• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حركة الحسين (عليه السلام) من منظور سياسي. .
                          • الكاتب : قيس المهندس .

حركة الحسين (عليه السلام) من منظور سياسي.

 

 
عند مسير الحسين الى كربلاء، اعترضه كبار الصحابة والتابعين من اهل المدينة، والتمسوه ان يبايع يزيداً لحقن دماء المسلمين، واخبروه ان اهل المدينة لن يخرجوا معه، لان خروجهم سوف يثير غضب سلطة الشام، مما يعرض حياتهم الى الخطر، وبقائهم تحت راية يزيد يجعلهم يعيشون بأمان وعزة وكرامة!.
تَصور اؤلئك الرجال انهم اكثر حنكة سياسية من الحسين!. وان الحسين سيقتل وتسبى نسائه وهم في أمان في المدينة!. لكن هيهات، ( هيهات منا الذلة) صرخة دوت في كربلاء، فالذلة لن تجتمع مع الحسين ابدا، وسوف تتخلف الذلة مع المتخلفين عن ركب الحسين!.
فالموت يبرز لكم ولو كنتم في بروجٍ مشيدة، ويلحقكم العار والشنار ولو سالمتم يزيد!.
 
لم يُنظرهم الدهر الا أياما معدودات، حتى انكشف لهم فسق يزيد، وعظم جرائمه، فثار أهل المدينة على واليها.
ابن الزبير يريد السيطرة على مكة، واهل المدينة لن يسكتوا على فسق والي يزيد، ويزيد لن يسكت على ذلك، سيما انه يملك الشام والعراق، ولا طاقة لاهل مكة والمدينة بجيشي الشام والعراق، ذلك وفق الاستقراءات السياسية، والحسابات العسكرية التي قام بها الحسين عليه السلام.
 
وبالفعل حصل ما انبأ به الحسين، أثر خذلانهم له، فقد رميت الكعبة بالمنجنيق وأحرقت، اما اهل المدينة فقد برز لهم القتل الى مضاجعهم ووسموا بوسم الذلة والهوان، وولج العار الى نسائهم في مخادعهن، وانتهكت حرماتهن!.
روي ان نساء المدينة أنجبن الف مولود لا يعرف آبائهم، وذلك أثر وقعة الحرة. وهذه طامة كبرى على الإسلام والمسلمين. انجاب جيل من أبناء الفاحشة، جيل من العقد النفسية والامراض الاجتماعية، والتي أثرت سلبا على مجتمع المدينة وسائر العالم الإسلامي، ناهيك عن الفشل السياسي الذي حاق برجالات السياسة في المدينة، والذين عضوا على اناملهم من الندم والحسرة، ولكن ولات حين مندمِ.
اما الحسين ورجاله، فقد استشهدوا في معركة العزة والبسالة والاقدام، وخلدهم التأريخ، الذي سطر أسمائهم بحروف من نور وذهب. ونساء الحسين عليه السلام، بالرغم من سبيهن، وسوقهن من العراق الى الشام، وادخالهن قصر يزيد، الا انهن وقفن وقفة اجلال واكبار بوجه يزيد وعتاته وألّبنَ اهل الشام عليهم، وعدن الى المدينة بموكب أباء وكرامة.
كان جواب الحسين عليه السلام للذين اعترضوا مسيره : (يزيد رجل فاسق، شارب الخمر قاتل النفس المحترمة، و مثلي لا يبايع مثله).(1)
وقال في مقام آخر : ( إن يزيد شارب الخمر وفاسق وفاجر ويلاعب القردة ويصاحب أهل الفجور والبغي والضلال). 
 
من أخذ بظاهر كلام الحسين، عد خروجه خطأ سياسيا فادحا. فليس من ادبيات السياسة، ان يتم الخروج على الحاكم لانه فاسق، ففسقه على نفسه، وأبو الحسين الخليفة السابق للمسلمين، كان اكثر حنكة من ابنه على حد زعمهم، حيث قال : لابد للناس من حاكم بر كان او فاجر!.
من يتصور ان الحسين قد خرج على يزيد لمجرد فسقه فهو مشتبه تماما، فالحسن أخيه بايع معاوية الذي لم يكن اقل فسقا من يزيد، وكذلك بايع الحسين معاوية مع أخيه الحسن.
والقول الفصل للظروف الموضوعية، فهنالك فارقٌ بين سياسة معاوية وسياسة ابنه يزيد، فمعاوية كان ذو مكر وتصنع ودهاء. اما يزيد فكان طائشا متهورا، وذلك وصف الحسين له : ( إن يزيد .. يلاعب القردة).
فقد كانت سياسة معاوية : (لا والله إلاّ دفناً دفناً) (2). أي القضاء على الإسلام بإسلوب المخاتلة والدهاء والمكر.
اما سياسة يزيد فكانت : ( لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ).
 
بعد استشهاد الإمام الحسن(عليه السلام) راسل علية القوم الامام الحسينَ عليه السلام بخصوص موقفه من معاوبة، فأجابهم بكتاب جاء فيه: «إني لأرجو أن يكون رأي أخي في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً فألصقوا في الأرض، وأخفوا الشخص والتمسوا الهدى ما دام ابن هند حياً، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله)(3).
وقال في موضع آخر حيث اجتمع عنده القوم : (قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها فانتظروا ما دام هذا الرجل حياً –يعني معاوية- فإن يهلك نظرنا ونظرتم فانصرفوا عنه) (4).
فالقضية ليست قضية فسق بما هي بأبعادها الأيديولوجية، وانما هي قضية ذات ابعاد اكبر وأخطر وذات مساس بالامة الإسلامية عامة، وبمجتمع مكة والمدينة خاصة.
لقد حذر الحسين اهل المدينة من فسق يزيد، لما سيحيق بالامة جراء فسق ذلك الرجل، الذي لا يراعي حتى ابسط مقتضيات السياسة، والتي تحفظ له سلطانه. فماذا يُرتجى من خليفة يلاعب القردة؟!.
استقرأ الحسين عليه السلام وبدقة، حركة ابن الزبير في مكة، وعدم سكوت اهل المدينة على واليها، بعد ان تصلهم اخبار فسق يزيد، وعلم بحنكته ان يزيدا الفاسق، والشارب للخمر، والمقترف للحرمات، لن يتورع عن هتك حرم تلك المشاهد المقدسة، وسوف يقتل الرجال، وينتهك حرمات النساء، وسوف يصنع جيلا من اولاد الفاحشة، سيكونون فيما بعد، حرابا مشرعة في صدر الرسالة الإسلامية، وسوف تمتد آثار جرمه عبر العصور.
وبالفعل كانت وقعة الحرة، وقعة عظيمة، بطشت أيديها باهل المدينة، وخبطت بأرجلها عمق الرسالة الإسلامية.
لذلك قطع الحسين حجه، وعاد لينذر اهل المدينة من التخاذل عن نصرته، وعزم على الخروج الى الكوفة من اجل تحريرها من تبعية يزيد، سيما وان اهل الكوفة بعثوا بأوراق اقتراعهم الى الحسين، باستفتاء حر لم يشهد له التأريخ مثيلا. 
فلو تم تحرير العراق، وانصاع اهل مكة والمدينة للحسين, لما استطاع يزيد من القيام بفعلته تلك، ولتساقطت الولايات الإسلامية بيد الحسين واحدة تلو الاخرى، ولتمكنوا من تحرير الشام، والقضاء على يزيد وبني أمية، ولأصبحت الامة عزيزة مقتدرة.
 
استقرأ الحسين الحراك السياسي للمنطقة جيداً، وتنبأ بالخطر المحدق بها. ولم يمر الا عاماً واحداً بعد خروج الحسين، حتى حصل ما تنبأ به.
عام واحد يُعد فترة زمنية قصيرة جدا، وذلك ما دعا الحسين ان يتعجل خروجه، ويقطع حجه، ويتجه صوب كربلاء. 
كانت حركة الحسين مدرسة سياسية عليا يدرّس فيها ما وراء السياسة، وكيف ينبغي ان يكون الساسة.
فقد كان الحسين سياسياً محنكاً، ورجلا مخلصا لابناء شعبه المدني، ولاهل الكوفة الذين بايعوه ،وللامة الإسلامية كافة. ولم تنقضي ثورته بقتله، وانما اتخذت حركته وشهادته ابعادا كثيرة سامية، ما زال العظماء يشيدون بها والثوار يتخذونها مسيرة لهم للخلاص من الظلم والجور والطغيان.
فالسلام على الحسين ما بقي الليل والنهار وما دامت الأرض والسماء.
 
(1) (بحار الانوار 325:44).
(2) مروج الذهب 4 : 41
(3) مع الحسين في نهضته (أسد حيدر) ص37.
(4) أنساب الأشراف، وتاريخ ابن عساكر: ج55.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=39387
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 11 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 19