• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : سياحه فكريه ثقافيه (2 ) التعدديه الدينيه .
                          • الكاتب : علي جابر الفتلاوي .

سياحه فكريه ثقافيه (2 ) التعدديه الدينيه

قال تعالى في كتابه المجيد (( أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) البقره ـ 62 الاية الكريمة تضع معيارا عاما للعباد الذين سيجزيهم الله تعالى بالخير ويطمئنهم بان لا يحزنوا او يخافوا ما داموا مؤمنين بالله واليوم الاخر ويعملون الصالحات ،هذا الميزان الالهي عام شامل لجميع البشر بغض النظر عن دينهم او لونهم او جنسهم او عرقهم ، فهو ميزان انساني عام فمن كان قلبه عامرا بالايمان بالله واليوم الاخر وفي الواقع العملي السلوكي يعمل الصالحات من الاعمال التي فيها نفع وخير لنفسه وللمجتمع فسيكون واحدا من هؤلاء الذين ((لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )).
يذكر العالم محمد حسين مغنيه في تفسيره ( التفسير الكاشف ) في معنى هذه الاية الكريمه معنيين الاول ((ان الغرض من الاية ان يبين سبحانه انه لا يهتم بالاسماء اطلاقا سواء اكانت من نوع مسلم او مؤمن او يهودي او نصراني او صابئي ، لان الالفاظ بما هي لا تضر ولا تنفع ، ولا تضع ولا ترفع ، وانما المهم عند الله العقيده الصحيحه والعمل الصالح ...))والمعنى الثاني الذي ذكره مغنيه ((ان افرادا لم يدركوا محمدا (ص) ، ومع ذلك فقد اهتدوا بصفاء فطرتهم الى الايمان بالله وتركوا المحرمات..ومن هؤلاء قس بن ساعده ، وزيد بن عمرو ،وورقه بن نوفل ،وغيرهم ويسمون بالحنيفيين ، وكأن سائلا يسال عن حكم هؤلاء عند الله ، فأجابت الايه بان هؤلاء لا باس عليهم ، وكذلك اليهود والنصارى والصابئه ،الذين لم يدركوا محمدا (ص)، كي ياخذوا عنه التفاصيل ،انهم جميعا لا خوف عليهم ، ما داموا على الايمان بالله اليوم الاخر ، والعمل الصالح)).
وارى ان هذه الاية الكريمة تؤسس للتعدديه الدينيه ، التي تعني قبول الاديان المختلفه وعدم حصر الحق في دين او مذهب معين ،والتعامل مع اتباع الديانات الاخرى بروح التسامح والاحترام ،اذ لا يمكن لاتباع أي دين من الاديان او مذهب من المذاهب ان يدعي ملكيته للحق المطلق ،فالتعدديه الدينيه ( نظرية معرفيه في باب حقانية الاديان والمتدينين ، تكشف الستار عن هذه الحقيقه ، وهي ان الكثره في عالم الاديان حادثه طبيعيه تعكس في طياتها حقانية كثير من الاديان وان كثيرا من المتدينين محقون في اعتناقهم لدينهم ، وان ذلك مقتضى الجهاز الادراكي للبشر وتعدد ابعاد الواقع ومقتضى كون الله هاديا ويريد الخير والسعاده للبشر ،وليس بسبب سوء فهمهم او مؤامرة قوى الانحراف والباطل ،او اتباع الهوى والشهوات او سوء اختيار الانسان او غلبة قوى الشيطان ) . عبد الكريم سروش  والتعدديه سنة الهيه ، فهناك تعددية المخلوقات الكونيه وتعددية السنن والنظم الكونيه وتعددية المخلوقات الحيوانيه والنباتيه ،وتعددية الجنس البشري ،فالتعدديه نظام حياتي كوني طبيعي لا يمكن انكاره او تجاهله،والتعددية كمفهوم معرفي هو عدم انكار الاخر او تجاهله ، والاعتراف بوجوده واحترام خصوصياته ،وكذلك الاعتراف بمنظوماته الفكريه والثقافيه او السياسيه والدينيه ، وعندما تحترم التعدديه بمعنى ان تعيش التسامح والاعتراف بالاخر ،والتعدديه نقيض الحصريه فلا يمكن ان تكون مؤمنا بالتعدديه وفي الوقت نفسه تكون حصريا ، لان الحصرية انما تعني حصر الحق والصواب في جهة واحده ، واعتبار الاخر المختلف على خطأ او باطل هذا المفهوم نقيض التعدديه التي تؤمن بالتسامح وعدم حصر الصواب والحق في جهة او شعب او تكوين معين ، (( اطروحة التعدديه (البلوراليه) تعني الاعتراف برسمية التعدد والتنوع في الثقافات والاديان واللغات والتجارب البشريه ، والتعدديه (البلوراليه) بالشكل الموجود حاليا تعد من نتاجات الحضاره الجديده ، وتبحث في مجالين مهمين احدهما:في مجال الثقافات والاديان والاخر:في المجال الاجتماعي . بمعنى ان الاشخاص الذين يذهبون الى القول بالتعدديه على المستوى الثقافي والديني ، لا يمكنهم التنكر لمقولة التعدديه الاجتماعيه ...وتعتمد اطروحة التعدديه الدينيه على دعامتين : احدهما التنوع في الافهام بالنسبة للمتون الدينيه والاخرى التنوع في تفسير التجارب الدينيه .. ان غرضنا في موضوع التعدديه هوالتبيين النظري والعملي للكثرة الموجوده بالفعل في عالم الاديان لا التأكيد على حقانية احدها وبطلان الاديان الاخرى )).
فليس تاكيد الحقانيه لهذا الدين او ذاك من مهمة الباحث في التعدديه الدينيه او المؤمن بها ، بل المطلوب هو اثبات وجود هذه الكثرة من الاديان وبحيازتها لنسبة من الحق لفترة زمنية معينة كما يقول البعض ،او بصورة ثابتة كما يقول البعض الاخر ، وهذا الكلام يدعو اتباع الديانات المختلفه ان يعيشوا متسامحين فيما بينهم وان يعترف الواحد بالاخر ، وان لا يلجا اتباع دين او مذهب معين الى اعتبار اتباع الديانات الاخرى على باطل ، لان الكل يطلبون مرضاة الله كل بطريقته وسبيله والكل مدعوون للوقوف في ساحة رحمته ليفصل بينهم يوم الفصل ، ((وهذا لا يعني صحة جميع الدعاوى الموجوده وتساوي المقولات والتعاليم الدينيه في جميع الاطراف وان كل قول هو الجق ،فهذا الكلام باطل )) سروش بل المقصود من ذلك عدم رفض المنظومة الدينيه لاتباع دين معين بالكامل كذلك عدم قبولها بالكامل على انها الممثل للحق المطلق وعدم وجود غيرها من الاديان ممثلة لهذا الحق . بل النظرة العمليه والموقف الواقعي ان كل واحد من هذه الاديان يملك نسبة من الحق ، وقولنا بنسبية الحق في الاديان لا تسري هذه النسبيه الى الفروع المعرفيه او الفلسفيه الاخرى بل هي مختصة بالاديان فقط ، فلا نسبية في العلوم او الفلسفه بل نسبية الحق او نسبية الخطأ والصواب مقتصرة على بحث الاديان فقط ولا تشمل البحث الفلسفي او العلمي ،القول بنسبية الحق في الاديان يقودنا الى القول بالتعدديه ، فالتعدديه الدينيه هي ثمرة تنوع الفهم البشري للدين ، وهكذا اراد الله تعالى للبشر ان يعيشوا التنوع ، وهذه طاقاتنا وامكاناتنا كبشر في فهمنا للدين ، فلا يوجد بشر معصوم من الخطا او الغفلة او النسيان او الاشتباه والعصمة لله وحده ، اما نحن البشر فلنا نصيبنا من الخطأ والصواب كل حسب امكاناته ودرجته عند الله تعالى وقربه منه ، ولااحد من البشر يمكن ان يدعي الصواب بالكامل ، وعلينا ان ندرك حكمة الله تعالى من هذا التنوع ، والذي فيه الديمومة والحيوية للدين ، وهو اشبه بتنوع ازهار واشجار الحديقة وتنوعها هو الذي يضفي الجمالية والرونق عليها ،اذا فهمنا هذه الحقيقه علينا ان يحترم احدنا الاخر ، ويحترم فهمه وجهده لفهم دينه او مذهبه ، ونعيش روح التسامح والمحبة للاخرين مثل ما يامرنا ديننا بذلك وعلينا ان لا نتصرف تجاه الاخرين بأحساس اننا نملك الحق المطلق وعلينا كذلك (( ان ننفتح على الديمقراطيه الدينيه ونفهم عمق الوحده المتعاليه للاديان والتي تستمد مقوماتها من التعدديه الدينيه، ونرى بعين بصيرة ان هذه الامور والمعاني المختلفه ليست سوى ثمار متنوعه لهذه الشجرة الطيبه )) سروش قال تعالى في كتابه المجيد (( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء .. تؤتي أكلها كل حين باذن ربها)) ابراهيم 24 ،25

[email protected]




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=3192
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 02 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 28