• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : قراءة في رواية (القضبان لا تصنع سجنًا)‎‎ - الجزء الثاني .
                          • الكاتب : حبيبة المحرزي .

قراءة في رواية (القضبان لا تصنع سجنًا)‎‎ - الجزء الثاني

(الحلقة الثانية)
قراءة غير عادية في رواية بتصنيف استثنائي

القضبان لا تصنع سجنا 2
النّصّ الموازي "العتبات" في رواية "القضبان لا تصنع سجنا" للكاتب جبار عبود آل مهودر"
يقسٌم المؤلّـف الادبي حسب النقاد الغربيين أمثال" جيلبير جينيت "والنقاد العرب، حديثا إلى قسمين هامّين هما النّصّ الموازي والنّصّ الادبيّ الرّوائيّ "الفوقيّ".
_النّصّ الموازي:
هو كلّ ما يحيط بالنًصّ الرّوائيّ الإبداعيّ ويجاوره أو يتعالق معه من نصوص تتباين طولا ومصدرا وجنسا وهي "عتبات" داخليّة وخارجيّة بعضها تسبق النّصّ ومنها ما ينتشر على الغلاف الخارجيّ كصورة الغلاف وألوانه وتخرّجاته الفنّيّة وقد تناولناها بالدّرس سابقا ، وبعضها داخلية تسبق النّصّ أو تلحق به. والعنوان هو العتبة الأهمّ من حيث التّكثيف والتّرميز والإحالة والايحاء والتأثير في المتلقّي تأثيرا استباقيّا.محفّزا على اكتشاف النّصّ الرّوائيّ.
هذه العتبات الًتي يسبق بعضها النًصً الرّوائيّ بطريقة متتالية في نسق خطّيّ. أوّلها وأهمّها "القضبان لا تصنع سجنا" بتصدير ببيتين شعريين للدّكتور أمين الياسي بنفس دينيّ عقائديّ تربويّ لتظهر في عجز البيت الثّاني فكرة صياغة العنوان باختلاف طفيف في اليقين من عدم انقضاء الحدث في المستقبل "لن تصنع .." ثمّ "بشكر وتقدير" الاساتذة الذين ساهموا في إخراج المؤلف في أحسن صورة فنّيّة أدبيّة ثمً الإهداء والّذي خالف المألوف إذ نجد المهدى آليه راحل، لفّه السّجن الابديّ وهو أهمّ شخصية معرقلة محبطة طول فصول الرواية لأنّ صلته بالمحتوى هي صلة السّبب بالنّتيجة، وهو حاضر من خلال أفعاله الدالة عليه والمشيرة إليه كهرم مؤذ عنه تمتدٌ أيادي عماله لتطبيق أوامره الإجرامية.
ثم مخطوط رسالة من "حسين الحكيم" تتبعها الرّسالة المرقونة الواضحة مذيّلة بالباعث والمكان والزّمان ثمّ كلمة السّيد "كمال السيد" مع التّاريخ يليها تمهيد من الكاتب يليه حديث شريف للرّسول صلعم مع تعليل لوجود الرّواية. هذه كلّها عتبات سبقت النّصّ الأدبي الروائي ومهدت له لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك الملاحق والّتي أخذت صبغة توثيقيّة لأماكن السّجون وإسمائها مفصّلة مبوّبة لتكون اللاّحقة الثّانية بأسماء العوائل الّتي اعتقلت في صحراء (الشّيحيّات) سنة 1972.لتكون اللاحقة الثّالثة بأسماء" شهداء أهالي بلد".امّا اللاّحقة الرّابعة فهي وثيقة الأمم المتّحدة بأسماء السّجناء السّياسيّين ...أمّا الخامسة فهي الأعنف والأشدّ توثيقا وتأثيرا ووخزا في الضّمير الإنسانيّ كصفعة ستظلّ حيّة متجدّدة وهي وثائق وصور من داخل السّجن .بدءا بالمفتاح وانتهاء بصور معدّلة مؤرّخة بفترة واكبت غزوة الكويت وارتباك السلطة وسعيها لتجميل صورتها خوفا من تمرّد شعبيّ يخلخل عرش الاستبداد وذلك بإضهار السّجناء في أبهى صورهم وتالفهم وسعادتهم التي قد يغبنون عليها ممن هم خارج "القضبان"
والعتبات تحوي العناوين الفرعية للفصول وبعض الهوامش التوضيحية التفسيرية التعريفية التي تتوزع على أسفل الصفحات.
إذن فالنص الموازي هو ما يواجهه المتلقّي وينبشه قبل الولوج إلى النّصّ الرّوائيّ ليضعها في الإطار العامّ التّوضيحيّ لنصّ سيكتشفه المتلقّي وقد خزّن مؤشّرات ومؤيّدات تمكّنه من تكهّن نسبيّ لما سيكشف عنه النّص الروائيّ لتبيّن مدى التعالق بينه وبين النص الموازي الذي كشف عن التّيمة قبل خوض غمار القراءة .
وكاتب "القضبان لا تصنع سجنا " رسم الطّريق بوجع فيه من التّحدّي ما يجعله يبطل مفهوما ثابتا عالقا بالإنسان منذ الأزل والمتمثّل في التّلازم بين القضبان والسّجون. غير أن عتبة هامّة جدّا هي الّتي ستتداولها الألسن وتصطفيها كجزء من كلّ مهمّ أهمّ.
* عتبة العنوان
هو أهمّ "العتبات " كما يسمًيها الناقد الفرنسي" جيرار جنيت"
العتبة الأولى في رواية المؤلف "جبّار عبّود آل مهودر "
العنوان "القضبان لا تصنع سجنا" الذي بتركيبته الدّلاليّة قد عصف بالمألوف وغيّر ما تصالحت عليه البشريّة وطبّقته تطبيقا إلزاميا في كل العصور والأماكن . والعنوان هو أوّل ملامسة من المتلقّي لما يسبق اكتشاف الّنّصّ الرّوائي وما تتقدّمه من مستلزمات تعريفيّة توضيحيّة تفسيريّة. وهو المدخل الأوّل للولوج إلى عوالم الرّواية الّتي تتتالى وتتداعى عموديّا عن عنوان هو همزة الوصل التّرتيبيّة اللغوية الاولى بين الباثّ كصاحب مشروع تواصليّ تأثيريّ والمتلقّي الخالي الذّهن من مضمون مازال مغلقا معتًما ضبابيّا رغم التّمعّن في العتبات السّابقة اللاّحقة. بيد أنّ العنوان الّذي سيظلّ نقطة مرجعيّة يتفقًدها القارئ بعد أن خزّنها في رف من الذاكرة سيظل كنقطة ضوئية تنير دروب النّصّ الرّوائي وكأننا بالقارئ سيحاول التثبّت من مدى المطابقة بين العنوان كعتبة من النّصّ الموازي، والنّص الادبي الروائي الفوقيّ، وهو يمضي بين الفصول وما ترشح به من دلالات فكرية اجتماعية ثقافية عقائدية نفسيّة وجدانية، سيقيّم حجم التًراكم الدّلاليّ الّذي خزّنه العنوان من مكنونات السّرد المتماهي مع مرجعيّة ثابتة للمؤلف بثقافة معيّنة وبكمّ من التّجارب الّتي تحيد بالأحداث إلى الواقعيّة الموثّقة في أجواء لا تتملّص من الزّمان والمكان بتحديد توثيقيّ تسجيليّ. والعنوان وان يسعى العديد من الكتاب اليوم إلى كسر هيمنته الاشتمالية بصوغ عنوان فيه من التلميح والتّرميز ما يثير استغراب القارئ وتعجّبه لانّه يوثّق موقفا ورفضا أو اتّفاقا أو تصالحا ما. وقد يكون له وقع الصّدمة على المتلقّي لإثارة فضوله لفكٌ طلاسم العنوان الغرائبيّ المتمدّد كنصّ تامّ البناء أو مختصرا مقتضبا لتتبعثر حوله الافتراضات والتكهّنات .هذا العنوان الذي قد يكون رمزيا غرائبيا أو اسم علم بطل الرواية أو كنيته أو مقتطف ببنية نحويّة تركيبيّية تامّة الإسناد من داخل تعرّجات الرّواية ودروبها وقد يكون بكثافة محيلة على أعمق دلالة سيتبيٌنها القارئ لاحقا بما أنّ العنوان يمثّل سلطة النّصّ وواجهته الإعلاميّة الّتي ستتردّد بدلالات مختلفة متنوّعة تتوزّع على جلّ الفصول.
العنوان هو الجزء الدّالّ لفظا عمّا ينطوي عليه النّصّ لذا فقد حرص الكاتب "جبّار عبّود آل مهودر" على حسن تدبير أمره ليقدًم كمّا من الدّلالات والاضاءات والإشارات الّتي تحيل على مضمون النّص الذي معه يكوّنان بنية معادلية تشوّق المتلقّي للولوج إلى عالم الرّواية مهما كانت صيغته أو تركيبته أو صلته بالأحداث والشّخوص.
"القضبان لا تصنع سجنا" عنوان بكم من الموروث المأساوي المشترك الّذي لا يمكن للقارئ أن يكون خالي الذهن منه تماما .فالسّجن أو القضبان لها إحالات جماعيّة قديمة قدم الخطإ والصّواب والجريمة والعقاب، موروثة كانت أو وليدة العصر ومن هنا سيبني تصوّرا وثيق الصّلة بالمكان الثّابت المغلق المحدّد "السّجن" "ذي الجدران الملطّخة بالدّم والقيح المتيبّس"
من العنوان تنطلق حيرة المتلقّي وينشأ عنده ارتباك معرفيّ مفاده التّوصّل إلى مدى تعالق العنوان بالنّصّ الرّوائيّ وصلته بالدّلالات والأبعاد الفكريّة والايديولوجيّة ومدى "صلة القضبان باللاّسجن "

 

تونس
يتبع




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=168500
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 10 / 6