• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : نص قصصي جاءَ في الخَبرِ .
                          • الكاتب : محمد الهجابي .

نص قصصي جاءَ في الخَبرِ

هذه الروايةُ لرئيس الخدَم (ع.ب) والعهدةُ على المستمع(ح.ض)، فروّز الخطابَ جَيّداً، واستوضح مغزاه ( وكنّا أتيْنا الصخرةَ المسطحةَ عند الشاطئ. وفي البعيد، بَدَا قرصُ الشّمْس، مضرّجاً بصبغةٍ ذبائحيةٍ، ينحدرُ نحوَ المغيب المحْتَقن).
يعرِفُ أنّ الكلّ يترقَّبُ هلّته الصباحيةَ. هو يعلمُ ذلك بحُكْم العادةِ، أمّا هم فينتظرونَ قُدومَه بمُقتَضَى الحال. يفكّرُ قبْل أنْ تغمَضَ عَيناه، في بهرةِ الدجى، أنّهم يُخَمنونَ، إذْ يكونون ملتصقينَ بنسائهم في المطارح، أيّ طلعةٍ سيكونُ عليها صباحَ يوم الإثنين. أمتَجهّمٌ هو، كما عاهَدوه، أمْ منفرجُ السريرة؟ البعضُ منهم يظلُّ يستعرضُ، الليل بطُوله، مختلف الاحتمالات، حتى إذا بانتْ تباشيرُ النّهار، قامَ وهو يبسْملُ، ويُحوقلُ، ويطلبُ المغفرةَ والسلامةَ. في حين، يحاولُ هو أنْ يتكهَّنَ طوالعَ موظفيه، حتى وهو يضاجعُ امرأته التي أكلت المساحيقُ نتوءات ومغابنَ وجهها المترهّل. وإذا ما لحقَه العياءُ، وهو يتسنّمُها ما يزال، دُون أنْ تصيبَ هي منه وطراً، انقلبَ إلى الشّطْرِ الآخر للسرير الرحيب، وأنشأ في الهمس بإجراءاتٍ: غير موافقٍ، إنذارٌ، توقيفٌ، تنقيلٌ، يحال على المجلس التأديبي، خصمٌ من الأجرة، خصمٌ من العطلة السنوية...وهلمجراً.
يحلو له، بعدَ تَناول وجبَةِ فطوره الملكيّ أنْ يركنَ إلى الأريكةِ ذات الرياش العثماني، واللون الأخضر الموشى بالأحمر الفاتح، ليرشف منْ قهوتهِ الساده. ثم يتصفّح الجرائدَ باللغتين الفرنسية والعربية. يبحثُ عنْ أخبار تهمُّ اختصاصات مؤسسته. لكنْ يعنيهِ، في المقام الأول، أن يُنقبَ عن أنباءِ العقار، وإعلانات البورصة. هذه الأخيرةُ يؤشِّر عليها بعلامات لا يفقه كُنْهَها غيره. ووحده يفهم إلى ما ترمزُ إليه علامة الضرب (x)، أو علامة الزائد (+)، أو علامة النجمة(*)، أو دائرةٌ بيضويةُ الشكل، أو إهليلجيتُه ! لا تستفز السياسةُ لديه إلا ما تعلّق بأجواء طقس الحكومةِ والأحزاب. لعلّ أنكدَ خَبَر قد يفتتحُ به يومَه هو خَبرُ انتقال إشاعةٍ ما إلى واقعٍ فعليٍّ. ليس كل الإشاعات طبعاً، فقط تلك التي ترتبطُ بإقالةِ الوزير الأول، أو بتعديل حكومي، أو بتغيير كبير في خارطةِ الأحزاب، غبّ استحقاقات انتخابية. ويطيبُ له أنْ يُصرّحَ، في المجامع الحميمة، أنّ السياسةَ شَرٌّ، ابتعدْ عنه، وارقصْ له رقصةَ البطْن. بيْدَ أنّ أشدّ ما يرمضُه، ويطيشُ سهمَه، هو أنْ تنشُرَ صحيفةٌ خبراً عن مؤسستهِ، كأن تكشف خللاً مثلاً، أو تبوحَ بسرٍّ، أو توشي بشكايةٍ. آنئذٍ، يُزَوّي ما بين الحاجبين، ويتبضَّعُ جَسدُه عرقاً بارداً، وتنقذفُ حممُ الغضَب من عينيهِ. يطْوي الصحيفةَ، كيفما اتفق، أو يُلقي بها مشبحةً على البلاطِ، وينتصبُ واقفاً وهو يبرطمُ، ويجمجمُ بأصواتٍ كالخَرْشَفةِ، ثم لا تراه إلا مستعجلاً الانصراف إلى الإدارةِ، والدعوةَ إلى اجتماعٍ طارئٍ لهيأةِ أركانهِ. لكن، قبل أنْ يغادر، يهاتفُ أحدَهم. لربّما يكونُ مديرَ ديوانه، أو سكرتيرتَه المفضلةَ؛ تلك التي تطبَعُ شارةٌ بارزةٌ، بلون البُنّ المحروق، خدّها الأيمن. وقد يكون وزيراً صديقاً، ولعلّه وزير الاتصال، أو وزير الداخلية، أو كبير المخابرات، أو زعيم الحزب؟! وحينما يضعُ ذراع السماعة، يأمر بتشغيل مُحرك السيارات جميعها، ثلاث سياراتٍ رسميةٍ فارهةٍ BMW، Honda accord، Mercedes 230. ثمّ يختلي بنفسه، لردَح من الوقت، بالمرحاضِ. الأخبارُ المعكّرةُ لمزاجهِ تَعرضُ بَطنَه المرتخي لمغصٍ، أو لقبْضٍ، أو لإسهالٍ. ويبقَى متردداً، لهنيهاتٍ، أيّ السيارات سيمْتَطي، أهِي ذاتُ اللّون الأسود المديدةِ، والوطيئةِ، أمْ ذاتُ اللون الأزرق الغامق، أمْ السوداءُ صاحبةُ العجيزة الضخمة، النافرةِ. تدعوه امرأتُه لكي يترَوّقَ قليلاً، ويتَرَيّثَ قبل أنْ يركبَ، فلا يحرْ جواباً. يهمُّه، الساعة، أنْ يحضّر رداً على التحرشِ الذي استُهْدف له، يقولُ بلجاجةٍ. ثم يمضي مدْبراً.
حلف السائقُ (م.ل) بأغلظِ الأيْمان بأنّ ما سينطقُ به إنّما هو الحقيقةُ عينُها، وليسَ كل الحقيقة، في الآن نفسهِ.( وَبَعْدَ أنْ مَجّ منْ قهوته المكسَّرةِ، وشفط منْ سيجارته، وتَمَطّقَ، سَوّى قعدتَه على الكرسي الخشب، وجال بنظرِهِ خَطْفاً في أرجاءِ المقهى.).
«..هذه أمورٌ مقطوعٌ بها في حياةِ الرجل، ولمْ تعُد سراً وجَبَ كسْفُه. عَجبٌ، كيف يكون عليه مقامُه أثناءَ ما يكونُ في جوْف السيارةِ، وهي تشقّ الطريقَ الأسفلتَ قادمةً من أعماق حي السويسي في اتجاه الحي الإداري، إذ لا يكفّ عن مهاتفة أحدهم، فأحدهم، ثمّ أحدهم، لكأنّه فقدَ البَوْصلةَ، وصارَ وحيداً وسط يمٍّ أُجَاجٍ، يُفتّشُ عن منقذٍ، مهْما يكُن، يستعينُ بحولهِ على ضُعف الحَوْل. إنّ مَن يبصر الرجل، على ذاك النّحْو يشكّ في الخبَر الزّاعم أنّه صاحبُ حكمٍ ورياسةٍ. فالرجلُ يشفّ عن ضعْف فادحٍ. أحياناً، يتكلّم بصوت مرتفع، حادٍّ، ونافذٍ، وأحياناً أخرى، يتحدثُ بصوتٍ خفيضٍ ورقيقٍ ومتهدّجٍ. فلا تسمعُه إلاّ وهو يأمُر، ويوجّه، أو هو يتوسَّل، ويسْتَجدي. وتكادُ الدموعُ تطفُرُ من مقلتَيْهِ الضيقتيْن، وصدرُه يتشظّى حنْقاً..
 أتنصّتُ إلى ما يجري في المقعد العريضِ ورائي، لكنّني أتظاهَرُ بخلاف ذلك. فأنا مضطرٌّ إلى الاستماع، وما يحدث في الخلْف يقتحِم طبلة أذنيّ رغماً عنّي. أُحاول أنْ أنشغِل بالتركيز على السيّاقةِ، بَيْدَ أنّني عَبَثاً أفعَلُ. لا أُصدر نأمةً مخافةَ أنْ تُلاقي لدى الرجل استهجاناً أو ملامةً، هذا إن لم يرجمني بجُرم، أو يفتي في حقّي عقاباً زَجرياً قد يعصفُ بوضعِي الإداري عصفاً. لذلك تلْفاني ألتزمُ الصمتَ، وأزمُّ شفتَيّ، وأقطعُ أنفاسي كأنّني مُلغى بالمرّة، وكأنّما السيارةُ تسيرُ بذاتها ولذاتها. لكمْ تمنيتُ أنْ يكونَ بيني وبيْن المقاعد الخلفيةِ حاجز زجاجٍ سميكٍ ومصمتٍ وغير مرئي، أو هو مرئي منْ جهةٍ واحدةٍ فحسبُ. فبذلك فقط، أُؤمنُ السياقةَ، في اطمئنانٍ، وسط طرقٍ تنغلُ بالآلات والغبار. وأيضاً، حتى أضمنَ عدمَ الاصطـدام بسيارة قد تمرقُ قدّامي على حين غرّة، أو تصدمَني سيـارة الحـراس الشخصييْن التي تخفرنا .. ».
في رواية حارس شخصي (فضَّل تعويضَ اسمه الكامل الذي هو ح.ض باسم كامل آخَر هو ر.ش. والشخص هذا، بالمناسبَة، ثلاثيني، عريضُ المنكبين، مفتول العضلات، فارعُ الطول، يربطُ شعرَ رأسه إلى القفا برِباط من قُماش مثل ذيْل مَهْرٍ، ويضعُ قرطاً في الأذن اليُسرى، ولا يني يمضَغ العلك بين أسنانه، ويصنعُ منه فقاعاتٍ تخرجُ من فيهِ، ثمّ تنفجر محدثَةً فرقعاتٍ واخزةٍ.). يقول إنّ الرجل لربّما يحمل مسدساً في جراب جلدٍ مشدودٍ إلى الكتف الأيمن، ما بيْن العنق والكشح الأيْسر. والظاهرُ أنّ الحارسَ يتلفّظُ بهذا الكلام وهو مرتابٌ، في الإبّان عينه، ممّا إذَا كان ما شاهَده، ذاتَ مساءٍ، حقيقةً أمْ هو محضُ خيالٍ. ثمّ تساءَل عمّ يدفع الرجل إلى الاستقْواء بسلاح فيما يُشخصُه أربعةُ حراس، صناديد، في غدْوه ورواحه، ولا تهجُره عيونُهم المبصصة على الدّوام، حتّى في عز اللّيل المدلهم، وهو معتلٍ امرأتَه بينما الوحوحاتُ تصكّ الآذانَ، وتفرِي الأعصابَ، وعَمّ يجعلُ الرجل يُبدي فزَعاً، لا نظيرَ له، كأنّما هو مطاردٌ من قبل قوى خفية؟ يُقرّ الحارسُ أنّه لم يلْحظ، طوال خمس سنواتٍ على الأقلّ، ما يشي بأنّ هناك من يترصّد له لإلحاق ضررٍ جسدي بهِ. وكلُّ ما يمكنُ تسجيلُه، في هذا المضمار، هو تَعرّضُه لمناوشاتٍ من طرف زبناء المؤسسة، وهي، في جميع الحالات، أمورٌ لا تبعثُ على استنفارٍ للقوى، من هذا الحجم والسعة. ألا يكونُ الخوفُ قد وُلد مع الرجل، وكبُر، حتى أضحى كالكريات الحمراء يسكن دمَه؟!
يكتب الساردُ (لم يرغبْ في الإلماع إلى كامل اسمه ولو بواسطة الحرفين الأولين): «.. وعندما طرحتُ سؤال السلاح على السائق، عمَد هذا الأخير إلى مُخاتلتي ومُداورتي. بيْد أنّني حين ألححْت عليه، أفضى إليّ بمعلومات مُؤدّاها أنّ الرجل قد يكون فعلاً يحمل سلاحاً، يلازمه آناء الليل وأطْراف النهار. لكن، كيف يخفيه عن الأغْيار؟ ذاك شأْنٌ لا يدري به البتةَ. غير أنّه ما يعتمُ أنْ يصرّحَ بأنّ امرأة واحدة تعلم بهذا السر المكنُون. هو متأكّد مما يذهبُ إليه. أهِي امرأتُه ذات اللّسان السَّليط، والصّدر المندلق، أماماً، ككيس بطاطس، أم هي سكرتيرتُه ذات الأسنان الملوّثة بصفرة شامرة؟ لا يستطيع أنْ يرجّح أيّ المرأتين تكون. على أنّه سرعان ما يُفهمني بأنّ جهةً من الاستخبارات هي التي تكون أجَازتْ له اقتناء السلاح. وكان السائق يُعقب بين الجملةِ والجملةِ، فيمَا هو يحْكي، باللازمةِ التاليةِ: أنا لم أقلْ، وأنتَ لم تُحرّرْ كلمةً. فكنتُ، منْ ناحيتي، أهزّ الرّأس إيجاباً، وأبتسمُ.
وأذكرُ أنّ رئيسَ الخدم قال لي إنّ الرجل ما أنْ اطّلعَ على جَليّة الخَبر، صبيحة يوم الإثنين 4 يناير 1999، حتى أرْتَبَ في مكانه كأنّ صعقةً كهربائيةً مَسَّتْ منطقةً حساسةً من جسده، ورمى، في التّو، بالصحيفةِ كالسّقطِ التافهِ، وراحَ يذْرعُ الصالونَ، وهو يصْطلي بالحنق، ويضطرمُ كالجَمرِ اللّاهب في كانونهِ، ويُرَأْرِىءُ مُشبكاً أصابعَ يديْه خلْف الظهر تارة، ولافّاً ذراعيْه فوق الصّدر تارةً أخرى، كأنّما ضاقَتْ به نفسُه. وتساءل إنْ كان حالُه ذاك هو الذي يجعله كثيرَ التردّد على المرحاض أمْ أنّ المسألةَ تعودُ إلى مرضٍ عضالٍ ومزمنٍ. فلم أجب بشيءٍ.
وبالحقيقة، فقد شعرتُ، إذْ كان يقدّم جُردةَ حال الرجل، بأحشائي تَتململُ كما لو تتأهَّبُ لتسريح ضحكةٍ طال حبسُها أكثر منَ الزمن المفرُوض. وكِدت أفعلُ لو لمْ أتمالك نفسي، وأحجمْ. والظاهرُ، أنّني لا أستطيعُ أنْ أصدقَ كلّ ما يُحكى عن الرجل. ولست متيقناً إنْ كان هذا الكلام من تخرصات المناوئينَ، ومن في قلبهم غلٌّ حُياله، أم هو منْ تَلاسُنات مَنْ لا هَمّ لهم سوى المسّ بأعراضِ الناس. وهم في صنيعِهم ذَاك كمثل من سرى بسيرتهم القولُ الذائعُ: يأكلُون الغلّة، ويسبونَ الملّة. ومنهم صاحبنا هذا، رئيس الخدم. فقد أورد كلاماً قد تحسبُه بمثابة هَلج ليسَ غير. ومنْ ذلك أنّه عُرف عن الرجل كونُه وثيق الآصرة بأحدهم داخل أعطاف السلطةِ، هناك في دهاليزها الديماسيّةِ بالعاصمة، حيث توجد لوحة أزرار التحكم في رقاب دواب الأرض، الشوامت منها، كما ذوات الأقدام. الزواحف منها، كما ذوات الحافر، أو الخفّ، أو الظّلف. ولعله تقلّب في مدارج، ومراقي ذات علاقةٍ بالوجه الآخر للدولة؛ وجهها الرصاصي اللون. ومن هذا الوجهِ استمدّ القوةَ والسلطانَ. ولولاه لما قامت للرجل قائمةٌ، ولا ذُكر له شأنٌ.
أسرّ الرجلُ، مرةً، بخبرٍ إلى أحد مقربيه بالإدارة، الذي أسَرّ به، بدوره، إلى خليلٍ له، الذي أسَر به إليّ، هو الآخر، وكنّا نحتسي البيرة فوق كونتوار بار فرنسا، على مقربة من محطة القطار، ذات ظهيرة صائفة، أنّ ما يتخافتُ به واغرو الصّدْر عليه لا يسيء إليه في شيء ما دام مقتنعاً بأنّ أفعاله كلّها، صغيرُها وكبيرُها على حدٍ سواءٍ، إنّما تسعى إلى خدمة الدولة. فهو من خُدام أعتابها الأوفياءِ، ومن المنافحين عنها في السراء كما في الضراء، سَيان. وتلك فريضة لن يتخلى عن أداء شعائرها أبدَ الدّهر، وخصلةٌ توارثها عن أبيه، ثمّ عن جدّه، فأب جدّه، منذ قرون خلت، وسيورثها لولده، شاء أمْ أبى. فهي نهجٌ مقدّسٌ، ووصيةٌ مرعيةٌ.
أقولُ أنا الساردُ، إنّ ثمّة شبه إجماع على أنّ الرجل تَنَزّل على السلطة من فوق، تماماً كما يسّاقَطُ المظليّون من الطائرات المحلّقة في الأعالي.ولكُمْ أنْ تتصورُوا الوكْدَ الذي يبتغيه أرباب هذا الصنيع من شخص ليس، في التحليل النهائي، سوى دمية ضمنَ مسرح كبير للكراكيز.
والحقّ، كما سلف أنْ نطقتُ، لا أقدرُ أنْ أصدّقَ كلّ ما يُحكى عن الرجل. أقسم أنّني شاهدتُه عياناً في قلب سوق العكاري مع أحد حراسه يشتري خضاراً. الحارس يحمل القفة الدوم، ويقْفُو أثَره، فيما هو يقلّبُ رزمات الخرشوف ويزنها في كفّه ليتحقق من ثقلها. وبدافع من فضولٍ، دنوت من موقع بائع الخضار متوارياً ما أمكن، ومتأهّباً للخنوس إذا ما استشعرتُ من صاحبنا أبسط حركةٍ قد تجلي تستّري، فأصخت السمع. قال البائع: آخر ثمن هو درهم ونصف. وقال هو: درهم واحد فقط. ولما تشبثّ كلٌّ منهما بعرضه، انسحب هو إلى بائع خضار آخر. ثمّ إلى بائع تالٍ. فتساءلتُ أنا في داخلي: هل يجوز أنْ يتقوّل الناس أقاويل تشذّ عن الصواب في حق رجل لم يفعل سوى أنّه يحيا حياة أيها الناس؟ أليس من العجيب المدهش فعلاً أنْ تجدَ معاليه محشوراً بين القوم البُسَطاء يأتي شبيهَ سلوكهم، ويتصرّف كفاءَ تصرفاتهم؟ أليس هذا هو التّواضع في أبهى صوره؟
عندما قلت للسائق إنّ ما أتيح لي الوقوف عليه بالملموس، في ذلك اليوم، لمن قبيل الوقائع التاريخية العظيمة، والتي لا تحصل، كما تعلم، سوى في بلادنا، لوّى شفتيه، وأرسل قهقهة ضاجّة ألفتت انتباه رواد البار جميعهم، وزعم أنّني رجل مغفّل، ومن السهل أنْ أرتبق في الحبالة المنصوبة من طرف معاليه. ثمّ حكى حكايات منَ الطراز ذاته جرت لموظفين مغفّلين، منْ مثلي، في أسواق مجاورة، ولا سيّما بالسوق الملقب بـ "سوق الكلب"!
هذه الوقائع المثيرة لم ينفها الحارس الشخصي، بل لم يلبث أنْ قَطّبَ، وأكْشَرَ، وقال إنّ ما يستغربه حقاً هو انطلاء الحيلة على أشباهي، ممّن أتوا قدراً من العلم والمعرفة، فيما الحقائق الجارية تفقأُ العيْن. ثمّ نبّلني بأسئلة، ومنها ما يلي: ألمْ تر كيف تلقى الرجل الخبر كأنّما استوعبتْه دوامةٌ جارفةٌ، فبات يستنجد بأبسط كسرة حطب قد تطولُها يدُه؟ ألمْ تلحظْ كيف ولج الباب الرئيسَ للإدارة وهو يغذّ الخطو مُزْلجاً، ومقفع الرأس، كما لو كان يخشى أنْ يفتضح ارتباكه، أو لكأنّه يستحثّ دخول المرحاض؟ ألمْ تُجل كيف يتخازره الأعوان بنظراتٍ شامتةٍ، وهم يوسّعون له، ثمّ وهم يشيعونه إلى مكتبه؟ ألمْ تنتبهْ إلى خُلو الممرّات منَ الموظفين المُحابين له، وممّن لهم حُظوةٌ لديه، كما لو فرغت المؤسسة من وجودهم، بينما هم، في مكاتبهم، متضفدعونَ، ومتقفّصونَ، يتلصّصون البصر إليه، ويختلسونه، من خَلل الضبّات، والمزالج، والأقفال، وزجاج النوافذ، وشَراعات الأبواب؟
لنقُل إنّ الخبر نشرته جريدة "بيان اليوم" في صفحتها الأولى، ونَقَلْتُه أنا عنها بتصرّفٍ في الصيغة التالية: «هل صحيح أن إدارة معاليه توصلت في الأسبوع الأخير برسالة من الوزير الأول، يدعوها فيها إلى ضرورة إلغاء القرارات التعسفية التي صدرت في حق النقابيين الأربعة والقاضية بإبعادهم عن المصالح المركزية إلى تخوم البلاد، وعوض أن تباشر المؤسسة تنفيذ تعليمات الوزير الأول آثر رئيسها إعلان تحديه للوزير الأول فأصدر تعليماته بمكاتبة وزارة الشؤون الإدارية حول ما إذا كان بالإمكان فصل هؤلاء النقابيين من الأسلاك الإدارية، وببذل مساع لدى إدارة الدفاع الوطني (؟!) بقصد استصدار فتوى تقضي بإنزال أشد العقوبات في حقهم، وفي حق كل النقابيين.
إذا ما صح ما تناقلته الألسن، فسيكون الوزير الأول، حقيقة، لربما، إزاء أول عصيان يصدر عن رئيس إدارة يعمل تحت وصاية وزارته، ولعله "أول" تحد من هذا النوع يواجه الوزير الأول منذ تشكيل حكومة التناوب.».
في صباح ذلك الإثنين، دلف الرجل إلى مكتبه مُنكسَ الرأس، حائل الوجهِ، مُوَكْوكًا، يتبعُه السائق ممسكاً بيده اليمنى حقيبة ديبلوماسية، ومتأبطاً بذراعه اليسرى ركامَ سجلاتٍ. وهو في سبيله خلف معاليه غمزَ، عند الباب، للعوْن الساهر على خدمة الديوان، فعَجا هذا الأخير بشفتيْه، ثمّ هبّ يُخَففُ عن السائق وزْر ما يحملُه. وقيل إنّ السائقَ، إذْ دخل المكتبَ، لم يعثُر للرجل على أثرٍ، فظلّ مسمراً في مكانه ينتظر التعليمات. ولما أبْطأ معاليه الظهورَ، أدرك أنّ المرحاض استغرقَه، فانصرف خارجاً. وقيل إنّ السكرتيرة هي التي أدلقت الماء في الإردبّةِ بعدما دهَمت مَنْشَقها رائحةٌ زنخةٌ، وفظيعةٌ، وباشَرتْ تطريةَ الموضِع بمُعطِّر الجوّ. ثم أبصرَت مَعَاليه صافناً، وسَط المكتب، يرتجفُ. وقيل إنّ ما رُوّجَ عن الرجل، في ذلك اليوم، إنْ هو إلاّ إفكٌ وافتراءٌ، وإنّما الأحكمُ هو أنّ معاليه شغل مقعدَه وراء المكتب العود العرعار، ثم نَدَهَ عن السكرتيرة، التي دعَت رؤساءَ الأقسام إلى اجتماعٍ مستعجَلٍ يترأسُه معاليه، والغايةُ، استصدارُ قرارٍ هامٍّ حَول ما نُشِر في الجَريدةِ.».
2005


 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=16910
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 05 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 15