• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : قراءة نقدية في رواية القضبان لا تصنع سجناً (الحلقة السابعة) .
                          • الكاتب : حبيبة المحرزي .

قراءة نقدية في رواية القضبان لا تصنع سجناً (الحلقة السابعة)

‎الصور الفنية وعلاقتها بالمكان في الرواية :
‎هي صور ستساعد الروائيّ بطريقة تفاعليّة مع المكان  ليوظف الصورة الفنية التي هي نتاج فاعلية الخيال مع ما خزنت الذاكرة من  علامات ثابتة يمكن تقاسمها مع المتلقي والتي لا تعني نقل الفضاء المكانيٌ وتصويره أو نسخه وانما نجد الكاتب قد اكسبه صفة "سيميوطيقية" بإعطائه قيمة دلاليّة تميّز بين الظّواهر المكانيّة التي لا يختلف بعضها عن بعض في الواقع  وما يطرأ عليها من تغيير نوعي وظيفي جراء الأحداث المستجدة وزاوية النظر ومنطلق التقييم  الذي يكسب المكان صفات مختلفة. فالسحن عند السجان هو مكان العمل وكسب الرزق وعند المسجون مكان للتعذيب والانتهاك والانهاك وعند الأهل جحيم يصطلي بناره أبناؤهم وذويهم.
‎هذه الصور الفنية تتعدى عند المتلقي حدود الرواية إلى المكان بعناصره الفيزيائية إلى المشاركة الوجدانية لأن الصورة الفنية لها وثيق الصلة بكل الاحاسيس الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني الذي يعطي أبعادا حسية لما لا وجود له إلا بالوعي بضرورة إضفاء الواقعية على ماهو تصوًريّ محض عند المتلقّي ليبسطه الكاتب على مساحة الرواية من منطلق العليم بالباطن والظاهر، وهنا تكمن براعة الكاتب في سحب القارئ إلى عالم كان يجهله أو كانت له عنه صورة ضبابية ليكون للأحداث مساحة بعلامات توثيقية ثابتة لا لبس فيها كصورة ضخ الدماء على الجدران وبقع القيح على الأرضية والأبواب..وهي صور تجتثٌ المكان من دوره الطبيعي المألوف لتخشره ضمن منظومة العنف والظلم والعقاب  والتشفي.
‎والكاتب ينتقي مادته المحسوسة من الطبيعة أو من الحياة الإنسانية اليومية بخيرها إذا كانت خارج القضبان وفي الوسط العائلي وشرها إذا كانت بين القضبان   والغاية حتما إثارة التأثير أو الانفعال الإنساني تازرا مع الضحية وسخطا على الطاغية، من منطلق الراوي الشخصية والذي حرص على جعل المكان بكل صفاته شاهدا على ما لحق بالشخوص من إهانة وتعذيب ظلت  شواهده المتلاحقة راسخة على الجدران والأبواب والأرضية والمعاني التي نتوصل إليها من خلال طبيعة الكلمة وتواجدها في النص مركزية أساسية مساهمة في البناء الهيكلي للرواية ومن خلال توظيفها في إطار الصورة الفنية فضلا عن علاقتها ببقية عناصر الرواية من شخصيات وحدث ومكان وزمان حيث تخرج هذه الكلمات أن وظفناها رمزيا عن معناها الاصلي الحقيقي الحسي فالدماء التي تجري في عروق البشر تصبح دليلا عن التعذيب  والجدران التي تحمي من البرد والحر تصبح دليل الحبس وانعدام الحرية.
‎والدلالة لا تنبثق حتما من المكان بل من احد عناصره أو أحد متعلقاته والفيصل في ذلك هو السياق المكاني في النص الروائيٌ وتفاعل عناصر الرواية داخل هذا السياق مثل ماقصه سامي على أصدقائه في قصة هولاكو مع الخليفة الذي وضع في السجن ومنع عنه الطعام وعندما طلب أكلا " أرسل له طبقا فيه جواهر من الذّهب والفضٌة ..".وهي قصة وان كانت ضعيفة السند إلا أنها تعكس أن السياق هو الذي يحدد الفاعلية لاغير. فالذهب لا قيمة له بين "القضبان" وبين يدي جائع يبحث عما يسد الرمق لا ما يكون الثروة التي حرمها المكان من كل جماليٌتها الحسية والدلالية .
‎والكاتب لم يغيب الالوان في الوصف لارتباطه بالقيمة "السيكولوجية" والاجتماعية لأن اللون ينطبع في لاوعي المتلقي ليدخل في جدال مع ماخزنته الذاكرة من صور مألوفة معروفة خارج الفضاء الروائي .واللون ينوع الاهتمام بالقيمة الجمالية للموصوف خاصة ماله صلة بالمكان فالشعر الذي يعتبر من الفنون والإبداع يصبح وسيلة التورط والاجرام من منظور الضابط والشرطيّ " خلال تنظيفه المروحة السقفية سنة ١٩٨٣ عثر مراقب زنزانة (٤ق١) على ورقة ملفوفة بعناية كتبت عليها قصيدة شعر....سأله هل انت شاعر؟...إذن فالمكان هو الذي صنف القصيدة كعمل ثوري نضالي اجرامي مثله مثل شعر مظفر النواب الذي مات في المنفى وأحمد مطر ومحمود درويش. ولو وجدت القصيدة أو قرئت في حفل ثقافي لقوبلت بالتصفيق والتثمين.
‎والمكان في الرواية يظل محايدا لا تصنيف له دون تدخل الكاتب العليم بالظاهر والباطن والذي يغير ايقاع السرد عند تغيير المكان إذ أن تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعدا "جماليا"مؤثرا في المتلقي لأن المكان يصبح حقيقة معاشة بأبعاد دلالية وليدة اللحظة قد تتجاوز الدلالة التاريخية والسياسية بتشابك العلاقات  مع الشخصيات.لان لا قيمة لها إلا بتجذرها في المكان المحدد لقيمتها الوجودية المصيرية الحضارية. لذلك يحرص الروائي على بناء توافق وتلاؤم بين المكان والشخصية لذا فإنه يجعل المكان منسجما مع الشخصية وطبائعها ومزاجها.اذ يصبح المكان خزانا حقيقيا للحالة الشعورية والذهنية للشخصيات.
‎5_اللغة الموظفة لوصف المكان .اللغة هي السفينة الحاملة للمكان وطوبوغرافيته .وباللغة يحقٌق المكان دلالته الخاصّة وتماسكه ليرتسم في ذهن المتلقي كمساحة عليها يتحرك الابطال ليوثقوا أحداثا وحقائق ثابتة خاصة وأن القارئ قد خزن في ذهنه منذ اصطدم بصره بال"السجن والقضبان" و"جبار عبود آل مهودر" والذي يعلم أو أنه سيعلم أنه سجين سياسي سابق.
‎الروائيّ مدعوٌ قبل تعقٌب احالات المكان إلى تخير  البناء اللغوي الذي تقيمه الكلمات انصياعا لأغراض التخييل والتوثيق فهو نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة والمختلقة في النص لتشيّد الفضاء المكاني بطرق قد تختلف عن صورته في مخيال المتلقي كعالم خارجي لأن المكان رهين اخراج وتأثيث وان كان المنطلق واقعا فإن الكاتب هو الذي يهيّئه أما ليكسب به تعاطفا من المتلقي أو ليحدث فيه رجة ناتجة عن صدمة لفظية باستعمال الوصف والمظاهر الحسية الموجودة عليه في فضاء الرواية المنقول عن المكان الحقيقي من قبل كاتب كان من الشخوص المؤثثة المتأثرة بالمكان إن كان مقبرة أو مكتبة أو منزلا أو ساحة حرب مثل قوله:"كان القصف على أشده ورائحة الموت والبارود تلفّ المكان..والقذائف تسقط كالمطر .اخترق فيها النخيل والأشجار .." هذا تفاعل مقصود بين مؤثثات المكان والأحداث الطارئة والتي تتصاعد بقيمة تأثيريّة في المتلقي والذي سيتغايش مع اللحظات الفارقة المؤثرة في مكان خرج عن تصنيفه الطبيعي "النخيل والأشجار .."والتي خرجت من حيزها الطبيعي الإيجابي كمساعدة على الحياة
‎خلاصة القول إن المكان في "القضبان لا تصنع سجنا مقوم أساسي يضاهي الشخوص في تفاعلات وان اختلفت باختلاف الأزمنة والخلفيات العقائدية والاجتماعية والسياسية فقد استطاع" جبار عبود آل مهودر" أن يستنزف من المكان طاقته التعبيرية التاليفية التوثيقية إذ سمى الاماكن باسمائها  وحقيقتها وتحولاتها ليكون اقرب إلى التصديق من متلق عاصر هذه الأحداث المأساوية عن بعد عن طريق وسائل الإعلام التي تكتفي بالتسميات فسجن "ابوغريب "حاضر في الرصيد المكاني الذي جمعه القارئ من فظاعات الحرب والمظالم لكن الكاتب صور العالم الداخلي والنفسي للمكان الذي كان أتون التعذيب بكل مؤثثاته الثابتة كالزنازين والارضيات الاسمنتية والمتنقلة كالسٌياط ووسائل التعذيب الكهربائية والسٌلاسل والأصفاد.
‎الرواية بكم هائل من الأسى لا يملك القارئ الا  أن يساند فيها الراوي ويشد على يديه كصامد في وجه الظلم ومجاهد  تقمٌص دور الكاميرا المخزٌنة للصور والمشاهد والمشاعر والأحاسيس لتفضح فظاعات حاكم شوه الأماكن وضرٌجها ظلما ليجمٌل مكان الديكتاتورية المتجبٌرة.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=169349
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 06 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 10 / 6