• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : بغداد ساعة الصفر 2011 .
                          • الكاتب : محمود جاسم النجار .

بغداد ساعة الصفر 2011

كل عام وأنت حبيبتي  
تسارعت الدقائق والثواني لتصل لبداية ونهاية السنة ( العام الجديد)  كل الناس  كان بحالة ترقب سواء كان صغيراً أم  كبيراً رجل ، أمرأة .. عالماً كان أم جاهلاً ، الكل ينتظر كما هو حال كل المدن على كوكب الأرض تنتظر ساعة الصفر ، ساعة الأضواء ، ساعة التغيير ، ساعة الأحلام والأقدام أنه قدوم عام جديد ، نبض جديد ، جيل جديد ، حلم جديد ،  جديد .. جديد  ..جديد 
الكل جالس أمام شاشة التلفاز يترقب مدن العام كيف تبتهج بهذه الساعات الأخيرة والبدايات الجديدة ، بعض المدن أنفقت الملايين من الدولارات كي تلفت أنظار العالم لها كي يذكر أسمها أو تنظر لها بقية دول العالم وشعوبها بنظرات الأحترام والأعجاب أو أن تجذب السياح لها كي يزيدوا من أمكانية اقتصاداتهم وعملية جذب لرؤوس الأموال والمستثمرين لبناء المرافق السياحية والمصانع ، يفسر الأحتفال أيضاً كتعبير صادق لمحبة أوطانهم وتعبير جاد لأقامة ومشاركة طقوس الفرح مع بقية عواصم وشعوب الأرض .
إلا أنت يامدينتي الحبيبة يا بغداد الموت بعدما كنت منبعأ خصباً للحياة يا أرض آدم ونوح وأور ويا أرض القيثارة وسومر ، زرعوا بين عشبك الأخضر الموت والأرهاب حتى أصفر شراً أخذ من ألوانهم المقيتة بعدما قلعوا عشبة الحياة والأمل والنور التي بحث عنها جلجامش في أصقاع أوروك  .. بغداد يامن علم أبنائك الدنيا كيف تبدع ، كيف كنت تنهضين بعد كل نكبة ، كيف تخلق من الدمعة إبتسامة  .. أراك الآن مكسورة جناح والكل تخلى عنك ، الكل في هذا الكون يفرح ويحلُم بغدٍ ترسوا به سفن أحبائه حاملين له هدايا الخير والزهو والقبل ، إلا أنت يابغداد الخير لم تتلقي إلا غدراً ولم تتلقي إلا منتفعين ولم تتلقي إلا ناكري الجميل أنت وماتحضنين من ملايين الطيبين الفقراء تحت سمائك وأسقفك المقفرة وحدك أنت تنامين وتصمتين مكسورة تبكين على ماضٍ سحيق وحدك تبكين لتسطري درساً في الوفاء لأكثر من أربعة عشر قرناً وحدك تشعرين بالعزاء ... وحدك تشعرين بالألم وحدك تشعرين بالخذلان .. يكفيك يابغداد حزناً ، بكاءً ، لطماً .. الحياة يا بغداد ياسيدتي الجميلة توقفت بك والبسمة هربت خارج اسوارك الشائكة منذ عقود مثلما هرب ابناءك وهجروك مجبرين ، مقهورين ، مكسورين ، مكممين ، محرومين ، معوزين متأهبين للعودة لا يريدوا أن يعودوا محملوين على أكتاف الغرباء ، يريدون العودة مزهوين بك حاملين زهورهم وخيرهم الذي جمعوه  وأبنائهم لحضنك الدافئ ،يريدون أن أن يعفروا طينة أبنائهم بترابك الطاهر وهناك يكبرون.... نريد ياسيدتي أن نرى سمائك بهية باضواء العافية والرقي وشعبها يقظ تملأه الصحة والسعادة والأمل ، لا كما نشاهده في هذه اللحظة وهذه الدقائق التي تتوارى أمامنا ساعة عام محتضر إلى عام جديد ، الكل يحسب أنجازاته وموادره ويتفاخر بصناعاته وبمهرجاناته وموسيقاه ومسرحه وفنه ويكرم مبدعيه إلا أنت ياسيدتي الحزينة يحسبون المنتفعين وتجار الحروب خساراتك وأنكساراتك وجراحاتك ويشهرون بك كي يظهروا هم المنقذين وهم المثاليين وهم الأبطال المبجلين ويجلسون .
كل المدن تحتضن الفرح تبتهج ، تضحك ، تتأمل ، إلا أنت يا بغداد ياقرة العين تبكين تتألمين ظلماء خرساء صماء تحتضين دمعك وتلتحفين سوادك وموتك وتحملقين بدمارك بموتك الذي يلازمك لعقود لا بل قرون من الموت ، كل المدن تصحوا وتجتمع لتشهد الحدث العظيم ، ساعة ولادة وساعة الأمل إلا انت تنامين ملتحفة بغطاء الكبت والحزن والظلام والعوز والتخلف المستورد المغلف بأزمنة التدهور الأنساني في حقب العصور الوسطى التي تمتلئ بالمتناقضات وغطاء القسوة وظلمة أفكار سوداوية قاتمة جلبتها الأحزاب النفعية التي تعدت أعدادها بعض مئات ، ساعة يصحوا كل البشر ساعة تفرح كل الأرض بينما تعلو الموسيقى والنغم والألعاب النارية التي تملأ سموات كل أرجاء المعمورة  تصمتين أنت ياحبيبتي بغـداد تنحتبين،  تتألمين .. ساعة يشعرُ كل شعوب الأرض بالأمل تحزنين أنت ويتخمر اليأس بين أحشائك وتضمرين ، حينما تعلوا ضحكات العالم المترفة متفائلين مطمئنين متساوين متحابين ، تزدادين انت حسرة لما آل إليه الوضع من أمرنا جراء حكم الطاغية المقبور ومن سراقنا وقساتنا ومنظرينا الجدد الذي ارجعونا لزمن السيد والعبد وأحكامهم ومزاجاتهم وتخلفهم .
طفنا بقاع الأرض وأفترشنا أرضها .. شربنا مائها وجلسنا طوالاً تحت ضياءها متأملين نجومها وأقمارها لم نجد فيها مايشابهك مدينتي ياحبيبتي .. لم نرى كسمائك ، أرضك ، عشبك ، حزنك ، هوائك ، قهرك ، حتى ظلمكِ .. أنت يامنبع كبرياء وأضغاث أحلام ترادوني في صحوي ومنامي أنت ياقهري وكبتي ويامنجم أحزاني .. أنت يا أهلي وجذور كل خلاني .. لا توجد نقطة في سعة هذا الكون تشبهك ياوطني حتى في حزنك ، كبرياءك وبهاءك تغار منك وتحسدك عليه كل المدن .<br>
* من هؤلاء الذين يريدون أن يوأدوا البهجة ساعة تهليل الولادة .. ؟
 * من هؤلاء الذين اطفئوا الشمع على مذابح كنائسنا وذبحوا الجنين في بطن أمه وقالوا أنها جزء من عبادة..؟ 
 * من هم هؤلاء القادمون من رحم الظلام ..مزنجلون ، مسيرون بيد المحتل ويرفعون شعارات السيادة..؟ 
* من هم هؤلاء الجاثمون على صدورنا ، باسم الدين ..عقروا الدواب ، وضاعت بتوافه افكارهم مفاتيح الأرادة ..؟ 
أولئك.. هم أنتم أيها الضلالين المتحزبين والمتعممين والنفعين والمتقهقرين ، نعم أنهم أنتم الذي وصفتم ونعتم الأديب والشاعر والفنان والمفكر أنه مجن وبدع محرم عليهم أن لا يحلموا أو ينتشوا أو يسكروا أو يتأملوا فتلك رجزُ من عمل الشيطان والتمثال عمله حرام وترنيمة الموسيقى حرام والشعر حرام ولقاءات الحب والفن على طاولة الأدب والمسامرة والأخاء حرام ، أما اللطم على الصدور والزنجيل على الظهور هي من حبل الجنان ، أم القتل والفتاوي بذبح النفس حلا ، تكفير الآخر وخنق العلم حلال ، أبهذه الأفكار والأعمال تبنى الأمم ، هل بالنفاق نبني المدارس والسقوف نأوي المحرومين ونطعم الجياع ، أولئك المساكين الذي يغفون على مناجم الذهب والبترول يتضورون ألماً وجوعاً وبرداً ، هل بتنازع الأفكار الظلامية والحزبية والتبعية تلك التي تعتلي فوج القيادة ..كفى .. كفى تيهاناً بنا ، نحن العراقيين المبدعين وبعراقنا المقدس ، هل أتيتم تكملون بل أتيتم تعمقون حفرة الذل لشعبكم بعد ما صنعتها يد الدكتاتور والحزب الواحد من عقود  الظلم والحروب والسجون والموت والضياع والتشريد ، نقولها بملئ الفم .. كفى ..كفى .. كفى ، نريد التغيير والسير بركب العلم  والمدنية وأضواء الحضارة .
 بغداد يامدينتي حبيبتي ..
متى نعود لك مدينتنا الحبيبة ، هل كتب على يوم مولدك الشقاء والأحتلال من أقوام لم يرحموك ، تسببوا بفراق أبناءك وبعادهم عنك ، كم طغت على ثراك حكام وجبابرة ، قتلوا شعبك ، شردوه ، سرقوا خيراتك ودمروا كل ما بناه من قبل أبنائك ، تبقين يابغداد ياحبيبتي مأكولة مذمومة تقابلين دائماً بالجحود والعداء والحسد لأغلب الذين عاشوا وترعرعوا وتنعموا بين ظلال نخيلك ، أكلوا حتى شبعوا من كثر خيراتك وتنكروا عليك العطاء وتمردوا على كرام أهلك ، ترى هل كتب على جباه أبنائك الرحيل ، غرباء محرومين ،تائهين ، معوزين  ، هل كتب عليك الشقاء وألم الفراق ووطأة أرض الغزاة على جسدك الطاهر ونهب خيراتك ، ترى إلى متى يستمر هذا الدمار ، كفانا غربة وضياع ووتشريد وتهجير وتقتيل وجهل مستشري بين أضلاعك المتهرئة من صدأ الحروب والحصار والأستعمار الذي جلبوه البعض منا بيديه معلب بصفائح الديمقراطية المزيفة والحرية الخرساء ، الصفراء المولودة من من يأس وعجزمن يدعون التحرير ومن يبتجون بفضل أزاحتهم للدكتاتورية ، أنتشر الجهل مثلما انتشر المرض الخبيث في جسدك وجسد أبناؤك وهم ظلوا يتسابقون ، راكضين، لاهثين  وراء مكتسبات ضيقة حزبية أو طائفية أضاعوا به البلد وضيعونا بجهلهم وشردونا مثلما شردوا كل العقول الجبارة التي ساهمت وتساهم في بناء الكثير من بلدان المعمورة . 
تعالوا يا أهل جلدتي لجنان بلادكم ،  تعالوا نوحد الكلمة ونملآ قلوبنا بهواء حب العراق وأهله ، تعالوا نهتف بأعالي الصوت يحيى العراق .. يحيى العراق ، نوقد شمعات الحب والميلاد لفجر جديد ، تعالوا نفتح للحب قلوبنا وننسى كل تبعات الماضي الملئ بالقسوة والموت والدمار ونمسح الدمع عن وجنات اليتيم ، نوفر لهم اللقمة المصنوعة والمغموسة بعبير الكرامة وعرق الجبين المليئة بعنفوان الأمل ورسم البناء المتين لجيلنا القادم ، تعالوا نبحث سوية عن وسائل وطرق الحياة العصرية الحديثة والجميلة التي تخرجنا من عنق الزجاجة المظلم التي أزلقونا بها ، حين مزجت الدين بالسياسة ، والحياة بالمرجعيات الدينية ، تلك التي أرجعت البلاد والعباد لقرون التخلف والأستعباد اكثر مما كانت عليه قبل قرن من الآن .
الأمان .. الأمان .. يا أهلي الطيبين هذا الذي فقدناه حين تحجرت قلوبنا عن حب بعضنا ودخل الحاقدين يزرعون سمومهم في عقولنا ومعتقداتنا وبلادنا ، لنصحوا اليوم ، قلوبنا عامرة بالحب وكلنا يحب العراق بطريقته الخاصة ، لنعلن هذا الحب ونوحد قلوبنا وحبنا ولنتهف به ونزرع الخير والحلم  لنجعل مدينتنا عاصمة الحلم متميزة ، هي الأجمل لنعيد الفرحة لكل شوارعها وبيوتاتها ، لنعمر نفوس الصغار بحب الوطن قبل الكبار ، لنبني نفوسنا التي هشمتها الطائفية والحروب ونعمرها من جديد ونرجع الغريب لأهله ونجفف دموع اليتامى والثكالى والأرامل ، كلنا أخوة في هذا الوطن لنرمم بحواسنا وأنكساراتنا وعقولنا وقلوبنا لحب الوطن ، لنتعلم كيف نبني ، نعمر ، نستقر وننمي قدرات أجيالنا بالأكتشافات الجديدة لطريق حبهم للوطن  ، لنفخر بتلك الحضارة الزاخرة بالعلم وبناء الأنسانية ، لنبني لأنفسنا صروح العلم ولنتعايش ونتفاعل مع  العالم الآخر من خلال العلم والتكنلوجيا التي تنتشر في كل بقاع الأرض ، لنبعد عن حياتنا سموم السياسة الدينية وغبار الجهل والأفكار السوداوية التي أتت لنا من الخارج ، لنحلم جميعاً أن تكون مدينتنا بغداد هي الأحلى والأبهى ، عروسة المدن وأجملها كما كانت من قبل حاضرة المدن ، مدينة التفاؤل والأبداع ، تلك المدينة التي لا تنام طوال أيام السنة ، تغمرها السعادة رغم نكابتها وحوادثها حين تتعالى على أحزانها ساعة الفرح محتفية بابنائها وابداعاتهم في كل المجالات الحياتية مثل الشعر فهي مدينة الشعر والمشاعر والسحر والمسارح والفن والمطارح والعلم والعلماء والطرب والغناء والمرح الإباء وبالوقت نفسه هي مدينة الجوامع والمراقد الدينية والمتصوفة والمناقب وأرض الأنبياء والرسل وهي مجمع الأقوام والطوائف والأديان واللغات واللهجات والطيبة التي تفيض بين أفيائها وعلى قسمات وجوههم الكالحة التي أظنتهم النكبات والحزن والحروب المفترشة على ضفاف دجلة العظيم . 
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=3402
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 02 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 01 / 18