• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : 22-ملامح التجديد في الشعر العربي - الجاهلي : الوزن والقافية .
                          • الكاتب : كريم مرزة الاسدي .

22-ملامح التجديد في الشعر العربي - الجاهلي : الوزن والقافية

تنوع وزن وقافية القصيدة الواحدة في شعرالعصر الجاهلي ... هل هو تجديد  مقصود أم شذوذ عن العمود ؟!
1 -  الشذوذ في الوزن المفضي للتجديد المعدوم :
لابدّ  لنا عند الدخول إلى التجديد الفعلي أن نمرّ على ما أشرنا إليه في حلقات علمي العروض والقوافي السابقة مما طرأ على الشعر الجاهلي من شذوذ لا نعتبره تجديداً , لأنه جاء على لسان الشاعر  , إما هفوة ساهية وإمّا شهوة عابرة , فلم يكن نهجاً مقصوداً مضبوطاً بقواعد لاتقيد حريته , مورّثاً للأجيال لتتلاقفه   , فمن ناحية الوزن , قد خرج شاذاً عن نظامه العمودي المقدس شعرياً في عصره عبيد بن الأبرص الأسدي ( قـُتل 24 ق هـ / 598 م ) في قصيدته الشهيرة :
أقفـرَ من أهلهِ مَلْحـوبُ **فالقُطبيَّــات فالذَّنوبُ
فَراكِـسٌ فثُعَيـلٍبــاتٌ *** فَـذاتَ فَـرقَـينِ فالقَـلِيبُ
فَعَـرْدةٌ، فَقَفــا حِـبِرٍّ *** لَيـس بِها مِنهُــمُ عَـريبُ
أرضٌ تَوارَثَهـا الجُدوبُ**فَكُـلُّ من حَلَّهـا مَحْـروبُ
إمَّـا قَتيـلاً وإمَّـا هَلْكـًا*** الشَّيْبُ شَـيْنٌ لِمَنْ يَشِـيبُ
هذه القصيدة حيّرت العروضيين والنقاد لبحرها المضطرب , قال عنها أبو العلاء المعري (449 هـ ) :
وقد يُخْطِئُ الرَّأيَ امرُؤٌ وهو حازِم***كَمَا اختَلَّ في وَزْنِ القَريضِ عَبِيدُ
وقال بنُ رشيقٍ القيروانيُّ ( ت 456 هـ ) ومن  الزحاف قبيحٌ مردودٌ ,لا تُقْبِلُ النَّفسُ عليه , كقبح الخلق , واختلافِ الأعضاء في النَّاس ,وسوء التَّركيب مثاله: قصيدةُ عَبِيد المشهورة (26) , تدرجت من النثر - سنأتي على قول السكاكي وقدامة  - حتى عدّها الدكتور شوقي ضيف من (مخلع البسيط ) كما يذكر د . عبد الهادي عبد الله في (ملامح تجديده...) , ويضيف الأخير  مع دخول بعض الزحافات , " فتأتي مستفعلن تارة مستعلن , وتارة متفعلن , وتارة متعلن في الحشو , وتأتي مستفعلن في العروض  والضرب مستفعل تارة , ومتفعل تارة , ومتفعلن تارة , ومستعلن تارة أخرى " (27)  , والبحرالموسوم بـ (مخلع البسيط ) . هو بحرٌ استُخرج من بحر البسيط  , (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ) , أما تفعيلات مخلّع البسيط فهي : (مستفعلن فاعلن فعولن ) , وإليك من عبيد مع التقطيع  : 
أقفر من أهله ملحوب *** فالقطـّبيّات  فالذنـــوبُ
مستعلن فاعلن مستفعل ** مستفعلن فاعلن فعولن ‏
 من يسأل الناس يحرموه***وسائل الله لا يخيبُ
مستفعلن فاعلن فعولن *** متفعلن فاعلن فعولن
/ه/ه//ه  /ه//ه  //ه/ه **** //ه//ه  /ه//ه  //ه/ه
والحقيقة  قلَّما يخلو بيتٌ منها مِنْ حَذْفٍ في بعض تفعيلاته أو زيادة , وتارة تأتي الأبيات منسجمة مع بعضها , والمشكلة ليس في الحشو , وإنما الأهم في أعاريضها , فمثلاً  تتنقل ما بين (مستفعل و فعولن) , مما يعطيك انطباعاً أنّ القصيدة قصيدتان متداخلتان  , ولهذا ذهب أبو علي القالي في معجمه (البارع في اللغة ) بقوله عن التداخل : " قد وقع فيه جماعة من العرب كمرقش ومهلهل وعلقمة بن عبدة وعبيد بن الأبرص وغيرهم " (28)
ونواصل منها :  
وبُـدِّلَـت أَهـلُـهـا وُحــوشـاً***وَغَيَّـرَت حالَهـا الخُـطـوبُ
أَرضٌ تَـوارَثَـهـا الـجُـدودُ**** فَكُـلُّ مَـن حَلَّهـا مَحـروبُ
عَيـنـاكَ دَمعُهُـمـا سَـروبُ *** *كَـأَنَّ شَـأنَيهِمـا شَـعـيـبُ
فَكُـلّ ُ ذي نِعمَـةٍ مَخـلـوسٌ ***  وَكُـلُّ ذي أَمَـلٍ مَــكــذوبُ
وَكُـلُّ ذي إِبِــلٍ مَــوروثٌ * *** وَكُـلُّ ذي سَلَـبٍ مَسـلـوبُ
وَكُـلُّ ذي غَـيـبَـةٍ يَـؤوبُ  ****وَغـائِـبُ الـمَوتِ لا يَـؤوبُ
سَاعِـد بِـأَرضٍ تَكُـونُ فِيـهَا ***وَلا تَـــقُــل إِنَّـنِـي غَــريــبُ
وَالمَـرءُ مَا عَـاشَ فِي تَكذِيـبٍ**طـولُ الحَـيــاةِ لَــهُ تَـعــذيـبُ
  مهما يكن هذا ليس بتجديد لعدم وجود الضابط المعقول , والذوق المنقول , والتقليد المأمول  , فالأمر تم َّ وأغلق في غياهب المجهول . ومن هذه الغياهب ما جاء به الأسود بن يعفر النهشلي ت 600 م ) الذي ضمن أربعة أوزان في خمسة أبيات مجزوء البسيط بوزنين ومخلع البسيط والرجز في قوله :
إنّا ذممنا علـى مـا خـيَّلـتْ***سعد بن زيدٍ وعمراً من تميمْ
وضبّة المشتري العـار بـنـا  *** وذاك عمّ بنـا غـيرُ رحـيمْ
لا ينتهون الدهرعن مولىً لنا**قوركَ بالسهم حافـات الأديم
ونحـنُ قـــــــومٌ لـنـا رمـاحٌ  *****وثروةٌ من مـالٍ وصـمـيم
لا نشتكي الصمَ في الحرب***ولا نئنُّ منها كتأنـان الـسـلـيم (29)
 وهذا أيضاً تجديد زائل , ولون فائت , عابه النقاد  , وقلـّلوا من شأنه , بل دثروه , ولا ندري ما كان سيكون لو طوّروه وتساهلوا معه , ولا الشعراء أنفسهم قد أكثروا مما أتوا به , ليرسخوا نتاجهم في تاريخ الأدب العربي , ونعود لتوضيح بعض ما أوردنا , فمثلاً : البيت الأول من البحرالبسيط عروضه مجزوءة صحيحة (مستفعلن)  , والضرب مجزوء مذال ( مستفعلان) :
                             إنّا ذممنا على ما خيّلتْ***سعد بن زيد وعمراً من تميم
وتقطيعه : 
إنـْناذممْ ناعلى ماخييلتْ **سعـْدبْ نزي دنوعمْ رنمنتميم
/ه/ه//ه /ه//ه   /ه/ه//ه  ***  /ه/ه//ه     /ه//ه    /ه/ه//ه ه
مستفعلن فاعلن مستفعلن*** مستفعلن فاعلن   مستفعلانْ
وعن البيت الرابع من مقطوعة الأسود النهشلي السابقة  , والربط بينه وبين صدر مطلع قصيدة  عبيد  بن الأبرص التي يريد أنْ يلحقها السكاكي بالخطب قائلاً : 
"أصل البسيط مستفعلن فاعلن أربع مرات وهو يستعمل تارة مثمنا وأخرى مجزوا مسدسا وله في المثمن عروض واحدة مخبونة , ولها ضربان أولهما مخبون وثانيهما مقطوع وفي المسدس عروضان العروض الأولى سالمة ولها ثلاثة أضرب أولها مذال وثانيها معرى وثالثها مقطوع والعروض الثانية مقطوعة ولها واحد مقطوع وهذا البيت الأخير المقطوع العروض والضرب يسمى مخلعا، وعن الخليل أن العروض المقطوعة لا تجامع غير الضرب المقطوع والكسائي يروي خلاف ذلك وهو شعر لامرئ القيس : 
عيناك دمعهما سال ***كان شأنيهما أو شال
وللأسود بن يعفر:
ونحن قومٌ لنا رماحٌ *** وثروة من موال وصميم
وفي قصيدة عبيد بن الأبرص وهي أقفر من أهله ملحوب كثير من هذا القبيل، وهذه القصيدة عندي من عجائب الدنيا في اختلافها في الوزن والأولى فيها أن تلحق بالخطب كما هو رأي كثير من الفضلاء" (30) .
نرجو مراجعة الحلقة السادسة من علم العروض لكاتب هذه السطور , وأنا لا أميل بالأغلب القريب من المطلق بهذا الإلحاق السكاكي , فهي قصيدة عدّها العرب من المعلقات العشر , وإن وضع الجمحي شاعرها ضمن الطبقة الرابعة , الأختلاف منحها نكهة التغيير وعدم الرتابة , وهي أقرب بمعظم أبياتها لمخلع البسيط , ولكن لا أعدّها تجديداً , لأن صاحبها لم يخطط للتجديد , فجاءت عفوية , بدون نظام محدد , ولم تتوارث الأجيال نسقها الشعري , بل قد رمى قدامة بن جعفر العديد من أبياتها بالتخليع وهو من عيوب شعر الأقدمين  , وربط بينها وبين غيرها من أبيات شعر العرب الجاهلي   بقوله :" الخروج عن العروض وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط قائله في تزحيفه , وجعل ذلك بنية للشعر كله , حتى ميله إلى الانكسار , وأخرجه عن باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة , إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض فيصح فيه , فإن ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة، ذلك مثل قول الأسود بن يعفر :
إنا ذممنا على ما خيلت *** سعد بن زيد وعمرا من تميم
........................................................................
ومثل قول عروة بن الورد :
يا هند بنت أبي ذراع***أخلفتني ظني ووترتني عشقي
ونكحت راعي ثلة يثمرها **** والدهر فائته بما يبقى
ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص , وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة , وقبح ذلك جودة الشعر , حتى أصاره إلى حد الردئ منه , فمن ذلك قوله :
والمرء ما عاش في تكذيب *** طول الحياة له تعذيبُ
فهذا معنى جيد ولفظ حسن , إلا أن وزنة قد شانه وقبح حسنه , وأفسد جيده فما جرى من التزحيف هذا المجرى في القصيدة , أو الأبيات كلها أو أكثرها، كان قبيحا من أجل إفراطه في التخليع واحدة , ثم من أجل دوامه وكثرته ثانية , وإنما يستحب من التزحيف ما كان غير مفرط , أو كان في بيت أو بيتين من القصيدة من غير توال ولا اتساق , ولا إفراط يخرجه عن الوزن، مثل ما قال متمم بن نويرة :
وفقد بني أم تداعوا فلم أكن *** خلافهم لأستكين وأضرعا " (31)
ومن تداخل البحور نجد في قصيدة المرقش الأكبر , وهي من البحر السريع , العروضة مكسوفة مخبولة , وضربها أصلم  :
هل بالديار أن تجيب صممْ*** لو كان رسمٌ ناطقاً كلـّمْ
هل بالديا  رأنْ تجي  بصصم** لوكانرسْ منـْناطقن كلـْلمْ
مستفعلن   متفعلن  فعِلـُن  *** مستفعلن  مستفعلن فعْلن   
ولكن البيت التالي من البحر الكامل  , لأن وردت تفعيلة (متفاعلن) ثاني أجزاء العجز , إذ تحول الساكن الأول من التفعيلة إلى متحرك , وهذا لا يجوز بالسريع  فتحول إلى الكامل الحذاء العروض وضربه أحذ مضمر   :
ما ذنبنا في أن غزا ملكٌ **** من آل جفنة حازمٌ مرغمْ
ماذنـْبنا  في أنْ غزا  ملكن**منْ أَا لجفْ نتـَحَازمن مرْغمْ
مستفعلن مستفعلن فعِلن*** مستفعلن  متفاعلن   فعْلن
والأمر نفسه ينطبق على قصيدة عدي بن زيد العبادي: 
تعرف أمس من لميس الطلل *** من الكتاب الدارس الأحول
 يقول الدكتور جواد علي في (مفصله) : " هي من وزن السريع , وخرجت بعض شطورها على هذا الوزن كالشطر الثاني من هذا البيت:
 أنعم صباحاً علقم بن عدي ***أثويت اليوم أم ترحل 
فإنه من المديد " (32)
وكذلك ذهب الدكتور شوقي ضيف في (تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي ) بقوله : "فإنه من وزن المديد " (33) , ومثلهما الدكتور علي يونس في ( نظرته الجديدة في موسيقى الشعر العربي ) , ولكن لم يحدد البحر المديد , إذ يذكر القصيدة من (السريع) , ويعقب : " وبعضها على غير هذا الوزن " ويثبت مثل عجز هذا البيت ( أنعم ....) , ويحيلك مهمشاً لكتاب (الأغاني ) , وعلى ما يبدو هو مصدر الدكاترة .  (34) , مهما يكن نقطع البيت , ونبدي وجهة نظرنا :       
أنعم صباحاً علقم بن عدي *** أثويت اليوم أم ترحل
أنـْعمْ صبا حنْ علْ قمبْ نعَدي **أثـوَي تلْ  يوْمأمْ ترْحلْ
مستفعلن  مستفعلن   فعِلن  ** * فعلاتن    فاعلن  فعْلن
هكذا يكون الصدر من السريع , والعجز من المديد , كما ذهب  الأساتذةالدكاترة والأصفهاني من قبلهم  , ولكن إذا شدّدتَ ياء (عديّ ٌ) ونونتها , ودوّرت البيت , يقرأ البيت كلـّه من (السريع) سريعاً , إذ تنتقل ياء عدي الثانية وتنوينها للعجز , فيصبح :
(ين أثويْ  تلْ يوْمأمْ   ترْحلْ ) :  مفـْتعلن  مستفعلن فعْلن 
   فكان من المفروض  أنْ يدقـّق بالأمر , وأبو العلاء في (فصوله وغاياته) يذكر اختلال الوزن في بيت آخر للعبادي : 
قد حان أن تصحو أو تقصر***وقد أتى لما عهدت عصر
هذا الشذوذ في وزن الشعر  الجاهلي الذي تناقله الرواة بأمانة دون تصحيح , لو استغله أبناء عصره أو العصور التي تلت , ربّما لأثمر  عن شعر جديد لذيذ في موسيقاه غير ما نألفه اليوم من صيغة ( تفعيلية) , و (جملة شعرية) متناوبة في تفعيلاتها الموسيقية , فربَّ ضارة نافعة , وربَّ رمية من غير رام  , ولكن الزمن فات , وما فات قد مات !!
2 -عيوب القافية المفضية إلى تجديد معدوم !! :
والقافية ولدت مع الحداء وتقطيعاته ونهاياته المترقبة من مستمعيه , ومن بعد كست الشعر بهاءً ورونقاً ونغماً , فإذا زلَّ الحادي أو الشاعر إقواءً أو إكفاءً أو إيطاءً أو سناداً , فأمّا أن يغطي زلـّته بحدائه أو غنائه مما شجعهم على ارتكابه , أو ينتبه المستمعون الأجلاء , فيشيرون إليه بازدراء , هكذا جرى الأمر في الجاهلية وصدرالإسلام حتى نضج في عهد الأمويين  , فلك أنْ تعتبر العيوب المذكورة خطوة للتجديد , أو كبوة في الترديد , حسب العيب , وإليك هذه الأمثلة : وهذا عنترة , وبيته بعد التصحيح :
ينباع من ذفري غضوب جَسْرة *** زيَّافة مثل الفنيقِ المكدمِ
وأصل ينباع  (ينبع). فـ " قول أكثر أهل اللغة أن ينباع كان في الأصل ينبع فوصل فتحة الباء بالألف " (35) , وذكرنا في عيب (الإقواء) الذي مرّ ذكره عن تقصّد الحارث بن حلزة أن يورد حركة كسرلحرف الروي (الهمزة) عند ذكر ملك الحيرة ( حتى ملكً المنذر بن ماء السماءِ) بدلاً من الضّم حركة (مجرى) القصيدة : ( رب ثاو يمل منه الثواءُ ) , ليثيرانتباه جلالته , ولعلك لم تنسَ النابغة وعيبه حتنى نبهه أهل المدينة بغناء شعره المُعيب على لسان مغنية , وصحح لفظه من ( وبذاك خبّرنا الغرابُ الأسودُ) إلى (وبذاك تنعاب الغرابِ الأسودِ) أو (... خبّرنا الغدافُ الأسودي) فالصفة يمكن أن تلحق بها ياء النسبة , المهم ليتماشى مجراها مع حركة مجرى الروي الكسر (عجلان ذا زادٍ وغير مزوّدِ) , وكذلك في قوله :
تبدو كواكبه والشمس طالعة ***لا النور نور ولا الإظلام إظلامُ
 وكذلك لتجنب عيبه , ومجرى الروي مكسور حوّله إلى (لا النور نور ولا ليل كإظلامِ) .
 ويروي ابن منظور في (لسانه) عن الأخفش قوله : الإقواء رفع بيت وجر آخر, نحو قول الشاعر: 
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم***جسم البغال وأحلام العصافير ِ
ثم قال : 
كأنهم قصــــبٌ جوف أسافلهُ  ***** مثقبٌ نفختْ فيـــــهِ الأعاصيرُ
قال : وقد سمعت هذا من العرب كثيرا لا أحصي ، وقلت قصيدة ينشدونها إلا وفيها إقواء ، ثم لا يستنكرونه لأنه لا يكسر الشعر... فأما دخول النصب مع أحدهما فقليل (الإصراف) , من ذلك ما أنشده الشاعر:
فيحيى كان أحسن منك وجها     وأحسن في المعصفرة ارتداءا
ثم قال : 
وفي قلبي على يحيى البلاءُ
وقال العلاء بن المنهال الغنوي في شريك بن عبد الله النخعي : 
ليت أبا شريك كان حيا***فيقصر حين يبصره شريكُ
ويترك من تدرئه علينا**** * إذا قلنا له : هذا أبوكا
ونكتفي بهذا القدر الكافي من (لسان العرب) الوافي (36) , ولماذا هذا كلـّه عن الإقواء والإصراف , الهدف الذي نريد أن نصل إليه , كان بالإمكان قلب  المثالب إلى مناقب , وهذا ما فعله الشاعر العباسي (طلحة بن عبيد الله العوني) - توفي في القرن الرابع الهجري - حسب ما نقله الشيخ الأميني في (غديره) عن (ابن رشيق) القيرواني في (عمدته) قوله :   
 " ومن الشعر نوع غريب يسمونه (القواديسي) تشبيها بالقواديس السانية، لارتفاع بعض قوافيه في جهة وانخفاضها في الجهة الأخرى , فأول من رأيته جاء به طلحة بن عبيد الله العوني في قوله وهي من قصيدة له مشهورة طويلة : 
كم للدمى الأبكار بالـ***جنتين  من منازل ِ 
بمهجتي للوجد من  **** تذكارهـا منازلُ
 ِِمعاهدٌ رعيـــلها **** مثعنجر الهواطــــل ِ
 لما نأى ســاكنها ***** فأدمعي هواطـــلُ 
وللعوني معاني فخمة في شعره استحسنها معاصروه ومن بعده فحذوا حذوه في صياغة تلك المعاني لكن الحقيقة تشهد بأن الفضل لمن سبق ..." (37)
رتبنا البيت الأول للعوني شطره وعجزه بالشكل العروضي , فهو من مجزوء الرجز بأربع تفعيلات للبيت , وكما تلاحظ مجرى روي البيت الأول والثالث الكسر , والثالث  والرابع الضم , وهكذا تجري القصيدة الطويلة بإقوائها الإبداعي .
ومن الإبداعات الجاهلية المسمطات , والسمط : خيط النظم لأنه يعلق , وقيل : هي قلادة أطول من المخنقة , وجمعه سموط ,  وقيل : السمط الخيط الواحد المنظوم  . وأنشد لطرفة : 
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادنٌ *** مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
 والمسمط من الشعر : أبيات , وقال الليث : الشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة  , ويجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقضي (38) , إذ يبتدئ فيه الشاعر ببيت مصرع غالباً , تسمى قافيته عمود القصيدة، ثم يأتي بمجاميع من الأشطر في كل منها خمسة أشطر: الأربعة الأولى منها على غير قافية البيت الأول (عمود القصيدة) والشطر الخامس على هذه القافية،  ومثاله المسمط المنسوب إلى امرئ القيس : 
توهمت من هند معالم أطلال ***عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصايف ***** يصيح بمغناها صدى وعوازف
وغيرها هوج الرياح العواصف ***** وكل مسـف ثـم آخــــــر رادف
بأسحم من نوء السماكين هطال
فالمسمط هو عقد اللؤلؤ  , والسمط هو الخيط أو السلك الذي يجمع حبات اللؤلؤ, فهو عمود القصيد الذي يتشكل بادئاً من بيت مصرّع , ويتناوب بعد كل مجموعة شعرية  التي تمثل لؤلؤة تتشكل من  أربعة أشطر تنتهي بقافية متماثلة الوزن والروي .
وينسب الرواة إلى امرئ القيس مسمطاً أخر من بحر الرجز , والقيرواني في (عمدته ) يقول : إنه منحول , وأبو العلاء المعري في ( رسالة غفرانه) لا يرتضيه للملك الضليل , فصبّ رفضه على لسان الشاعر نفسه الخالد في  نار جهنم ,عند مقابلته إياه , وأنقل إليكم الحوار الجهنمي للأمانة :
"أخبرني عن التسميط المنسوب إليك، أصحيح هو عنك؟ وينشده الذي يرويه بعض الناس
يا صحبنا عرجوا *** تقف بكم أسج
مهرية دلــــج  **** في سيرها معج
طالت بها الرحل
فعرجوا كلهم  ***** والهم يشغلهم
والعيس تحملهم **** ليست تعللهم
وعاجت الرمل
يا قوم إن الهوى *** إذا أصاب الفتى
في القلب ثم ارتقى** فهد بعض القوى
فقد هوى الرجل 
فيقول : لا والله ما سمعت هذا قط، وإنه لقري لم أسلكه , وإن الكذب لكثير , وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام , ولقد ظلمني وأساء إلي ! " (39)
والحقيقة أن ّ أبا العلاء يكره الرجز كثيراً , ويرى نفسه وامرأ القيس أعلى مرتبة من هذا الهذيان الأقرب إلى النثر كما يزعم , وسنثبت رأيه بوضوح عندما نصل إلى ازدهار الرجز في العصر الأموي , ومن وجهة نظري أراه غير محقٍّ , فالرجز نغم  شعبي جميل مطرب , ينشده الفارس في صولاته , ويردده العامل في ميدانه , وتناغي به الأم طفلها في سريره , بادر به أول شعراء الجاهلية , ثم غرف منه أبو العتاهية في أرجوزة زهده ... حتى السياب في أنشودة مطره  , بل احتضنه الشعراء الروّاد المعاصرون , لأنّه يأتي طيعاً كما يشاء الشعراء ... تاماً ...مجزوءاً ... مشطوراً ... منهوكاً , ونحن قد أنهكنا  التعب , ننهي حلقتنا بالتحيات الزاكيات والسلام



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=26905
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 01 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 16