• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هذا هو شعبك .
                          • الكاتب : د . نبيل ياسين .

هذا هو شعبك

كلما تحدثت مع سياسي حول ما يحدث في العراق وضرورة البحث عن مخرج من الأزمات المتلاحقة يقول لي : هذا هو شعبك.
وكلما تحدثت مع مثقف يتعاطى الايديولوجيا السياسية ويكتب بعض القصائد وبعض القصص وبعض المقالات عن ضرورة الدفاع عن حق الشعب العراقي بحياة حرة وكريمة ينال فيها حقوقه يقول لي: هذا هو شعبك.
ما به هذا الشعب؟
انه ضحية لصنفين من (القادة). الصنف الأول هم القادة السياسيون. وفي كل العالم الديمقراطي مارس الساسة الديمقراطية والتزموا بالقوانين وطبقوا ما شرعه البرلمان والتزموا بالمبادئ الدستورية وخضعوا لسيادة القانون وخافوا من الشعب ومن الرأي العام واستقالوا بعد الفضائح وبعد ظهور عجزهم عن القيادة او الاحتجاجات السلمية ضدهم لانهم لم يفوا بوعودهم او ينفذوا برنامجهم وسلموا القيادة لشخص آخر او جيل آخر او فائز آخر، واعتبروا ان مدة صلاحياتهم انتهت لان القيادة لم تنزل عليهم من السماء،  فهي ليست تكليفا إلهيا سريا وغيبيا، وإنما هي منحة من الشعب لفترة محددة .
لم يسجل حزب المحافظين باسم ورثة مؤسسيه او قادته ، لا تشرشل ولا تاتشر. ولم يسجل حزب المحافظين باسم ورثة ماكميلان او هيوارد او توني بلير. وانتهى حزب الأحرار بعد الحرب العالمية الأولى مع ضمور شعبية رئيسه، رئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج الذي كان في الحرب الأولى يشبه تشرشل في الحرب الثانية من حيث الدور القيادي لإنقاذ بريطانيا وانتصارها.
الحقيقة انه هذا هو شعبي.. ولكن ليس هؤلاء الذين يقولون ذلك هم قادتي . او قادة شعبهم. هذا هو الفرق الأعظم. ولذلك يلقي السياسيون فشلهم على شعبهم ولم نسمع قائدا أوربيا، سواء انتصر او انهزم،  يلقي اللوم على شعبه.
لدينا مئات القياديين في البرلمان والأحزاب والكتل البرلمانية . كلهم يحتقرون شعبهم لانهم فاشلون وليس لان الشعب فاشل. ليس هناك شعب فاشل، هناك قادة فاشلون لا يستطيعون قيادة شعوبهم الى النجاح والتقدم والتطور والعيش بسلام وتمدن.
حين اسمع وأشاهد النواب والقياديين ( وما أكثرهم كثرةً لم يشهد العراق لها مثيلا من قبل في عدد القياديين) في الكتل البرلمانية من مختلف الاتجاهات يصرحون بان كل ما يخالف مصالح قادة كتلهم بأنه مخالف للدستور. فيصبح القضاء على الإرهاب مخالف للدستور، والقبض على المجرمين من القتلة والسراق مخالف للدستور  أتصور اننا في يوم قريب سنسمع بان بيع الشلغم مخالف للدستور اذا لم يكن احد القادة يحب الشلغم، وان شراء الشراشف والأغطية مخالف للدستور اذا كان قائد آخر يحب المكشوف ويكره الستر. انها تصريحات مجانية وابتزازية تكشف عن جهل حقيقي بماهية الدساتير كما تكشف عن طمع سياسي واحتكار حزبي يسعى لسحق الدستور وحرقه بنار النزاعات السياسية. اذا كان نواب وقادة الشعب يمارسون ذلك فلا استغرب ان اسمع  ان بائعا للأدوات الاحتياطية للسيارات يقول ان استجواب رئيس الوزراء مخالف للدستور وان بائعا للخضروات يقول ان التظاهرات مخالفة للدستور ، وان سائق سيارة أجرة يقول ان منع رفع صور صدام والعلم القديم مخالف للدستور وان حارسا لبناية يقول ان اعتقال من يشتبه بضلوعه في الإرهاب مخالف للدستور فاني أتساءل ما معنى الدستور ومن يقرأ الدستور ومن يفسر الدستور ومن يقرر صحة أحكامه .
الصنف الثاني من القادة هم المثقفون. ولدينا، اذا اعتبرنا ان كل من كتب مقالة وكتب قصيدة مثقفا، وكل من عمل في صحيفة او فضائية او راديو مثقفا، وكل من علق على محاضرة وأرسل رأيا الى موقع الكتروني مثقفا، وكل من اعترض على المالكي مثقفا. وكل من انتقد من اعترض  على المالكي مثقفا، وكل من رفع شعار إسقاط النظام مثقفا ، وكل من قال لنطرد الصفويين من بغداد مثقفا، وكل من قال لنطرد أحفاد العثمانيين الطورانيين من العراق مثقفا، فسيكون لدينا اكثر من عشرة ملايين مثقف في العراق. لكن دعونا نعتبر العدد ضعف عدد السياسيين فيكون لدينا مئات المثقفين الذين يشتكون من شعبهم ويقولون (هذا هو شعبك) . وبدل ان يقودوا فكرا تنويرا من اجل هذا الشعب ،يصطفون امام أبواب السياسيين والبرلمانيين بحيث جاز لي ان اقول ان 680 نائبا بريطانيا يمثلون ثمانين مليون بريطاني لايعرف الشعب البريطاني منهم سوى اثنين او ثلاثة. فاذا حدثت ازمة في التعليم يستضيفون وزير التعليم في حكومة الظل ليعطي رأيه الاخر ، وإذا حدثت أزمة في النظام الصحي يستضيفون وزير الصحة في حكومة الظل ليعطي رأيه ويعبر عن فكرته البديلة، لان شغل النواب هو انتظار اتصال من مندوبي الفضائيات( لا يجيب النائب او الوزير على مكالمات الآخرين لكنه يفتح تلفونه حالما ان يرى اسم اي صحفي) وإعطاء تصريح مع رشوة في ظرف بحيث صار النواب ضيوف الفضائيات وليس نواب الشعب. وفي بريطانيا العظمى (سابقا)، يوجد اقل من عشرة محللين سياسيين يزودون أجوبتهم بمعلومات تقنية ومعارف ثقافية . فالمحلل العسكري اثناء الحرب يشرح الأسلحة المستخدمة وأمورا عسكرية أخرى لكي يطلع المشاهد على مجريات أخرى لا تذكرها الأخبار. والمحلل الصحي يفعل مثل ذلك في المجال الصحي وهكذا .فالتحليل السياسي اختصاص وليس (سوق هرج ومرج) وليس بالضرورة ان يكون كل المحللين سياسيين او حزبيين يدافعون عن هذا ويشتمون ذاك ويقولون عن كل ما لا يعجبهم انه مخالف للدستور.

ما هو الدستور؟
الدستور هو عرف تتركز فيه المبادئ العامة لتنظيم السلطات، لكن المشكلة ان لا احد يعرف الدستور ولذلك كل طرف يعتقد ان ما يفكر به هو دستور.
الدستور يعرف السلطة ويقدم تبريرات قبولها وهذا موجود في الدستور العراقي
الدستور يقوم بتوزيع السلطة بين القوى الموجودة في الحياة السياسية وهذا موجود في الدستور العراقي
الدستور ينور الرأي العام  بما يجب على السلطة ان تقوم به وهذا هو النقص الفادح. ليس بالدستور وانما في علاقة الرأي العام به. فلا احد ، وبضمن هذا اللا احد الطبقة السياسية العراقية ، تنور بالدستور فكيف ينور به الرأي العام.
والدستور هو نظام عقلاني واضح يتوخى الاستقرار لا الفوضى ، والأمان لا الخوف، يجنب اي بلد إمكانيات الانقلابات والتخريب والعنف والتهديد باللجوء الى السلاح والحرب ، كما يجنب البلاد الغوغائية والاضطرابات الجماعية والهبات الفوضوية، ويوقف الجرائم السياسية.
هنا بيت القصيد كما يقال: فالإرهاب هو جريمة سياسية وهناك من لا يريد للدستور ان يوقفها وللقانون ان يحاسب عليها.

هل الدساتير دينية وغير دينية ؟
ليس هناك دستور ديني ودستور غير ديني. فكل دستور ليبرالي يتضمن ،اصلا ، الوصايا الدينية. الدساتير تحرم القتل والسرقة والرشوة والكذب والحنث باليمين
وظلم الوالدين وذوي القربى والغرباء. اليكم الوصايا العشر وابحثوا في الدساتير فستجدون ان كل دستور علماني ليبرالي يتضمن جميع الوصايا الإلهية ولذلك لا حاجة لان يتسلح رجال الدين بالفيتو في المحكمة الاتحادية. فمن جملة الوصايا : لا تقسم بالرب باطلا. وهي الوصية الثالثة. ولكن كم قياديا عراقيا اقسم بالله باطلا فلم يصن الامانة ولم يحافظ على حياة العراقيين ولم يحافظ على المال ولم يحترم الدستور؟ اما الوصية السادسة فهي لا تقتل. ولست بحاجة لان اقول ان مئات ممن (يؤمنون) بالله ويصلون ويصومون ويحجون يقتلون  في العام الاف العراقيين ويريدون إلغاء قانون مكافحة الإرهاب ليستمروا بالقتل. قد يكون من حق الجميع مطالبة الحكومة باحترام حقوق المشتبه بهم من المعتقلين وإخلاء سبيل من يثبت التحقيق براءته. ولكن ليس من حق هؤلاء (المؤمنين)  ان ينكروا وجود الله الذي حرم القتل. فالوصية هذه موجودة في القرآن ايضا (من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا).اما الوصية الثامنة فهي تحرم السرقة ،والتاسعة تحرم شهادة الزور. اما وصايا القرآن فهي لا تختلف عن وصايا بني إسرائيل والوصايا المسيحية. فتحريم القتل ورد في سورة المائدة (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) والقسم بالله باطلا ورد في سورة البقرة ، وتحريم السرقة ورد في سورة البقرة ايضا (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) . وتحريم السرقة ورد في سورة المائدة الاية 38 ( (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا).  فاذا طبقنا القران على القادة، فكم من القادة سنرى بدون ايد ؟
اما شهادة الزور فقد حرمتها سورة البقرة في الآية 283  (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). فلماذا يطالب البعض بدولة دينية وهو لا يطبق الدين بينما تلتزم الدولة المدنية في دساتيرها بتطبيق وصايا الأديان ؟
لماذا لا يريد كثير من (المؤمنين) العراقيين اعتبار قتل مئات الآلاف من العراقيين متعارضا مع القرآن فيطالبون بإلغاء كل القوانين التي تعاقب القتلة ؟
هناك مقابر جماعية وإعدامات وسجون وتعذيب ارتكبها صدام وأجهزته. فلماذا يصر بعض الساسة على الافتخار بتلك الجرائم؟ هذه هي المشكلة . ليست القضية قضية سنة ضد الشيعة، او شيعة ضد السنة، بقدر ما هي قضية هل هناك إيمان بان القتل عمل قرآني وان معاقبة القاتل عمل شيطاني؟
لا احد يعترف بان صدام مجرم. وهذه هي المشكلة. اي مشكلة عدم الاعتراف القانوني بان صدام قاتل

الدساتير اكتملت بعد حرية الصحافة
يعتبر القرن التاسع عشر قرن النضال من اجل حرية الصحافة في اوربا. وقد اقترن هذا النضال بقضية جوهرية كبرى : حرية الصحافة تعني الدفاع عن جميع الحريات الأخرى، وقد تتوج نضال القرن التاسع عشر بفتح الباب أمام تعديلات دستورية غاية في الأهمية. فقد كان القرن الثامن عشر قرن تقليص صلاحيات الملكيات المطلقة وإعطاء كثير منها للبرلمانات. كان القرن الثامن عشر قرن الصراع بين الحكم المطلق وبين البرلمان في اوربا. وبعد ان نالت الصحافة حق وحرية التعبير بدأت مرحلة جديدة أسست لما عليه اوربا الآن. فقد شهدت نهايات القرن التاسع عشر نضالا من نوع جديد بعد تقليص الصلاحيات المطلقة هو شحن الدساتير بالحقوق والحريات الفردية. وهي أبواب لم تكن موجودة قبل ذلك.ومع بداية القرن العشرين دخلت هذه الحقوق والحريات الى اغلب دساتير اوروبا، وما الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الامم المتحدة عام 1948 الا دستورا اوربيا مهد الطريق امام الوحدة الاوربية، التي تحققت بدورها بسبب امرين: صعوبة شن الحرب بين الدول الاوربية بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت الحروب مسألة برلمانات وليست مسألة حكومات، ووحدة لائحة الحقوق التي يتضمنها كل دستور اوربي. هكذا وجدت الوحدة الأوربية نفسها متحققة تراكميا وتدريجيا في الاتحاد الاوربي.
هذا هو شعبك. نعم، وهذا هو شعب الانجليزي والفرنسي والامريكي والايطالي والهولندي والسويدي والدنماركي ايضا. فهناك قادة ونخب يصنعون للشعوب متغيراتها ويحولون شعوبهم من حالة الى حالة. فالبرلمان الانجليزي هو الذي انهى حكم الملك شارل الثالث المطلق عام1649وقد اخطأ الملك خطأه الفادح الرهيب حين أعلن الحرب ضد البرلمان الذي كان يريد ان يؤكد حقيقة (ان البرلمان يحكم مع الملك) وحين رفض الملك مشاركة البرلمان في الحكم خسر ملوكيته وأصبح البرلمان الحاكم في انجلترا.
لم يقل كرومويل، الذي قاد البرلمان ضد الملك: هذا شعبك. فحين اصعد الملك شارل الى منصة الإعدام بتهمة الخيانة العظمى للشعب كان الشعب يريد من قادته ان يفتحوا له أبواب الحرية.
هذا هو شعبك. نعم، ولكن قادته يقودونه الى ان يكون شعبا بلا حريات لان معظم قادته ليسوا احرارا ولا يفكرون بحرياتهم وهم في احزاب هرمية التنظيم، سرية المعلومات، مبدأها الأول والأخير هو الطاعة. حتى أفضلها يسارية تمارس مبدأ : نفذ ثم ناقش، وفي نهاية الأمر يتم التنفيذ ويمنع النقاش.
هذا هو شعبك
نعم هذا هو شعبي.
فقادته يحتقرون القانون ولا يفكرون به حتى لو رفعوا شعار دولة القانون. ولا يؤمنون بحقوق المواطنة حتى لو رفعوا شعار دولة المواطنة، ولا يؤمنون بالحقوق والحريات السياسية والمدنية والاجتماعية حتى لو رفعوا شعار دولة جميع الحقوق.
لدينا ارث عميق من الحكم المطلق. وكما في اوربا اختلط هذا الحكم المطلق بالدين والقبيلة والسياسة والمال. والفرق العميق بين الخلفاء الراشدين وبين الدولة الأموية وما بعدها  هو ان المال تحول من مال عام للمسلمين الى مال خاص للخليفة. وان الخليفة لم يعد محكوما بالمسلمين وانما أصبح المسلمون محكومين بالخليفة. فحق النقد، الذي كان سائدا في خلافات ابي بكر وعمر وعلي انتهى تماما وتحول الى جريمة يعاقب عليها الخليفة وليس الإسلام. والحق في المال العام تحول الى نزاع، منذ ايام ابي ذر الغفاري ، بين الخليفة وبين الرأي العام.
هذا هو شعبك.
اذا كانت السلطة تستخدم القمع الذي يصل الى حذ القتل وتجد من المثقفين من يصفق لهذا القتل ويعتبره عملا ثوريا فلا يمكن ان نلوم الشعب ونقول هذا هو شعبك.
دعونا نقل : هؤلاء هم القادة السياسيون ووراء هؤلاء هم القادة الثقافيون. هذان النخبتان اتحدا في طبقة واحدة كما كان العهد دائما في اتحادهما في الحكم المطلق.
الأفضل ان نقول : هذه هي طبقتك السياسية، فاسدة، متخلفة قانونيا، وجاهلة ثقافيا وغير مسؤولة اخلاقيا امام شعبها. والا كيف يمكن الاقتناع بتصريحات بعض النواب بان تحديد مدة الرئاسات الثلاث يصطدم مع إرادة الناخب العراقي؟ فهؤلاء النواب لا يفرقون بين الديكتاتورية المؤبدة وبين الديمقراطية المتنقلة. ومن هو الوصي على الناخب العراقي؟ الدستور ام النائب؟ وكيف يمكن الاقتناع بتصريحات بعض النواب من جهة أخرى بان كل اعتقال لمتهم بالإرهاب هو استهداف لطائفة معينة؟
هل هذه ثقافة سياسية؟ في كل دول العالم الديمقراطية يعد النائب اعدادا ثقافيا وسياسيا وقانونيا لسنوات طويلة. ولدينا يعد النائب اعدادا حزبيا ليكون ضد القانون وضد الدستور وضد التعددية وضد الديمقراطية. وضد المواطن.
هذا هو شعبك: ينوح ويشتكي ويحتج وينتقد ويسب احيانا، ولكنه لا يفعل شيئا آخر.
ما هو هذا الشيء الآخر؟ انهم يعنون الثورة. بمعني هذا هو شعبك يقبل بتردي اوضاعه ولا يثور.
لماذا لا يثور؟
ل ايثور لان الوضع السياسي المضطرب طائفيا لا يسمح له بالثورة.. لكن الثورة تواجهها دعوات العودة الى النظام القديم.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=26480
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 01 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 21