السرقة حرام والاقتناص قد يكون انتهازية، أو نوعا من الختل غالبا غير محمود إلا في الصالحات والحسنات الباقيات، ولكن ليس أجمل من أن تقتنص سويعات... سويعات من العمر في بقعة مباركة اسمها كربلاء لتقضيها في حضرة الأستاذ الدكتور عبد الرضا علي وهو يتحدث عن العروض والأوزان الشعرية والمقامات والنقد وتجربته في الحياة وأشياء باذخة أخرى، فتجلس فاغرا فاك مندهشا وكأنك تسمع كل ذلك لأول مرة في حياتك.
هذا العالم العلم الذي يحمل أدبا جما يعرف تخصصي ومحل اهتمامي، ولأني كنت أجلس جنبه فقد قطع حديثه والتفت إليَّ وهمس في أذني قائلا: أرجو أن لا ترى في حديثي عن الأدب ما يثقل عليك لأنك بعيد عن هذا التخصص ولا تخوض غمار هذا المجال، قال هذا وهو لا يدري كم كنت مستمتعا بجميل تغريده وحلو نشيده، وكم كنت أتمنى أن لا ينتهي ولا يسكت. ولكي أعبر له عن مقدار غبطتي وكثير سعادتي كتبت هذه الأسطر وأنا اعرف عن يقين أنها لا تفيه بعضا من حقه الكبير.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أطلب العلم من المهد إلى اللحد" ويعني هذا أن الإنسان السوي العاقل الباحث عن المعرفة يجب أن يبقى طالبا مجدا باحثا عن المعلومة دون أن يلتفت إلى سنوات عمره ودرجات عجزه الجسدي ووضعه المادي، ونحن سواء كنا مدفوعين بوعينا وسطوته أو لا وعينا وبساطته ومهما بلغ بنا العمر يبقى اكتساب المعلومة المعرفية يمثل لنا متعة لا تختلف كثيرا عن متعة تعلم الحرف الأول في بدء مسيرة الحياة، فجمال تلك اللحظة يعيده بهاء هذه اللحظة، وشتان بين اللحظتين، وهذه وتلك لحظتان باركهما الله لأنهما تنشدان الوصول بالإنسان إلى مرحلة الإنسانية، فليس الأصل أن تكون آدميا وتكتفي بنصيبك من الحياة، بل يجب أن تنجح بتجاوز مرحلة الآدمية إلى مرحلة الإنسانية التي تمثل ذروة السمو الكوني، ولا يمكن للإنسان بلوغ هذا الشأو إلا بالانفتاح على المستحيل وتجاوز أكثر المعرقلات قسوة وممانعة، فما نيل المطالب بالتمني، وفي طلب العلم يطيب الغلاب فهو حامد ومحمود ومن دلائل العقل وتقدير الوجود.
في مسيرة الطلب المعرفي وهي مسيرة ليس لها حدود يعود الإنسان مختارا لا محتارا إلى مراحل النشأة الأولى، إلى الدرس الأول ليتذوق نكهة ما لم يجد له طعما بالأمس ولاسيما حينما يكون سفره هذا قد جاء متأخرا عن أيام الأمس لدرجة انه بدا السعي وهو قريب من الرمس. الشوق والاختيار قاداني إلى المسير أكثر من ثلاث ساعات متواصلة لأتشرف بحضور جلسة علم، واحضر درسا معرفيا قد لا يتكرر إلا بمعجزة في عصر غابت عنه المعجزات.
حينها أيقنت كم هو حلو أن تتحقق للإنسان معجزة في زمن اللامعقول، وأيقنت كم هو جميل أن يرجع الإنسان إلى مقاعد الدراسة بعد أن يتجاوز الستين وتنهكه السنين، وأيقنت كم هو أجمل أن يكون الأستاذ والتلميذ صديقان حميمان لم ير أحدهما الآخر من قبل رغم ما بينهما من ود، وفي منتهى الجمال أن يكون المعلم قامة باسقة وقمة شامخة مثل الأستاذ الدكتور عبد الرضا علي، وما لا يشبهه شيء في الجمال أن تحيط بك ثلة من عمالقة الفكر والمثقفين والأدباء والفنانين الذين تجاوزوا حدود الأنوية والطائفية والمناطقية وكل مهاترات التاريخ المأساوية التي ترتكب في العراق اليوم باسم الوطنية والحقوق الشرعية والتاريخية ... فما أروع جلوسك في دائرة يتوزع على محيطها الدكتور ردام الدليمي من الأنبار، والأستاذ الدكتور سالم هاشم أبو دله من كربلاء، والدكتور سعد الصالحي من تكريت والأستاذ أحمد الصائغ من السويد والفنان المغترب ذياب آل غلام من أستراليا فضلا عن الأساتذة راضي المترفي من بغداد وحمودي الكناني من كربلاء ورفعت الكناني من واسط وناظم السعود وسلام البناي وعارف الماضي والقاص علي العبودي وعلي الزاغيني والأديب عباس خلف رئيس اتحاد أدباء كربلاء ومحمد النصراوي والفنان فاضل ضامن والدكتور خضير درويش وجبار رضا ووجوه رائعة يانعة أخرى.. ومن الجمال منقطع النظير أن تستمع خلال تلك السويعات إلى حناجر تصدح فكرا وتضوع ثقافة وهي تبكي هم العراق لا كما بكت النائحات.
وأجمل ما الكون أن تحصل بعد ساعتين أو ثلاث من جلستك تلك على شهادة التخرج التي تثبت انك ناجح بامتياز وبدرجة شرف وفي قمة الأبهة والترف ... شهادة تخرج عبارة عن وسام صداقة نقية رابطها الكلمة الطيبة .. وهل أعظم من ذلك شيء؟ ففي البدء كانت الكلمة، والكلمة ألقاها، والكلمة الطيبة صدقة، والصدقة بعشر أمثالها، والمضاعفة بالمِثل لا بالمَثل عِبرة، والعبرة درس، والدرس حياة العقلاء، والعقلاء أعمدة العالم، والعالم لا يتطور إلا بالعلم، والعلم فاكهة العلماء، والعلماء فاكهة الدنيا وترف الوجود وعون من المعبود وسؤدد وخلود. ولقد ثبت لي من خلال هذا اللقاء كم هو خاطئ من يرى إن "الجود من الموجود" فالجود ليس له حدود.