• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : من المتنبي إلى محبوبته بغداد .
                          • الكاتب : د . جواد المنتفجي .

من المتنبي إلى محبوبته بغداد

 للهدوء أحكامه 
    في أعادة افتتاح شارع المتنبي 
     من المتنبي إلى محبوبته بغداد  
     الزمن : الثالثة بعد الزوال  
المكان: بغداد - شارع المتنبي 
                - 1 -
- ها أنا عدت توا ..
من آماد عينيك،
فأزح أشواقك عني 
كي أعود منها إليك
هذا ما كان يتناغم به عندما فاجأته اللسنة لهيب النار وهي تأكل كل الأشياء لتتحول إلى رماد تناثر ليغط فيما حوله  .. إضافة إلى طبقات من سحب الدخان الكثيف التي راحت تتصاعد لتحاصر الأمكنة والزوايا عاملة في الوقت ذاته على حجب الرؤى عن مبهر عروسته التي لطالما شبه هيأتها بكتب إشعاره بـ ( بشهريار) .. شهريار التي كانت ولا زالت تنتظر عودته بفارغ الصبر بعد أن حصد البعاد ليدمر ما تبقى من ذكريات جميلة فكيف يا تراها ستستقبله وفي مثل هذا اليوم المشئوم ؟ ولكنه وعلى الرغم من ما آلم به  في منأى غربته ، باغتها بمجيئه فجأة .. طارقا أبوابها .. مناغيا إياها بسفر من كلم إشعاره .. متناسيا ما أحدثته أصوات تلك المفخخة اللئيمة من صخب ودوي عصف بكل شيء حي ، لتعبث شظاياها بجنائن الشارع الذي سمي باسمه حيثما كان الأحبة يلتقون هناك.. وهناك أيضا ، وعلى الجانب الأيمن من دجلتها ، وحيثما كانت العصافير تتهاوى صريعة من جوى حريف الجذوة المشتعلة اثر مداهمة الحرائق أعشاشها والتي بنتها بين مهاوي شناشيلها الأزلية .. هبت من أنفاسه ريح باردة وكأنها أضحت تطفئ حرارة كل ما احترق ، وبينما كان يحاول إزاحة ما خلفه من زكم الدخان عن انفه الذي انثال من أتلاف ما تبقى من أكداس الكتب والدفاتر والصور  المنتشرة على طول أروقة  وأزقة شارعه ، أذعن سمعه لصوت محركات المراكب الغادية والرائحة والتي بدأت ترسوا للتو على عجل بمجرد سماعها بالخبر ، فتأخذه لهفة عميقة وهو يتتبع مسرى النهر الذي يشق المدينة إلى نصفين ، فيكونان منهما شفتين انبثقتا وكأنهما كرزتي من عنب أنهلت على شكل قطرات من عصير الزبيب لتنطق بكلمات كانت كسيح خرير الماء العذب لتنز من منابعه على شكل حروف منمقة ما فتئت إلا أن تنهمر بوقعها على السامعين كنقر حبيبات المرجان على نفائس شقائق النعمان.. 
               - 2 -
وفي اللحظات التي تيقنت فيها ( شهريار ) بأن نهم نظرات ضيفها الواجدة..الجارفة.. بدأت توخز بمحاسن ضفافها المطعمة بفيروزات امتد بريقها بلا هوادة على طول الأفق، كانت تشعر بان تلك النظرات تفززها من وهدتها كلما آل بهمساته الناعسة الخجولة ، متأملة منه بان يكف النظر عنها وبهذه الطريقة المسحورة ، ولكنها توصلت إلى قرار أخير ألا وهو أن كل هذا أصبح شبه بالمحال ، بعد أن غالى بوصف عشقه لها في كم كبير من أكداس دفاتر أشعاره ، وكأنه قد اغرم في تيهها المفتون منذ الأزل ، وبين الوهلة والوهلة كان يجد هو نفسه مذعنا ، بل ومنصتا وبلا إرادة أليها ، وهذا ما ابتدئه عندما أعلنته ساعة ( القشلة) دقاتها ليطل من طلعة وجنتيها أمل كان مغموسا بوده المرهون ، ود كان قد كتبه سلفا على لافتات علقت بشكل عفوي على مداخل شارع ( السراي ).. الشارع  الذي غدت بواباته مشرعة للوافدين منذ أن فك( هولاكو ) حصاره عنه ليشعر الجميع بالراحة والأمان بعد أن حل أخيرا ضيفا عزيزا عليه ليجلس معها حول موائده المعمورة .. موائد كانت تحيطها كراسي من الخيزران سفت ضفائرها من قصب وبردي اهوار الجنوب ، والتي كان يشاع ريعها على أضواء النيون المنتشرة في أبهة الشارع العريق، وها هو الوقت قد آن ألان بعد أن طابت جروحه من اثأر كل ما خلفته تلك المفخخات عاد ليرتوي مرة أخرى من خزائن حنان طيبها ، لذا فلا تتعجب يا أخي القارئ  وأنت تقرءا ما بين سطوري هذه من انه قد عزم أخيرا وبكل إصرار على أن يعلن على جميع الملا بدء مراسيم تتويج عشقه المفتون لها في حضرت مقهى السيد ( الشابندر ). 
             -  3 -
وهكذا أضحت الدقائق التي جمعتهما وعلى غير ميعاد تمر وكأنها على عجل من أمرها.. ومن آن إلى حين كانت ( شهريار ) تنعش ذاكرته بأدق تفاصيل ذكرياتهما، ليسترد شيئا من أيامه الماضية.. أيامه التي توترت لسالف من الأعوام ذبح فيها طاغوت العصر والزمان الكثير من خلانه ، فيتدفق في دواخله دمه الحار ، ويعود وكأنه يسري من جديد بين أوعية شرايينه.. كما أمست تتناغم دفق جريانه بحثيث مع كل ضربة من ضربات قلبه المتئدة.. إذا ذاك ، ولما كان يحس بان النبض عاد للتو ليدب فيه مجددا ، وبان هالات غمم البعد السوداء قد انزاحت تماما عن محيط هالات عينين محبوبته ( بغداد) ، تلوح لـه ومن خلل ثلة الصور المرسومة في مآقيها انتصارات عشقه اللامعة .. انتصارات تكاد أن تصير أشبه بومضة خاطفة مع أول رمية من الصيادين لشباكهم في أنصاف عيون دجلتها، فتتهيأ لـه أشكال طيفية ، فكأنه سباح ظهر للتو من غمرة أعماق نهرها النافل الآفل.. سباحا ابتسمت لـه زنابق الدنيا المشتولة بوريده ، وبغتة ومن فرط فرحه يصيبه نوع من الإغماء ، فيقرر عند ذاك العودة بأدراجه ، أي العودة إلى غفوته من جديد بعدما أحس بهلامية شعاع ما بدأت تزفره أنفاسه على طول تعرجات إطلالات عنقها المعتصم بعقد من ياقوت فراها الوارفة منذ الأزل على ضفافها، وكأنه تشبث مجبولا بلؤلؤة من قيعان وأجراف ضفاف دجلتها . 
وبدون أن يدري، وبلا شعور منه أيضا.. يدنوا منها أكثرا حتى بدت لها المسافات البعيدة بينهما ما عادت إلا قليلة.. أي لم يعد هناك ما يفصل بينهما شيئا سوى قدر يسير من المليمترات ، فتذوب روحها الواعدة الواجدة  بأنفاسه ، وتهوى هي الأخرى صريعة كلما كان يزداد بدنوه منها ، وقتئذ ومتى ما أحست بلفح لهيب همساته المتدفقة في شحمي أذنيها تستسلم هي هذه المرة لتلك التراتيل التي تبثها نداءاته أليها .. نداءات كانت تنطلق من أعماقه كالأسود من عرينها ، فيبدأ بترتيل أغنيته المعسولة ، ولنستمع نحن أيضا لما كان يردده لها: 
- أنا حبيبك المتنبي  ،
 وربان سفنك الهادية من شتى البحور! 
أنا من لف المحيطات البعيدة،
والذي رافقته الطيور المهاجرة  
أنا من نام على دجلتك  بصف الزهور
أنا الذي قرأت في مرايا وجهك 
سفر العراق العملاق..
أنا الذي طال بحثي عنه 
منذ عدة دهور 
              -4-
وهكذا استأنف تجواله بحلم أثير قضي معظم لحظاته المتبقية بين مفاتن مرافئها العديدة.. كان مثل الحمام الزاجل لا يكل ولا يمل من تتبع السفن الهادية نحو صوبها لتأتيه بالزاد والأخبار كلما راحت تباعد المسافات فيما بينهما ، أو متى ما هو أبحر ليرسوا في مرافئ المدن والقرى البعيدة الوارفة ببساتينها على طول الصوبين ، وهو الذي اسبر أغوار تلك المحيطات البعيدة جزافا من اجل الوصول أليها ، كما انه ولطالما كان يبحث وبعنان عن شواطئ جزرها النائية المفقودة ، ولكنه لم يجد شيء سوى لون زرقة سمائها المرسومة بعيون الأحبة الذين غادروها على حين غفلة في هجرة الفصول الأربعة .. إذ ذاك تذكر كم من مرة رسا مقتولا بين أهداب حكايات أماكن كانت كثيرة وظليلة كـ ( مقهى الخفافين – وخان الباججي – وخان السرور الصغير ) ؟ .. كم بات متيما بـ           ( شناشيل سوق الصفافير ) ولسنين طويلة ؟ وماذا تراه سيفعل ألان وفي هذه اللحظة بالذات بعد أن اكتشف معظم قاراتها الغير مأهولة ؟ 
           - 5 -
وهكذا ظل يحسب ويعد.. حاصيا جميع قبلات الشوق التي طبعها على خدها ، وجنات باتت هي الغنيمة الوحيدة التي حصل عليها من مغامرات سفراته تلك ، مما دفعه هذا إلى أن يذعن لأمره المحتوم :  بأنه لا سبيل له هناك من أن أذى ما سيصيبها كلما كان تتطلع أليها أعين الشماتة والعذال ، والذين جربوا كل ما في وسعهم في سبيل تشتيت وحدتها ، وفك عرين الارتباط الذي ظل يرقرق بسيماء السلام والأمان المرسوم على جبينها الغر، حيثما كان الإخاء والمحبة بعيدا عن الفرقة ، وهكذا بدء هو ألان كظلال في مآقي عينيها ، فينشد للآخرين ومن جديد مقاطع من أحد أغانيه المعسولة:
- ( ألم تكوني زمان قرة العين 
  فمن ذا الذي أصابك يا بغداد بالعين ! )  
أما هي والتي كانت قد جملت معظم أيام حياته، ومنذ اليوم الأول الذي التقت به عند (  شارع النهر ) ، اليوم الذي تبددت فيه كل أحزانه التي كانت تنتشر بين عشب وأدغال غابات حياته الحزينة .. حياته التي تململت من مغالاة طول صمته بعد أن مرت فترة ليست بالقصيرة.. لذا قررت هي أن تمتلك زمام المبادرة هذه المرة ، فباغتته وهو في غفوته لينتبه إليها ولو قليلا ، وما لبثت ألا أن قطعت كل تأملاته قائلة :  
- يبدو أن طول مشوار الرحلة قد أنهكتك كثيرا ، بعد أن تهت بين عيوني ولمرات عديدة ، فمن أين يا ترانا سنبتدئ ؟ فأنا لا اعرف بالضبط بماذا تفكر به الآن ؟ 
اعتدل بجلسته قليلا ، ثم أجابها بكلماته المعهودة المعسولة : 
- كنت أفكر بأشياء كثيرة.. بخلق شي جديد لي ولك .. وللآخرين. 
- أن توغلك في أعماقي ، وبهذه الطريقة المذهولة بالذات يتركني أعاني من قسوة وحدتي ، لأنني اشعر وأنت في هذه الحالة .. اشعر بأنك قد أصبحت بعيدا جدا عني ! 
- كلا يا حبيبتي.. أنا قريب جدا منك ، فأنت دوما على بالي .. بل وفي كل لحظة معي ، ولا تنسي أن التفكير العميق هو صفاء للنفس .. انه نوع من الرياضات.. رياضة نفسية مدعوون كلنا لمارستها لكي ننسى أصوات أزيز رصاصاتهم الطائشة وشظايا مفخخاتهم الملعونة .
- وهل تستخدم هذه الرياضة دوما كسلاح ؟
- نعم وفي المواقف التي يتطلب فيها عدم الإذعان لدوي الأسلحة الصاخبة ، وخصوصا في الأحايين التي أود قلع شيئا ما بهدوء 
- وماذا تنوي قلعه هذا المرة ؟
- لا شيء، إنما افترضت فقط ! 
- وهل تضع دوما فرضياتك مسبقا ؟
- نعم ، وكلما خططت لفعل شيء ما .
- مثلا ؟
- التفكير بالمستقبل الزاهر السعيد ، فرحلتنا رغم أنها لا زالت شاقة وصعبة ، فهي تحتاج إلى الكثير من الأدلة والبراهين الدامغة لتحقيق هدف ما ، وعلى سبيل المثال : كيف اختيار الوسيلة الأمثل والملائمة لعودة الآمان إلى مدنك الممتدة على طول وعرض البلاد  ؟  كيف لي بان اصطفي السبل الأقصر التي تضمن وصولنا لغد أفضل ؟ ولا ننسى أيضا أن نضع في حسباننا تحديد نقطة الشروع لتنفيذ كل ذلك ، وهذا هو المهم 
- وهل تريد أن تكون  ( كريستوفر ) آخر ؟
- أن ( كريستوفر ) عندما ركب البحر.. كان قنوعا .. طموحا.. مصمما على أن يجد شيئا ما خلف تلك البحار ، وفعلا وجد ما كان يرمي أليه .
- وماذا وجدت أنت في سفراتك تلك ؟
- التمهيد لخوض البحار الشاسعة ! وبأي سلاح من الأيمان نجابه أولئك الوحوش الذين عبثوا بشوارعك الآمنة الجميلة ، والذين أمسوا يعبثون بإرث كل ما يعود لنا ، وخصوصا بعد أن غابت تلك الأمسيات الساحرة ، والتي لطالما كنا نحلم  بها سوية على ضفتي دجلتك ، ولهذا ترينهم اليوم يحاولون نسف كل الجسور الممتدة بيننا لكي يحولون دون وصولنا بأمان للضفة الثانية من النهر.. 
- ربما مخاطرتك هذه تبعث الرعب في نفوس العشاق والأحبة، وفي مقدمتهم أنا !  
- لماذا ؟
- لأنني لا اعرف السباحة أولا ، وأخاف من دوار البحر ثانيا ، إما وأنا على اليابسة فأخاف من إصابتي بدوامة القلق من الطريقة التي تفكر بها أنت بالذات في مثل هذه الأمور !
- القلق أفيون لا يهاجم إلا من رخت أعصابه .. ويمكنك تعلم السباحة تباعا، وشرب الدواء تمنعا من دوامات البحر، وبهذا سيلغي قلقك على اليابسة مع سبق الإصرار ! 
- وهل افعل هذا كله لوحدوي ؟
- نعم .. لتبنين فرضياتك على شيء من الصحة .
- وبماذا ابدأ ؟
- تعلمي أولا ... كيف تقتلعين شيئا ما بهدوء !!
 ضحكت من أعماقها.. ودنت منه أكثر لتحتضنه بإصرار 
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=2295
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 01 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 20