• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : قراءة في قصيدة ( أضواء العاصمة ) لشينوار إبراهيم .

قراءة في قصيدة ( أضواء العاصمة ) لشينوار إبراهيم

د. خالد مهدي صالح
  
 أضواءُ العاصمةِ    
   النواقيسُ تدقُّ .. 
أصواتاً  
ناعمةً عذبة  
مِنْ بقايَا 
برجِ الكنيسةِ المهدَّمةِ. 
الشمسُ 
تُغادِرُ ببطء 
سماءَ أيارَ . 
وبقايا نثارِ أشعتِهَا المتوهجةِ 
تزيد مصابيحَ الشوارعِ والأزقةِ لمعاناً . 
خليطٌ 
مِنَ الأضواءِ 
والدِّفءِ 
والضجيجِ .. 
حيثُ ..
تمتزجُ الأحاديثُ بحميميةٍ
معَ الأنغامِ الصادحةِ
لعازفي الأرصفةِ .
وعلى وقعها
يشرعُ الرسامونَ المهملونَ
برسم
وجوهٍ بشريةٍ متنوعةٍ
مابين ..
الأبيضِ والأسودِ
ومابين
اللغاتِ والألحانِ
في وسطِ العاصمةِ
برلينَ....             
تمثل النصوص الشعرية حالة من البحث عن رؤى تمنح المتلقي استشرافاً وتفاعلاً ، وهذا الأمر يحتم على العملية الإبداعية مغادرة الأمكنة التي وقفت عندها سابقا ولا سيما المبدع منها، وفي هذه القصيدة المتدلية بحركة لولبية متقطعة والساعية إلى إجراء حركة دائرية تحاول من خلالها غلق المنافذ التي يمكن لها أن تسوق النص نحو تخوم بعيدة وربما افتراضية، تبتدىء الدائرة بعتبة النص( أضواء العاصمة) وتنتهي (في وسطِ العاصمةِ برلينَ)، هذا الدوران خلق حالة من الانفصام عن خارج الدائرة ولكن ليس على مستوى التخلي أو الهروب أو التنصل، بل من باب إعادة هيكلة العاصمة ومنحها سمة الشمولية بوصفها مركزاً حضارياً مهماً وأرضاً خصبة للتعايش السلمي وفق توسلات النص التي طرحت مبدأ التواصل الإنساني المطلوب على أقل تقدير.
ففي بداية قصيدته خدعنا إذ جعلنا نضع أيدينا على آذاننا كي لا يعطبها ناقوسه فاذا به يمنحنا عذوبة تقطر من ركام زعم أنه من ركام الكنيسة المهدمة:
النواقيسُ تدقُّ ..
أصواتاً 
ناعمةً عذبة 
مِنْ بقايَا
برجِ الكنيسةِ المهدمة.
هذه التجليات تسير بوتيرة إفضائية رغم أنها خلقت قطيعة مقصودة بين صوت الناقوس وبرج الكنيسة، فكان البياض فيها سواداً كونه حمل تساؤلات تبحث عن بابٍ ترى فيه خلاصها المزمع، ولعل الاتكاء على بقايا الكنيسة فيه محاولة استدراكية للملمة ما انقضى مع زمن تشكل وفق رؤى وطموحات وأحلام وإن كانت جوفاء أحياناً.
ويتسع أفق الشاعر بكينونة احترازية يحاول من خلالها ربط الحياة بسلسلة من الحركات الكونية وهي حالة نجد فيها التفافاً مقصوداً يبغي من خلاله جعل الصورة التي يريد إيصالها مبنية على حدس تفاعلي يجر من خلاله النظر نحو زوايا عدة كل واحدة منها تتمحور نحو تشكيل يقيم في المتلقي إحساساً متبايناً وإن كان الهيكل العام للنص منتمياً إلى ركائز واضحة المعالم ، فمغادرة الشمس تعني بداية الوجه الآخر للحياة وهو الليل الذي به تبدأ نهايات النهار ضمن خط بياني يحاول التأرجح إلا أنه سرعان ما يتدحرج نحو الأسفل بسرعة يُرى فيها محاولة الوصول الى نقطة الصفر، ولذا فإن الشاعر استعجل بناء صوره كي يؤسس لخطابه أفقاً يتناسب مع المدلولية التي انبرت تتسيد المشهد الخطابي كونها لا تقبل أن تتفاقم في حضور لا يمنحها فضاء مقنعاً، فالخليط الذي احتمى به من أضواء ودفء وضجيج أوصله إلى نقطة التحقق التي سعى من البداية إلى أن يظهرها، لاسيما بالناقوس الذي سعى أن يدقه مراراً بثقافة التعايش السلمي التي تعتاش عليها هذه العاصمة الباردة، كما أن الجمع بين الأصوات والضوء والأحاديث والأنغام الصادحة هو محاولة لخلق تشكيل ينتمي إلى الفلسفة الإنسانية التي تتدلى ثمارها في حالة الخواء العاطفي ولمعالجة ما يمكن معالجته وفق تواصل متعدد النوع كونه مرتهن بمدى فاعلية عناصره.  
وتمسي العاصمة على تشكيل أو ربما خليط إنساني يمد يده في واجهتها فيختزل الواقع المعيش بطريقة تسمح بتعويم مركز الالتقاء الذي يمكن له أن يكون مسرحاً لجملة من العناصر الحياتية التي تخلق جواً ينتمي لعالم مطلوب حضوره: 
مابين ..
الأبيضِ والأسودِ
ومابين
اللغات
اللغاتِ والألحانِ
هذه البينية هي استعراض للامتداد الحياتي الذي يفرض نفسه، ودون المساس بالهيكلية المتوخاة في النص، فقد ظهر منها ما يسد فراغات النص ، وبوعي يفوق ما تقاطر منه عند بداية رسم الدائرة، فكان انتهاء النص بسرعة تفوق المتوقع نحو وسط العاصمة برلين، وهي رؤية ابتدعها كي يكمل دائرته التي يرى فيها الحصن المنيع والمدينة التي لا بديل عنها وسط أجواء ملبدة بالغيوم. 
د. خالد مهدي صالح



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=31464
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 05 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 08 / 15