• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تاملات في القران الكريم ح184 سورة النحل الشريفة .
                          • الكاتب : حيدر الحد راوي .

تاملات في القران الكريم ح184 سورة النحل الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ{84} 

تنتقل الاية الكريمة الى ذكر يوم القيامة وتبين ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) , والشهيد هنا النبي او الامام الذي يقوم مقامه على حسب الاراء , ( ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ) , لا يؤذن لهم بالاعتذار , فقد فات وقته , ( وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) , لا يطلب منهم الرجوع الى التوبة واسترضاءه تعالى بالتوبة والطاعة والعمل الصالح , فقد فات اوانه ايضا .      

 

وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ{85} 

تقرر الاية الكريمة ( وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ ) , شاهدوا ولمسوا ثقله وشدته , حينئذ يكون حالهم في امرين : 

1- ( فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) : لا يخفف عنهم منه شيئا .

2- ( وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) : لا يمهلون او يؤخر عنهم .     

 

وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ{86} 

تبين الاية الكريمة ان المشركين حين يبصرون شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله تعالى كالاصنام والشياطين , وكذلك كهنة المعابد يقولون ( قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ ) , نعبدهم ونطيعهم , عندئذ يؤذن للشركاء في الرد ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) , يرد الشركاء عليهم ويصفونهم بالكاذبين , ولهذا الجواب عدة اراء منها :      

1- انكم ايها المشركين لم تكونوا تعبدوننا , بل كنتم تتبعون اهواءكم . 

2- لم نأمركم بعبادتنا او طاعتنا , بل كانت من ظنونكم واوهامكم , فجعلتمونا شركاء لله تعالى . 

3- لم نزعم اننا كنا مستحقين الالوهية والعبادة , بل انتم من خلع علينا هذه الخلعة . 

4- يتضمن هذا الجواب اعترافا من كل الالهة بأنهم ليسوا شركاء لله تعالى . 

 

وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ{87}

تبين الاية الكريمة مضيفة ( وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) , استسلموا وخضعوا وانقادوا لأمره وحكمه وقضاءه  جل وعلا , ( وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) , بطل وضاع كل ما كانوا يؤملونه ويزعمونه ان لله تعالى شركاء سيشفعون لهم وينصرونهم , ينبغي الالتفات ان هذا الكلام لا يشمل المشركين فقط , بل يشمل ايضا اصحاب النظريات والافكار والاراء الالحادية واللا دينية .      

 

الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ{88}

تأتي الاية الكريمة الى ذكر شريحة من الكفار , هؤلاء ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) , كفروا بالله تعالى ورفضوا كل ما جاء به الرسل والانبياء (ع) , ولم يكتفوا بكفرهم فقط بل ( وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) , منعوا الناس عن دين الله تعالى ( الاسلام ) وحملوهم على الاعراض عنه والتمسك بميراث الاباء , فتقرر الاية الكريمة ان لهم زيادة في العذاب ( زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ ) , زيادة في العذاب فوق العذاب المستحق اصلا لهم , ( بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) , بمنعهم الناس عن مسالك الحق والدين القويم .        

 

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ{89} 

نستقرأ الاية الكريمة في موردين : 

1- ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء ) : يبين النص المبارك ان الله تعالى سيبعث في كل امة شهيدا ( شاهدا ) من الرسل والانبياء (ع) او الصلحاء من المؤمنين , اما النبي الاكرم محمد (ص واله) سيكون الشاهد ( عَلَى هَـؤُلاء ) , فيلاحظ ان النص المبارك لم يضع النبي الاكرم محمد (ص واله) كشاهد على امته بل اشار اليهم بـ ( هَـؤُلاء ) , فيختلف المفسرون بهذا المعنى , فقالوا : 

أ‌) ( هَـؤُلاء ) قومك يا محمد (ص واله) . " السيوطي في تفسير الجلالين" . 

ب‌) ( هَـؤُلاء ) على هؤلاء يعني على الأئمة عليهم السلام فرسول الله شهيد على الأئمة عليهم السلام وهم شهداء على الناس . "تفسير القمي".     

2- ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) :  يشير النص المبارك مؤكدا ان الله تعالى نزل القرآن على النبي الكريم محمد (ص واله) وفيه :    

أ‌) ( تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) : فيه بيان لكل شيء يحتاج اليه الناس . 

ب‌) ( وَهُدًى ) : من الضلالة . 

ت‌) ( وَرَحْمَةً ) : لمن امن وصدق به . 

ث‌) ( وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) : بشارة بحسن العاقبة للمسلمين .     

( عنه عليه السلام قال الله لموسى وكتبنا له في الالواح من كل شيء فعلمنا إنه لم يكتب لموسى الشيء كله وقال الله لعيسى عليه السلام ليبين لهم الذي يختلفون فيه وقال لمحمد عليه السلام وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء .

وفي الكافي عنه عليه السلام إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ثم سكت هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال علمت ذلك من كتاب الله عز وجل إن الله يقول فيه تبيان كل شيء . 

وعنه عليه السلام إن الله أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا انزل في القرآن إلا أنزله الله فيه ) ."تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .       

 

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{90} 

نستقرأ الاية الكريمة في ثلاثة محاور : 

1- ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ) : يبين النص المبارك مؤكدا انه تعالى يأمر بــ : 

أ‌) ( بِالْعَدْلِ ) : الانصاف او التوحيد . 

ب‌) ( وَالإِحْسَانِ ) : الطاعة , اداء الفرائض , الاعمال الصالحة . 

ت‌) ( وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ) : مدّ يد العون لسد احتياجات الاقارب .

2- ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ) : مقابل النص المبارك اعلاه يبين النص المبارك الحالي انه تعالى ينهى عن : 

أ‌) ( الْفَحْشَاء ) : ما جاوز حدود الله تعالى .

ب‌) ( وَالْمُنكَرِ ) : ما ينكره العقل من الكفر والمعاصي والاثام . 

ت‌) ( وَالْبَغْيِ ) : الظلم والتطاول على الناس بغير وجه حق . 

3- ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) : ( يَعِظُكُمْ ) بالاوامر والنواهي , ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) تتعظون , وخص المتذكرين هنا كونهم الاكثر انتفاعا بذلك .                

 

وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{91} 

تستمر الاية الكريمة في موضوع سابقتها الكريمة , حيث : 

1- ( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ) : يأمر الباري عز وجل بالايفاء بالعهود والمواثيق . 

2- ( وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) : ينهي الباري عز وجل عن نقض ونكث الايمان و العهود , ( بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) , توثيقها , ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) , بالوفاء , رقيبا وشاهدا .     

3- ( إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) : بيان انه تعالى يعلم نقض الايمان والعقود , وفيه تهديد لناقضيها .           

 

وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{92}

تضرب الاية الكريمة مثلا وتنهى المؤمنين ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ) , كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها , ( مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ) , بعد احكامه وفتله , ( أَنكَاثاً ) , جمع ( نكث ) وهو ما يحل بعد احكامه , ( تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) , الدخل ان يكون الباطن خلاف الظاهر , ( أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ) , " يعني لا تنقضوا العهد بسبب أن يكون جماعة وهي كفرة قريش أزيد عددا وأوفر مالا من امة يعني جماعة المؤمنين " (تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني)  , ( إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ ) , محل اختبار منه تعالى لينظر من يفي بالعهد ومن ينقضه اغترارا بكثرة قريش وقوتهم وقلة المؤمنين وضعفهم , ( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) , يبين النص المبارك ان الله تعالى سيكشف ويبين كل موارد الاختلاف وذلك يوم القيامة , وفيه : 

1- تحذير من مخالفة الرسول ( ص واله) . 

2- وعيد وتهديد لناكثي العهد . 

3- امان وبشرى وثواب للموفين بالعهد غير مخالفين لرسول الله (ص واله) .         

( عن الباقر عليه السلام التي نقضت غزلها إمرأة من بني تميم بن مرة يقال لها ريطة بنت كعب بن سعد بن تميم بن لوي ابن غالب كانت حمقاء وتغزل الشعر فإذا غزلته نقضته ثم عادت فغزلته فقال الله كالتي نقضت غزلها الآية قال إن الله تبارك وتعالى أمر بالوفاء ونهى عن نقض العهد فضرب لهم مثلا ) "تفسير القمي" . 

 

وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{93} 

تبين الاية الكريمة ان كل شيء خاضع لمشيئته عز وجل ومنها (  وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) , مسلمة مؤمنة على دين واحد , ( وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ) , بالخذلان , وهو خاص لمن طلب مسالك الضلالة وانغمس في الشهوات واعرض عن الحق , ( وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) , بالتوفيق والتسديد , وهو يخص كل من طلب الحق وسلك مسالكه , بحثا عن الحقيقة والهداية والرشاد والطريق القويم , ( وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) , سؤال تبكيت ( تقريع وغلبة بالحجة ) .      

 

وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{94}

تنهي الاية الكريمة عن ( وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) , تكرر النهي هنا تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي عنه , وايضا توضيحا الى :      

1- ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ) : في ذلك زوالكم وانحرافكم عن محجة الاسلام , بعد ان قررتم واستقمتم وثبتم عليها .  

2- ( وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) : الامر الثاني انكم ستذوقون المساوئ في الدنيا بصدودكم انتم اوبصدكم غيركم عنها , لانكم اذا نقضتم العهد لاتخذها غيركم او من يأتي بعدكم كـ ( سنة ) يستنوا بها .

3- ( وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) : الامر الثالث هو تعريضكم انفسكم لعذاب عظيم في الاخرة .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=42472
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 02 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 18