلى فهم جديد للقرآن لم تألفه الساحة الإسلامية من قبل ، يهدف إلى هدم الركام التفسيري الذي ورثه المسلمون عن (النظرة المدرسية) لآيات الكتاب العظيم واستقر في أذهانهم فكراً أوحداً لا معارض له من جنسه، وإحلال فهم صحيح للقرآن يقوم على فكرة أنّ الله تعالى استعمر الإنسان في هذه الأرض وجعله خليفته واسجد له ملائكته ،وهذا يحتم عليه أن يضطلع بشؤون العباد والمعاد في آن واحد . قال تعالى :(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [هود : 61].
الشهيد الصدر خاض معركة ؛بل معارك متنوعة وشرسة مع عدة جهات في آن واحد ، لم يُكتب فيها النصر للعراق ، إلى أن جاءت سلطة البعث وصدام فحكمت بتصفيته جسدياً هو والثلة المؤمنة معه في وسط اتسم بالسكوت على هذه الجريمة الكبرى ،حتى صار الذي يظهر إسلامه بنحو أو آخر هو من حزب الدعوة ،ولا فرق في ذلك بين السني وبين الشيعي !
من هذا نفهم أن مشروع السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه كان مشروعاً تغييراً يهدف إلى إحياء المفاهيم التي أماتها الظالمون الذين افسدوا عقائد الناس بان اقتصر تعريفهم لرجل الدين حسب النظرة الأحادية المعروفة للجميع ،فتحولت مشاعر المسلمين في شتى بلدانهم إلى الحكام الظلمة على أنهم خلفاء الحق تعالى .ولهذا تكون المعركة التي خاضها السيد الصدر رضوان الله تعالى عليه من أصعب المعارك في عصرنا الراهن ، إن لم تكن هي أصعبها على الإطلاق .
لقد واجه السيد الصدر خذلاناَ من المجتمع الذي أدعت السلطة البعثية أنها تمثل طموحاته وآماله وتسعى إلى تحقيقها ،ولهذا فأن الإرهاب الذي مورس ضد قادة الحركة الإسلامية في العراق إنما كانت يُمارس تحت هذا العنوان المخادع الذي كان يلقى استجابة عريضة من لدن الجماهير نتيجة التخويف والإرهاب المنظم الذي كانت السلطة البعثية تغدقه بسخاء على المجتمع العراقي وينصبغ بصبغة دينية انطلت على الملايين. ولهذا فإنّ البعض من المحللين ينحون باللائمة الشديدة على المرجعية العليا ويعتبرون موقفها الظاهر موقفاً لا تُحسد عليه تجاه ما تعرضت له الحركة الإسلامية في  العراق. لكنّ المتأمل لأوضاع العراق في تلكم الحقبة العصيبة وما عاشته المرجعية العليا يجد قصوراً واضحاً يعتري هذا التصور الأحادي الجانب ،ولاسيما بعد النظر إلى الفروقات الجوهرية في البنية الاجتماعية العراقية ،وتأثيراتها الحقيقية على المشاريع التغييرية التي ينهض بها قادة المجتمع بين فترة وأخرى ،وعلى رأسها المشروع التغييري الذي نهض به سماحة السيد الصدر قدس سره الشريف . أضف إلى ذلك أنّ المشروع المعادي كان ينتظر أن تقتحم بقية الرموز مشهد الصراع لسحقها وإعدام ومسخ ما تبقى من تراث الإسلام في العراق .
إنّ تركيبة المجتمع العراقي تجعل منه مجتمعاً سهلاً لسيطرة الطواغيت ولذا نجد صعوبة تحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي طوال تاريخ العراق ،ولهذا فإني أظن أن السلطة البعثية عرفت جيداً هذه المعادلة فتعاملت معها تعاملاً أدى إلى طول فترة معاناة الشعب العراقي بزجه بأزمات وحروب متنوعة يصعب على أية حكومة تأتي أن توقف هذا النزيف المتدفق من الآلام والرزايا والخطوب .
رحم الله الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر وأخته العلوية الفاضلة آمنة الصدر والثلة المؤمنة من الشهداء والمخلصين الذين بذلوا مُهَجهم دونه فداءاً لإسلامهم العزيز .


كافة التعليقات (عدد : 2)


• (1) - كتب : ع . الحسيني ، في 2016/05/03 .

ذكريات عن السید الشهید محمد باقر الصدر لعلها تنفع البعض ممن تصدى للمسؤولية ممن قتلوه فكرا , ولعمري فهو أشد ايلاما للشهيد الصدر من القتل جسدا ...

التطلع للآخرة...
1. لم يتزوّج إلّا بعد أن حصل علی مقدار معيّن من المال إثر بيعه كتابي (فلسفتنا) و(اقتصادنا) فتزوّج من هذا المبلغ.

2. في أول أيام زواجه ـ أي في "شهر العسل" كما يقال ـ كان يكتب المواضيع الرئيسيّة لكتاب (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، وعندما قالت له زوجته: «حتّی في هذه الأيّام تكتب»؟! أجاب والابتسامة علی شفتيه: «إنّني لا أستطيع ترك الكتابة في كلّ الأوقات، السعيدة منها والحزينة».
3. بعد زواجه وجدت زوجته أنّه لا يمتلك إلّا قاطاً واحداً فقط (أي صاية وحيدة) فسألته: «أين ملابسك الأخری»؟! فضحكت أمّه وقالت له: «ألم أقل لك إنّ زوجتك سوف تتعجّب من قلّة ما تملكه من ملابس»؟!.
4. كان يعيش في زهد تام ويقول: «لا بدّ أن تكون حياة وعيشة المرجع مثل عيشة أحد طلّاب الحوزة»، فهو لم يضف أو يشترِ شيئاً جديداً بعد ظهور مرجعيّته وتقليد الكثير من الناس له وبقي البيت علی ما هو عليه من قبل.
5_ نادراً ما كان يخيط ملابس أو يشتري، وكان يكتفي بأقلّ شيء ويقول: «عجباً! كم جسداً لي حتّی أخيط وأشتري ملابس متعدّدة».
6. بعد ما حصلتُ زوحته علی مبلغ من المال من الهدايا التي قدّمت لها بمناسبة الزواج اشترت ثلّاجة ومبرّدة هواء وبوفيه، لأن هذه الأشياء لم تكن موجودة في بيت السيّد.
7. كان يعطي بناته في أوقات المدرسة يوميّاً 50 فلساً (درهماً واحداً) حتّی يشترين ما يردنه هناك. وفي موسم الموز أخذت المدرسة تبيعه بسعر 60 فلساً للموزة الواحدة، فطلبت بناته منه أن يزيد لهنّ اليوميّة 10 فلوس ليتسنّي لهنّ شراء موزة واحدة، فأجابهنّ: «ليس عندي مانع أن أعطيكم، ولكن أسألكم: هل كلّ البنات في المدرسة يشترين الموز»؟! فأجين: «لا، ليس كلّ البنات يستطعن ذلك، وأمّا من يشتري الموز فهنّ الأقلّ»، فقال السيّد: «إذاً كنّ مثل أكثر البنات العاديّات لا مثل أقليّة البنات».
8. أهدی له أحد محبّيه (من بيت عطية) سيّارة، لكنّه لم يركبها ولا لمرّة واحدة، وأمر ببيعها وتوزيع مالها بين الطلبة ولم يأخذ من مالها لنفسه أو لعائلته إلّا جزءاً بسيطاً فقط.
9. ومن زهده وإعراضه عن الدنيا ومغرياتها أنّه عُرض بيت قريب لبيت السيّد للبيع فسمع بذلك أحد محبّي السيّد الشهيد، فقدِم إليه وقال له: «إنّي أريد أن أشتري هذا البيت لكم لأنّ بينكم بيت إيجاز وهو قديم»، فلم يقبل السيّد وقال له: «إنّي لست بحاجة إلی بيت ملك ولكنّ الطلبة بحاجة إلی ذلك»، فصحبه السيّد إلی شارع الإمام زين العابدين (ع) _أي بجوار الحرم الشريف_ واشتروا هناك قطعة أرض خصّصها السيّد إلی الطلبة وكان يريد أن يبنيها شققاً لطلّاب الحوزة ولكنّ الوقت لم يساعده واستشهد قبل أن يحقّق فكرته.
10. عندما كان يهديه البعض ملابس أو أشياء خاصّة له كان يتقبّلها ويشكرهم ثم يعطيها إلی طلبته المحتاجين ولم يكن يستفيد من الهدايا لا تكبّراً ولا عزةً بنفسه ولكن زهداً وإعراضاً عن الدنيا.
11. كان أكله في أكثر الأحيان بسيطاً وعاديّاً، أوّلاً لزهده، وثانياً ليكون مساوياً لعامّة الناس في مستوی ونوع أكله. أمّا في آخر عمره الشريف فقد كان يتبع حمية غذائيّة لأجل ارتفاع ضغط دمه وقد ضعف كثيراً قبل استشهاده.

تجليات القلب
12. كان في البيت في غاية الرحمة ومنتهی العطف، فقد كان مع أمّه الولدَ البار ومع أخته الأخ الصديق ومع زوجته الزوج المحبّ ومع أولاده الأب الرحوم.
وقد كان مع أمّه مصداقاً للولد البار المطيع لها إلی آخر يوم من حياته الشريفة، وكان يسألها إذا عزم علی أمر معيّن هل تقبل أن ينجزه أو لا تقبل؟! ومهما كان جوابها كان يعطيه. وكان يجالس أخته ويراجع معها ما تكتبه ويجيبها ويعينها علی كلّ ما تحتاج إليه ويعطي من وقته ساعات لها، فكان بحق الأخ الرفيق والشفيق والمعين في الوقت نفسه.
وكان كثيراً ما يقول لزوجته: «أرجو منك أن تقدّري ظروفي وكثرة مشاغلي، وأن تسامحيني إذا قصّرت بأمر معيّن».
وأمّا عن أولاده، فقد كان شديد التعلّق بهم وحريصاً عليهم ومتعاطفاً معهم:
فعندما يمرض أحدهم كان السيّد الشهيد عند دخوله المنزل وقبل أن يغيّر ملابسه يذهب إلی قربه ويسأل عن حاله ويطمئن عن صحّته ويضع يده الشريفة علی رأس المريض ويقرأ سورة الفاتحة بنيّة الشفاء.
وكان يعاملهم مثل الكبار ويتفاهم معهم ولا يجبرهم علی أمر ويتكلّم معهم كلّما سنح أو سمح له الوقت.
وكان يقول لزوجته:« إنّي أری أولادي أقلّ ممّا ترينهم، إنّني ولأجل ذلك لا أريد أن تذكري لي إذا ارتكبوا خطأً معيّناً حتّی أؤنّبهم، لا أحبّ أن يذكر أولادي أنّي أتّبتهم أو عاقبتم»، أريد أن أتحدث معهم وألاطفهم ولا يعكّر ذلك شيء حتّی لا يذكروا منّي إلّا كلّ ما يحبّونه ويعتزّوا به، ومسؤولية تربية الأطفال علی عاتقي.
13. إحدی بناته كانت ضعيفة في مادّة الرياضيات فأخذ السيّد مع كلّ مشاغله ومسؤولياته يدرّسها ويراجع معها ذلك حتّی تيقّن أنّها استوعبت المادّة جيّداً.
14. وكان أبناؤه يفرحون ويشعرون براحة كبيرة كلّما رجع السيّد الشهيد إلی المنزل وكأنّهم كانوا يشعرون بصعوبة الظروف وأنّ كلّ يوم يرجع فيه السيّد بسلامة فهو غنيمة ونعمة عظيمة.
وعندما كان يكتب في غرفة (الجلوس) التي تجتمع فيها الأسرة حتّی يكون بين أهله وأبنائه، فلو أرادت إسكات الأطفال أو طلبت منهم ترك الغرفة كان يقول لزوجته: «دعيهم، إنّ أصواتهم لا تزعجني ولا تؤثّر علی كتابتي».
15. لم يكن مستبدّاً في الرأي أو متعجرفاً، بل بخلاف ذلك تماماً فقد كان يأخذ آراء الجميع في أمور المنزل ويستمع إلی وجهات نظر الجميع، وعندما يقع حادثٌ أو يأتي مسؤول من الدولة أو تمرّ علی العائلة مشكلة كان السيّد يجمع الأسرة كلّها من الكبار إلی الصغار وينقل لهم ولو بشكل مبسّط ما جری ويوضح لهم الحال لكي يكونوا علی علم بما يجزي.
16. أمّا عن علاقته بأخيه، فلم تكن علاقة عادية ولم تكن تجمعهما علاقة الأخوّة فقط، بل كانت أخويّة وروحيّة وعاطفيّة وعلميّة، فقد كان السيّد الشهيد يحبّ أخاه كثيراً وكان ينظر إليه نظرة الأخ الصغير إلی أخيه الكبير والوالد إلی والده والتلميذ إلی أستاذه.
وكان يقول عن أخيه: «رافقته أكثر من ثلاثين سنة كما يرافق الابن أباه والتلميذ أستاذه والأخ أخاه في النسب وأخاه في الآمال والآلام في العلم والسلوك فلم أزدد إلّا إيماناً بنفسه الكبيرة وقلبه العظيم الذي وسع الناس بحبّه ولكنّه لم يستطع أن يسع الهموم الكبيرة التي كان يعيشها من أجل دينه وعقيدته ورسالته، فأسكتت هذا القلب الكبير في وقت مبكّر».
وكذلك مع أولاد أخيه فكان يحنو عليهم ويهتم بأمورهم ويسعی إلی مساعدتهم ومشاركته معهم في شؤون حياتهم.

سمة العلماء
17. كانت تتورّم أصابعه من كثرة الكتابة _وخاصة أصابع يده اليسری لأنّه كان يسراويّاً_ فتصنع له زوجته عجينة وتلفها علی أصابعه، ولكن هذا لا يؤثّر عليه ولا علی استمرار كتابته.
18. كان السيّد الشهيد مثابراً علی دروسه وعلی كتابته ومباحثاته دائماً. وكان يذهب إلی بيت السيّد الخوئي للمبا حثة هناك. وفي إحدی الليالي كان الجوّ بارداً والسيّد مريضاَ فطلبت منه زوجته عدم الذهاب إلی المباحثة لأنّ حالته لا تسمح له بذلك وسوف يشتدّ مرضه إذا ذهب، فقال لها:
«أعطني القرآن لأستخير فناولته القرآن فخرجت الآية: (إذْ رَأَي نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَی النَّارِ هُدَّی) (طه: 10)، فقال لها: «أذهب الآن أو لا أذهب»؟! فأجابته: «اذهب في أمان الله وحفظه».

شبيه الأنبياء
19. كان الشهيد الصدر علی اتّفاق أهله وأصحابه وطلبته وكلّ من رآه فريداً في أخلاقه وتواضعه وتعامله مع جميه الناس..
فكان يملك صفات وخصائص ومميّزات قلّ نظيرها ولا تجدها إلّا عند الأنبياء والأئمّة.
20. كان يهتمّ بالجيل الناشئ وبالشباب المثقّف ويتبادل الأحاديث الدينيّة والإجتماعية معهم.
21. ينقل عنه أحد الشيوخ (مهدي الحيدري) أنّه عندما كان صغيراً كان معه مجموعة من الأولاد وهم مجتمعون بالقرب من حرم أمير المؤمنين عليه السلام للمذاكرة لقرب موعد الامتحانات، وعندما قدم السيّد الشهيد إلی الحرم العلوي الطاهر لأجل صلاة الفجر طلب منه أن يجيبه عن مسألة معيّنة فاعتذر السيّد بلطف وقال: «إنّ وقت الصلاة في آخره ولا أستطيع البقاء معكم والإجابة عن سؤالكم»، ولكنّه في اليوم التالي أتی مبكّراً وقال لنا: «أتيتُ مبكّراً لأجيب عن أسئلتكم» وفرشنا له وجلس معنا.
22. مع ما وصل إليه من مقام ومنزلة، كان متواضعاً ولا يقبل أن يمدحه أو يطري عليه أحد، فكان لا يقبل أن تضاف قبل اسمه ألقاب أو صفات فيقول لطلبته وحتّی أولاده إذا أرادوا أن يكتبوا اسمهم: «فقط اكتبوا السيّد محمّد باقر الصدر».
23. قد عثر أحدُ أصحابه علی حديثٍ عن النبي يصف آخر الزمان وصعوبته وأحوال الناس فيه ومنه أنّه يخرج من ولد النبي صلوات الله وسلامه عليه رجلٌ يبقر العلم بقراً وأنّ أصحابه سوف يرون من الظلم والاضطهاد الشيء الكثير ويصفهم مثل الغيوم المتفرّقة في فصل الخريف فلم يكن يرغب بنشر هذه الرواية أو التحقّق فيها تواضعاً منه.
24. في أيّام الحجز الذي دام حوالي تسعة أشهر أو أقلّ ومع شدّة الظروف والخوف والقلق النفسي إلّا أنّ السيّد الشهيد كان قويّ الإيمان ثابت العزيمة شديد التوكّل والتسليم لله عزّ وجلّ. كان يجالس أهله ويلاطفهم ويخفّف عمّا فيهم ويتكلّم معهم وكأنْ ليس هناك شيء.
وكان يقول لهم وفي أوقات متفرّقة: «اذهبوا واتركوني، إنّهم _أي صدّام وجماعته_ فقط يريدوني وليس لهم علاقة بكم»، ولكنّ هذا الكلام كان لا يزيد أهله إلّا حبّاً له وتعلّقاً به. ومع خطورة الوضع وحرجه بدأ السيّد الشهيد بكتابة المواضيع الرئيسيّة لكتابٍ (اجتماعنا) وكان يسعی في كتابته سعياً حثيثاً، إضافة إلی كتب أخری.
وكان مشغولاً بحفظ سور من القرآن وكان عازماً علی حفظ المزيد من السور ولكن لم يسنح له الوقت.
وكان أهله مع كلّ هذه الضغوط النفسيّة يشعرون بنعمة وجود السيّد في ما بينهم، وكلّ يوم يمرّ والسيّد بينهم كان بالنسبة لهم مكسباً ومغنماً كبيراً.
أمّا هو فقد كان يتأثّر ويحدّث ويحزن علی وضع حال أهله وهم تحت ضغط الحجز، ولكنّه سلّم أمره وأمر أهله إلی الله عزّ وجل، وقد ضعف في ذلك الوقت لوضعه الصحّي وكذلك النفسي فقد كان ضغطه مرتفعاً في أكثر الأحيان.
25. طُرحت فكرة علی السيّد الشهيد في أحلك الظروف وأعسرها، وهي أن يخلّصوا السيّد وأهله من الحجز، وذلك عن طريق البيت المجاور لبيت السيّد، ولكنّه لم يوافق أوّلاً لسبب خاص وثانياً برّاً بوالدته لأنّها كبيرة السنّ ولا تستطيع أن تعبر الحائط.
26. عندما أتی جلاوزة صدّام لاعتقال السيّد في المرّة الرابعة _وهي المرّة التي استشهد فيها_ وأخذه إلی بغداد، أخذ السيّد يتحدّث مع أهله ويهوّن عليهم الخطب الجلل، فقال: «إنّ كلّ إنسان يموت، وللموت أسباب عدّة، فيمكن أن يموت الإنسان بسبب مرض أو فجأة علی فراشه أو غير ذلك، ولكنّ الموت في سبيل الله أفضل بكثير وأشرف، ولو أنّني لم أقتل بيد صدّام وجماعته فقد أموت بمرض أو بسبب آخر..»، وقال أيضاً: «لو كان موتي فيه مصلحة أو فائدة للدّين حتّی ولو بعد عشرين سنة فهذا يكفيني لأن أعزم علی الشهادة وبدّل ملابسه وكانت لحظات رهيبة ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

• (2) - كتب : كاظم السيد مهدي الحسيني الذبحاوي ، في 2012/04/13 .

ـ تصحيح عبارة ـ
وردت العبارة التالية خطأ مني :(● يا أهل هذا العالم المضطرب :إنّ التغيير الذي وقع في العراق في العام 2003 لم يكن هو التغيير كان يلوح إليه السيد الشهيد والثلة المؤمنة معه، الذي المنشود عملاً بقوله تعالى :( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً) [الجن : 16] !)

والصحيح :
● يا أهل هذا العالم المضطرب :إنّ التغيير الذي وقع في العراق في العام 2003 لم يكن هو التغيير المنشود الذي كان يلوح إليه السيد الشهيد والثلة المؤمنة معه،عملاً بقوله تعالى:( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً) [الجن : 16] !



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=16122
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 04 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 14