• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هل يصبح اليسار قوة أساس في المشهد السياسي العربي؟ .
                          • الكاتب : محمد الحمّار .

هل يصبح اليسار قوة أساس في المشهد السياسي العربي؟

إنّ "الجبهة الشعبية"، التي تم الإعلان عن تشكيلها في 12 أوت/أغسطس 2012 والمتألفة من 12 حزبا وتيارات جُلها يسارية وقومية ومن شخصيات مستقلة، ليست لها حظوظ كبيرة لمنافسة حزب حركة النهضة ولا حتى حزب نداء تونس (برئاسة الباجي قائد السبسي)، إلا بشرط. وقبل الخوض في الشرط لنرَ لماذا كانت الحظوظ ضعيفة. إنّها كذلك من جهة لأنّ المجتمع التونسي مؤمن بالدين الإسلامي في الصميم وبالتالي لا يميّز بين اليسارية السياسية كما ورثناها من عند الغرب وبين الإلحاد والكفر كما ورثناهما من ثقافتنا ومن ديننا. وهي كذلك لأنّ من جهة ثانية لا يرتاح المجتمع التونسي لليسار بسبب أنّ هذا الأخير يتناقض مع نفسه كلما كان الحديث حول الإسلام واليسار؛ ويبرز هذا التناقض في كَون  اليساريين يعلمون أنّ الشعب المسلم يرغب في مَن يخاطبه بلغته لكنهم في المقابل لا يفعلون شيئا لتطوير خطابهم السياسي، ومن باب أولى الانتخابي، لكي يحظوا برضاء وبأصوات الفئات المختلفة من الشعب.
 أمّا الذريعة التي عادة ما تتكئ عليها التيارات اليسارية عموما لنقض التعامل الفكري مع الدين، بما فيها التيار القومي، فتتمثل في تشبثها شبه المرَضي والفُصامي بمقولة "الدين مسألة شخصية"، مما يثير استغرابنا من رؤية كل شيء يتغيّر إلا هذا الموقف المخجل والمضحك حقا. وهو كذلك لا فقط لأنه مستورد من عند اللائكية في نسختها المتطرفة، أي الفرنسية، وإنما لأنه موقف غير علمي تتبناه مجموعات تدّعي الاشتراكية العلمية وتتبنى مقولات ماركس وانجلز العلمية. في هذا السياق نعتقد جازِمين أنه لو كان كارل ماركس حيا لتراجع عن موقفه من الدين ولَأَضاف عبارة مهمة على مقولته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" لتصبح "الدين أفيون الشعوب لمن لم يعرف كيف يدمجه بالعقل".
في ضوء هذا نعتقد أنّ اليسار في تونس وفي العالم الإسلامي كله يسير بجانب المسار الحقيقي والتاريخي للتقدم ولا يعدو أن يكون مُلامسا لخط التماس الذي يفصل بينه وبين الشعب في عُمقه العَقدي والثقافي. مع هذا، نعتقد أنّ فرصة التدارك متوفرة، سيما لليسار التونسي الذي توفرت له على الأقل إرادة التوحد. وما ينبغي أن يفعله هذا اليسار لدعم الإرادة بالإنجاز الفعلي هو أولا وبالذات كسر العوائق التي تحول دونه ودوم رؤية الدين الإسلامي كعامل تقدم معرفي وعلمي ورقي حضاري. وحالما يستسيغ اليسار عموما و"الجبهة الشعبية" من باب أولى كَون اليمين (القيمي والأخلاقي) في الإسلام إنما هو اليسار في السياسة الكونية سيتسنى للجبهة الفتية ولليسار كله تأسيس فكر سياسي يتضمن خطابا دينيا يساريا يستجيب لرغبات الشعب المسلم و لمتطلبات الثورة الحقيقية والعمل التقدمي. 
بكلام آخر، كَون فاقد الشيء لا يعطيه لا يعني الاستغناء عن الشيء نفسه ولو كان هذا الشيء ضرورة مُلحة مثلما هو الحال إزاء ضرورة الوصل بين الدين والسياسة. كما لا يعني ذلك أنّ السياسة اليسارية سوف تفقد يساريتها. بل على العكس، سيتضح لرموز اليسار، إن توفرت لديهم إرادة التجاوز حيال المعوقات الفكرية الذاتية، أنّ اليسار هو المؤهل لاستساغة ثم لتطبيق المادة التجديدية في الفكر الإسلامي. ومن ثمة سيتضح للجميع أنّ مقولة "فصل الدين والسياسة" كانت مجرد هُراء تُغطَّى به لا فقط عينُ الشمس وإنما عيوب العقل السياسي بيمينه وبيساره، وأنّ السياق الذي ينبغي أن تُطرح فيه هذه المسألة الخطيرة إنما هو الآتي: لنتعلم كيف نصل الدين بالسياسة قبل فوات الأوان.
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=21102
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 08 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 19