• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : العبرة من قصة الصديق يوسف عليه السلام الحلقة الثالثة والأخيرة . .
                          • الكاتب : سيد صباح بهباني .

العبرة من قصة الصديق يوسف عليه السلام الحلقة الثالثة والأخيرة .

بسم الله الرحمن الرحيم

{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} يوسف /24

{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } يوسف /25

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ}يوسف /27
{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }يوسف /31

{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ }يوسف /33

{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } يوسف /58

{ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ }

{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا }

 
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه}.. هنا كيف نفسر همت به؟.. من الطبيعي أن ما كانت تنويه زليخا، كان أمرا واضحا.. فهي لا تريد إلا ذلك المنكر المعهود

{وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. لا ينبغي أن ننكر بأن يوسف لم يكن ملكا، بل هو بشر، وله ما للشباب في عنفوان شبابه.. وطبيعة الشاب في هذا السن، وخاصة مع المغريات المعهودة : المراودة، وإغلاق الأبواب!.. بالإضافة إلى أنها لم تكن امرأة عادية.. بل كانت في ضمن حرم العزيز، فمن الطبيعي أن كل هذه الدواعي موجبة للإثارة .

ولكن هذه الأمور كلها، لم تكن لتوجب أن يقترب يوسف من المنكر أبدا!.. لأنه {رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. والبرهان هو ذلك السلطان، الذي يهيمن على القلب.. وذلك اليقين، الذي إذا دخل القلب كما يصفه

الإمام علي عليه السلام أعني قلب المتقين والمحبين كما يصفهم إمام المتقين العشيقين بالعشق الإلهي حيث يقول  :

 

عظـُم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم

فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون ،

وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون

قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونه ، وأجسادهم نحيفة ،

وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة

أمّا الليل فصافون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتـّلونها ترتيلاً ،

يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ،

وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح …إلى أخره…. فهذا الواقع الخارجي، الذي هو زليخا بما أحاطها من عوامل الإثارة في جهة.. وبرهان الرب، أي الجمال الإلهي الذي كان يراه يوسف، وتذكر النعم الإلهية: فهو الذي أحسن مثواه، ومعرفة يوسف المعرفة اليقينية بعواقب الأمور، وفناء هذه الدنيا، وعاقبة الصابرين على المعاصي والمطيعين.. فإن كل هذه الأمور، وهذه المعاجين من الأمور التي أورثت يوسف ذلك اليقين، الذي جعله لا يبالي بما أمامه، في جهة أخرى.. بل وصل الأمر بيوسف كما نقرأ في الآيات اللاحقة – وهنا سر العظمة – أن يرى السجن أحب إليه مما هو فيه : فالسجن حيث الخلوة مع رب العالمين.. والسجن حيث انتفاء عوامل الإغراء.. والسجن حيث الذكر الخالص.. والسجن حيث الانقطاع إلى الله عز وجل.. فهذا أوفق لمزاج يوسف من هذا الوضع الذي كان قد وقع فيه

 

{لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. معنى ذلك أن الإغراء مهما كان عظيما، والجمال البشري مهما كان فتانا، والخلوة، والمراودة، وكل هذه الأمور.. فإن من يصل إلى اليقين، والاطمئنان بأن ما ادخره له الله عز وجل في الآخرة أعظم، عندئذ لن يرى أي أثر لهذا الإغراء .

 

إن الشباب يسألون عن سر التفوق على هذه الأمور!.. إن السر قد ذكر في هذه الآية، فلا يكفي أسلوب الوعظ دائما، والتخويف من عواقب الأمور.. فمثلا: شاب غرائزه مشتعلة، ويرى جمالا بشريا مثيرا مغريا.. فإذا لم تقدم له البديل، وإذا لم تفتح عينه على جمال أجمل وأبقى، لا يقاس بجمال المادة، سوف تزل قدمه في يوم من الأيام .

 

فإذن، إذا أراد أحدنا أن يتعالى على الشهوات بكل أنواعها، لا بد وأن يسلك هذا السبيل، وأن يصل إلى برهان من الله عز وجل، وإلى حالة يقين واطمئنان بأن ما ادخره الله عز وجل له في الآخرة، هو أفضل بكثير مما يرى في هذه الحياة الدنيا.. وما يريه لأوليائه في الدنيا من صور الجلال والجمال، هذا يشغله عن كل شيء .

 

{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }.. قال : {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء}، ولم يقل: نصرف يوسف عن السوء.. السوء هو الذي يُصرف عن يوسف، والفحشاء هي التي تصرف عن يوسف.. بمعنى أن الفحشاء لا تقترب، والسوء لا يقترب من يوسف، لعدم انسجام وملاءمة بين المقترِب والمقترَب منه .

 

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.. إن كلمة المخلَصين من الكلمات المعبرة في القرآن الكريم، ولا يستعمله القرآن الكريم، إلا في مواضع مخصوصة، عندما يريد أن يصف الناجين من كيد إبليس، فيستثني المخلَصين فحسب!.. وعندما يريد أن يذكر الذين صرف عنهم السوء والفحشاء، أيضا يذكر المخلَصين.. فالفارق فتحة وكسرة، وبينهما فارق كبير.. فالمخلِص هو الذي يحاول أن يتشبّه بالمخلَصين، ويحاول أن يكون مخلصا، وأن يدعي الإخلاص في موقف، أو في موقفين، أو أقل من ذلك، أو أكثر.. ولكن المخلَص هو ذلك الذي اجتباه رب العالمين، والذي أُمضيَ إخلاصه، والذي قُبلَ إخلاصه.. ألم نقل في نبي الله أيوب {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}.. لا يجد نفسه صابرا، الله وجده صابرا.. فالمخلِص يجد نفسه مخلِصا، ولكن المخلَص وجده الله مخلِصا، فاجتباه فجعله في هذه الدائرة المقدسة.. فهؤلاء لا طمع لإبليس فيهم، لأن الله عز وجل جعلهم في دائرة حمايته .

 

{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ }.. إنها هي المهاجمة، وهو مدبر عنها، بظهره وبقلبه، فخرج هاربا منها.. إن شبابنا اليوم، إذا رأوا شهوة بسيطة، يهجمون على الشهوات.. ويوسف بما أوتي من البرهان، يفر فرارا من هذا المنكر.. فإذا وصل الإنسان إلى مرحلة استقذار المنكر فقد فاز، وإذا وصل إلى مرحلة يجد المنكر مما يُقرف منه، ومما يُستقذر، فقد فاز.. وهنا فرار يوسف، فرارٌ من القبيح، فلا يفر ونفسه تنازعه إلى المنكر.. وليس حاله لسان حال ذلك الشاعر حيث يقول :

هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى * وإني وإياها لمختلفان نحن مثلنا مثل الناقة التي لها فصيل في بلد، ويريد صاحب الناقة أن يسوق ناقته إلى بلد آخر.. والناقة تسير وحنينها إلى الفصيل الذي ترك في البلد.. ونحن هكذا، هوانا في هذه النفس الصغيرة، التي عودناها على ما هو الفاني.. ولكن يوسف ليس كذلك .

 

{وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ }.. هكذا أراد الله عز وجل أن يفضح زليخا، فغلّقت الأبواب، على ظنٍ منها أن الأمر لن ينكشف، ويبقى سرا مكتوما بينها وبين يوسف.. ولكن بمجرد أن استبقا الباب، وإذا بالسيد يرى هذا المنظر.. فقد رأى خرق القميص من الخلف، ومعنى ذلك أن هناك هجوما منها .

 

{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا }.. ومع ذلك شهد شاهد من أهلها، وهذا الشاهد من أهلها، قد قيل فيه أقوال، وقيل في روايات أهل البيت، أنه كان صبي في المهد، أراد الله عز وجل أن يجري المعجزة كما أجراها لعيسى عليه السلام، لئلا يبقى شك في أن زليخا هي المعتدية.. وعلامة الاعتداء { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ }.. فهنا انكشف الحق، وعلق تعليقا لم ينفه القرآن الكريم: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}.. فهذه الفتنة هي من كيد النساء، إنه كيد عظيم، لماذا؟.. لأن الله عز وجل، ولأجل حكمة التناسل وزيادة النسل البشري، جعل في الإنسان هذه الغريزة.. وإلا فمن الذي يتبرع بنصف حياته، وبأمواله، وبسهره، وبقلبه، وبحبه، ويمنحها لزوجته، وخاصة عند الزفاف والعرس وما شابه ذلك؟!.. فالذي يدفعه دفعا حثيثا هذه الغرائز الملتهبة في الباطن .

 

فجعل الله عز وجل هذه الغريزة، لإدامة النسل البشري.. ويا لها من غريزة!.. حقيقة هي من أعلى صور التجاذب في الوجود، تجاذب الأنثى والذكر.. ولهذا فإن الروايات تصرّح بأنه ما خلا اثنان امرأة ورجل غير محرمين، إلا وكان الشيطان ثالثهما.. ذلك الذي يحاول أن يكمل هذه العملية.. فهناك تجاذب فطري غريزي، والشيطان لا يهدأ إلا أن يوصل بينهما بالحرام، الذي تقتضيه تلك الخلوة .

 

ثم أن هذه المرأة التي وقعت تحت طائلة العتاب والمعاتبة، أرادت أن تثبت بأنها معذورة في موقفها في إصرارها {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }.. إن الإنسان عندما ينتابه الذهول والاستغراب في شيء كالجمال البشري، هكذا يذهل إلى درجة تقطع المرأة يدها، وهي لا تشعر بهذا الجمال، الذي قلن عن ذلك الجمال {حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}.. فالذي يرى شيئا من جمال الله عز وجل، المنكشف في الصلاة، لما ترك الصلاة: (لو يعلم المصلّي ما يغشاه من جلال الله ما سرّه أن يرفع رأسه من سجوده ) .

 

إن البعض أراد أن يستنكر مقولة أن عليا عليه السلام، كان يعالج بعض جراحه: إخراجا لسهم، أو ما شابه ذلك في أثناء الصلاة.. فالبعض رآها من المبالغة، وإذا بأحدهم يُلهم هذا الجواب من القرآن الكريم.. فقال لذلك المعترض: إن النسوة رأين جمال يوسف – وهو جمال بشري- فقطعن أيديهن.. وأنتم تعلمون بأن النسوة ما رأين جمال باطن يوسف.. فباطن يوسف أجمل من ظاهره بكثير.. ذلك الباطن الذي تلقى برهان الرب، وذلك الباطن الذي يقول: يا رب السجن أحب إلي.. هذا الباطن هو الباطن الباقي.. ولكن النسوة رأين ظاهر الجمال، فقطعن أيديهن، فكيف إذا رأين باطن الجمال البشري؟.. فكيف إذا رأين باطن الجمال الإلهي؟.. فحق لعلي أن يصاب بتلك الغشية بين النخيل أو غير ذلك، عندما كان يناجي ربه.. وحق له أن لا يشعر بهذه الأمور .

 

فليطلب الإنسان من ربه في ساعة خلوة، وفي زيارة لبيته، وفي ساعة رقة، أن يريه شيئا من هذه العوالم، ليزهد في كل شيء ما سوى الله (ألا كل شيء ما عدا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل). وكذلك من دروس هذه القصة : أن كرامة المؤمن عزيزة على الله عز وجل.. فصفاء يوسف، وأمانة يوسف، وبراءة يوسف؛ انكشفت من الباب.. استبقا الباب وإذا بالعزيز، وإذا بالقميص المثقوب من الخلف.. وإذا بالطفل الصغير ينادي، ويشهد بمن هي المجرمة.. وإذا بهذه المرأة في ملأ من النساء، تعلن بأنه كان لي الحق في أن أنجذب لهذا الجمال.. إن الله عز وجل حريص على كرامة عبده، ولهذا برّأه في الساعات الأولى، ففي الدقائق الأولى بعث الأسباب.. ولهذا إذا أحدنا أصيب في سمعته، أو اتُهم في شيء من أموره، صحيح عليه أن يبادر بشريا إلى دفع التهمة عن نفسه، ولكن ليفوّض الأمر إلى ذلك الذي يقول عن نفسه في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.. أنت اسع سعيا بشريا، فوكِّل محاميا، وتكلم.. ولكن الله عز وجل خير المحامين، وخير المدافعين، وخاصة إذا انقطعت بك الأسباب.. فالله عز وجل ناصر لمن لا ناصر له .

 

إن يوسف انكشف أمره، وانكشف جماله.. فهو لم يرَ

الدماء وهي تسيل من أيدي النساء، ولعاً وشغفا بجماله.. فالإنسان العادي قد يعجب بنفسه، ما هذا الجمال الذي سلب العقول؟

 

{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ }.. التفتوا إلى كلمة {أَحَبُّ}، لو قال : ربي السجن أنفع لي، أو السجن أحفظ لديني، أو السجن أكثر مصلحة لي.. لما كان ليوسف تلك الدرجة العليا، التي تجعل رب العالمين يخصص سورة - تقريبا - لقصة هذا النبي العظيم.. وهنا بيت القصيد أيضا، أن تتحول المعاني الإلهية والعرفانية إلى معان محبوبة، لا إلى عناوين مصالح، ولا إلى عناوين فيها رجحان أبدا.. فصلاة الليل تطابق مزاج المؤمن، لأنه إذا لم يقم الليل، فإن نهاره سيكون نهارا تعيسا، لأنه فقد الخلوة مع حبيبه (اللهم!.. هدأت الأصوات، وسكنت الحركات، وخلا كلّ حبيبٍ بحبيبه).. فإذا فاته الموعد، فاته قطار اللقاء مع الرب الودود.. فعندها يعيش الأمرّين تلك الليلة، نعم، هكذا تتجافي جنوبهم عن المضاجع، فأجسادهم تجفو الفراش.. ما قيمة الفراش ومَن على الفراش، في مقابل ذلك اللقاء الجميل مع رب العالمين؟

 

ويبقى يوسف وجلا، خائفا.. صحيح هو على مستوى من العصمة، وقد رأى برهان الرب، ونجح في الامتحان، حينما غلّقت الأبواب.. ولكنه مع ذلك يبقى خائفا وجلا، فيقول: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}.. فهو دائما يعيش حالة التذلل، وحالة الخوف.. فالمؤمن هذه حالته، وشعاره شعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعله كان يكثر من الدعاء: (اللهم!.. لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا.. اللهم!.. لا تردنا إلى سوء استنقذتنا منه أبدا.. اللهم!.. لا تسلب منا صالح ما أعطيتنا أبدا).. إذا أُعجب الإنسان بنفسه، ورأى أن ملكاته لا تفيده، فإن هذا أول الامتحان.. إن يونس عليه السلام تركه الله عز وجل فترة من الزمن، وإذا مصيره في بطن الحوت.. إن يوسف عليه السلام يعيش هذه الحالة من التربص والخيفة {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم }.

وعلى شبابنا وبناتنا أن يأخذوا هذه العبر من يوسف عليه السلام ومريم العذراء عليها السلام لأن القرآن الكريم عبر لنا في سوره نقاوة الصدق والأمانة التي ساروا عليها الصديق يوسف والعذراء مريم عليهم السلام وإن المحطات الملفتة

 

في سورة يوسف ومريم عليهم السلام وأن هذه السور التي تعلمنا درس العفة، ودرس التفويض إلى الله عز وجل، ودرس أن الله عز وجل يقلّب عباده بين يدي مشيئته: عسر فيسر، أو يسر فعسر؛ كي يعلم العبد أن المدبر هو رب العالمين .

 

انظروا إلى هذا الملك الذي حكم على يوسف بالسجن، بعدما رأى الآيات!.. وهذا القلب الذي قسى، إلى درجة أن يلقي في غياهب السجون عبدًا صالحًا، مثل يوسف رغم انكشاف الآيات: شهادة الشاهد، والقميص الذي قُدّ من دبر.. ولكن سبحان من يقلّب القلوب!.. وسبحان الذي يجعل القلوب عاليها سافلها!.. فـ(قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)، إن الله عز وجل خلق القلب، ولم ينفِ عن نفسه حق التصرف في القلوب .

 

وإذا بالملك يقول :ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي…ليس إخراجٌ من السجن، ولا عفوٌ عن ذنب فحسب!.. وإنما استخلاصٌ واتخاذه من خواص بلاطه.. ولما كلمه قال : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ…إن الأمور مرهونة بأوقاتها، فالله عز وجل في ذلك اليوم، لم يتصرف في قلب العزيز أو الملك، ولو أراد لقلّب فؤاده كما قلّبه اليوم.. ولكن الله عز وجل له حكمةٌ، ويعلم كيف يصرّف الأمور .

 

ولا شك أن الفترة التي قضاها يوسف بالسجن، كانت من الفترات المتميزة في حياته – صلوات الله وسلامه عليه.. إن النبي يوسف إلى حد كبير يشبه النبي سليمان، في أنهما عاشا المُلك الدنيوي والمُلك الأخروي.. وكذلك إمامنا المهدي – صلوات الله وسلامه عليه- سيُجمع له الملك الظاهري والملك الباطني .

 

وأخيرا جاءه الفرج!.. فإذن، إذا رأيت أن حاجتك بيد ظالم، فلا تقل بأن هذا الظالم لا يستجيب لأمر الله تعالى!.. وإنما عليك أن تسأل رب العالمين، أن يقلّب فؤاده، كما قلّب فؤاد فرعون موسى، وكما قلّب فؤاد هذا الرجل، هذا الملك العزيز الذي حكم ما حكم .

 

{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء }….ولعل هناك مقابلة جميلة بين كلمة {حَيْثُ يَشَاء}وبين البئر والسجن.. فيوسف أمضى لحظات من حياته في ذلك البئر الموحش، وسنوات من حياته في ذلك السجن الموحش.. والآن عكس ذلك تماما، من البئر والسجن، وإذا به يتبوأ منها حيث يشاء .

 

وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ .. ومع ذلك، فإن القرآن ينفي هذا التوهم .. أي صحيح أن يوسف عليه السلام أصبح معززا، ومكرما، وعلى خزائن الأرض.. ولكن لا ينبغي التوهم أن هذا ليس من جزاء المؤمن في شيء، فالجزاء الأعظم إنما هو في الدار الآخرة .

 

إن الله عز وجل يريد أن يجمع شمل يوسف مع أخيه من أمه.. فانظروا إلى الترتيبات الإلهية الغريبة!.. { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } لقد تعرف عليهم يوسف، إما بعلم بشري أو بتعريف إلهي

 

{وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}

 

أولا : عمد إلى التهديد، فهو على خزائن الأرض، ويتصرف كيفما يشاء : فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُون .

 

ثانيا : عندما أرادوا الذهاب قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا .. فقد جعل الثمن الذي دُفِع للعزيز أو للدولة في ضمن بضاعتهم، فجمعوا بين الثمن والمثمن.. وعندما رجعوا إلى بلادهم، رأوا بأن هذا الملك هدّدهم، وفي نفس الوقت عرّفهم بأنه حاكم كريم، فقد أكرمهم بإعطائهم البضاعة مع ثمنها .

 

وهذا أيضا من موجبات الإغراء، حيث أن هناك تهديدا، وهناك تطميعا: إذا جئتم لي بأخيكم من أبيكم، فأنتم لكم الكيل، وأنتم ستواجهون إنسانًا كريمًا مثلي .

 

فذهبوا إلى يعقوب، وهنا يعقوب أسرّ ما في نفسه : قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ..استسلم يعقوب هذه المرة أيضا لطلب أبنائه، ولكنه لم ينس أخذ المواثيق منهم، ومع ذلك فوّض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، فقد جمع بين {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا } وبين قوله : قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ : وهذه هي سياسة المؤمن، وهذا تدبير بشري، يحاول أن يأخذ المواثيق.. ولهذا فإننا مأمورون إذا أعطينا دَينا لإنسان مسلم أو غير مسلم، مؤمن أو غير مؤمن، أن نكتب ذلك الدَّين .

 

وعليه، فإن على المؤمن أن يحاول في حياته العملية، أن يُحكم أموره، وأن يضبط شؤونه، وأن يبرمج ويخطط للمستقبل.. فلا مانع من أن يكون المؤمن إنسانا دنيويا من حيث التخطيط.. (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ) .

فإذن، إن على المؤمن أن يتعلم من يعقوب هذين الدرسين : {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظً } و{لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ} .. فمثلا: تريد أن تسلم سيارتك لولدك، وتخاف من أن يسيء الاستفادة، فقل: فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظً ، فليسافر، ولكن اشترط عليه ألا يسيء التصرف في هذه الأموال

 

إن نبي الله يحتاط، فقد أمرهم بعدم الدخول من باب واحد وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ .. هنا يقال: بأن يعقوب – عليه السلام – أراد دفع الحسد عنهم.. ومسألة الحسد ذكرها القرآن الكريم تصريحًا : وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ .. فهنالك أمور لا نعلمها، وقد كان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- يُعوِّذ ولديه الحسن والحسين

 

وعليه، فإن هذه الآية أيضا فيها إشارة لهذه الناحية، وإلا أنه كان يخاف من إلقاء القبض عليهم، فإن هذا الاحتمال غير وارد.. لأن يوسف دعاهم للرجوع، وهم على تنسيق معهم، وذهبوا ليأخذوا الكيل، وليس هناك ما يوجب الخوف.. يبدو أن الذي يرجح من الآية هذا الخوف المعنوي بالنسبة لأولاده .

 

وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ .. فيعقوب -وهو مستجاب الدعاء- لا يغني عنهم من الله من شيء، حيث يقول : إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون ...

 

وفي الآيات اللاحقة يُطلب من يعقوب أن يستغفر لهم قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} فيعقوب قبِل المهمة وقال : قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ..أيضًا هنا درس بليغ، وهو أن النبي دعاؤه مستجاب، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ .. فقد جعلوه وسيطا بينهم وبين الله عز وجل، كما نخاطب النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله- عندما نعترف بظلم أنفسنا، ونطلب من النبي أن يستغفر لنا، .. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا .

 

فإذن، إن الأنبياء بأنفسهم لا يغنون عنا شيئا، كما قال يعقوب.. ولكن إذا صاروا وسطاء، وإذا شَفََّعوا، أو تشفعوا، وإذا أصبحوا السبب المتصل بين الأرض والسماء.. فلا مانع من ذلك، كما نلاحظ في هذه السورة .

 

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ… ولعل أيضا يعقوب عندما قال : وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ.. قيل: حتى يستفرد بهم يوسف.. فلما دخل عليه أخوه من أبيه وأمه قال له : إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ.. وهذه حكمة أخرى من حكم الدخول من أبواب متفرقة .

 

{ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ }

إن هذه من الآيات الغريبة في القرآن الكريم، يريد يوسف أن يبقي أخاها عنده، فجعل السقاية في رحلِه ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ..فتعجب إخوة يوسف ؛ فهم لم يسرقوا شيئا، كفتْهم السرقة التأريخية القديمة، ولكن الآن لم يأخذوا شيئا .

 

قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ…فقال موظفين الكمرك أو الشرطة: فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، أي هذا يُستَرَّق ويُستَعبد، لثقتهم بأنفسهم أنهم لم يأخذوا شيئا .

 

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ لئلا تتوجه إليه التهمة ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ.. فقال: ما دام وجدنا الصواع في رحال هذا الأخ، فعليه أن يكون عبدا مُسترقـًّا، فأُخذ من بين الأخوة، وانضم إلى أخيه يوسف عليهما السلام.. ويقال: بأن هذا مع تنسيق مع يوسف، وتدبير بينه وبين أخيه.. فرب العالمين أراد أن يستل هذا الأخ من بين الأخوة، ويرجعه إلى أخيه يوسف، ولكن بهذا التدبير !..

 

الآن كيف نوفق بين مسألة الاتهام بالسرقة، وهو لم يسرق شيئا؟.. واضح أن القضية فيها تمثيل، لأخذ هذا الولد؛ لأنه ليس هناك سبيل لأجل إبقائه إلا هذه الحركة – فالعلم عند الله عز وجل- يقول بعضهم: بأن هذه التهم، لم تكن من يوسف.. فهؤلاء الذين كانوا مع يوسف، فقدوا صاع الملك، فبظنهم أن الصاع قد سُرق.. والحال أنه نُسِّـق مع هذا الأخ على اعتقادهم أنه سُرِق، فالآية تذكر ذلك .

 

وعلى كلٍّ إن الله عز وجل فعّال لما يشاء، فله طرقه التي لا تأتي بالبال من أجل أن ينفذ أمره.. فهذه الحركات من كان يهتدي لها؟.. وهذه التمثيلية من كان يتقنها أو يكتبها، لأجل أن يجمع بين يوسف وبين أخيه؟

 

إن يوسف أخذ أخاه الذي من أبيه وأمه، فأخذوا يلتمسونه .. قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .. فهم مُتَّهمون، ولهم تجربة سابقة مع أبيهم، إذ سرقوا يوسف عليه السلام…قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ… فالأحداث كلها سيقت لأجل تثبيت هذا الأمر، وهم صدقوا هذه التمثيلية.. ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ .

 

ثم ننتقل بعد ذلك إلى وصف القرآن الكريم لحالة يعقوب :وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ.. فلا زال يتذكر ولده، الذي كان فيه سيماء الأنبياء، وجمال الخلق وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ …إن البعض قد ينظر إلى هذه الآيات، ويرى أنه لماذا يبالغ يعقوب في هذا الحزن؟.. والحال أن هذا الولد رجع إليه أخيرا !..

 

إن هذا درس العاطفة، ودرس الحنان: فالإنسان المؤمن يتألم لما يرِد عليه.. إن الإمام السجاد – عليه السلام – كان يبكي صباحا ومساء، عندما كان يُعطى شربة من الماء، فيتذكر أباه الذي قُتل عطشانًا على صعيد كربلاء.. وعندما ينظر إلى شاة تُذبح.. فحقَّ له ذلك؛ لأن عاطفة الإمامة من أقوى العواطف، وخاصة أن المفقود ولي من أعظم أولياء الله عز وجل .

 

فهل حَقّ ليعقوب أن يبكي للفراق، ولم يحق لأئمتنا – عليهم السلام – أن يبكوا هذا البكاء، لما وقع من القتل، والتشريد، والسبي لبنات النبوة صلوات الله وسلامه عليهم؟ ..

 

إن يعقوب – عليه السلام – يعطينا درسا آخر في مسألة الصبر، وعدم اليأس من رَوح الله.. يقول: يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ … لأن يعقوب يعلم بأن ولده لم يمت، ويعلم أنهم جاءوا بدم كذب.. هو له ولد ٌمفقود، فله الأمل في أن يصل إلى مفقوده إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .

 

فلو أننا تشبهنا بيعقوب – عليه السلام – تجاه مسألة غيبة الولي.. هذا الإمام الذي نراه يعيش بين ظهرانينا، ويشهد حَجنا، يشهد مجالسنا، ويدعو لنا، وفي ليالي القدر تُعرض أعمالنا عليه.. فيعقوب –عليه السلام – لفراق هذا العزيز ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.. لذا، فإنه يتوجب علينا أن نعيش هذه الحالة من الفقد، تجاه صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه.. هذا الإمام الذي لو ثُنيت له الوسادة، ولو أُعطيت له مقاليد الحكم، ولو حكم في الأمة.. لأرجع كل شيء إلى نصابه، ولرفع هذا الذل الذي أصاب المسلمين، لفقدهم هذه القيادة الإلهية.. فأكثروا من الدعاء له بالفرج!.. وتشبهوا بيعقوب عليه السلام.. إن أحدنا لا يصل إلى هذه الدرجة، أن تبيض عيناه من الحزن فهو كظيم.. ولكن أن يتألم، وأن لا ييأس من روح الله عز وجل، وأن يدعو للقاء به في دولته الكريمة.. فنحن نحب أن نلتقي به في موقف من المواقف، و لكن اللقاء الأعظم، واللقاء الأبرك، هو ذلك اللقاء الذي يكون فيه فرج الأمة، وعندما يُري نفسه الأمة، ويُري نفسه أهل الأرض : مسلم هم وكافرهم .

 

على كلٍّ، فإن لسان حالنا دائما هذه العبارات، التي ذكرها أخوة يوسف عندما دخلوا عليه قالوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} …فقد دخلوا من باب الاستعطاف، فهم قومٌ اتُهموا بالسرقة، ولهم سابقةٌ غير حسنة.. ولكن هنا دخلوا من باب الذل، والاستعطاف، والتصدق.. وكما هو معلوم أن الصدقة لا معاملة في البين، فليست هنالك بضاعة وثمن ومثمن.. فالمتصدق يعطي المال جزافا، ويعطي المال بلا عوض، ويعطي المال بلا استحقاق.. فهذه هي الصدقة، وإلا كان في الأمر معاملة، ثمن يُعطى وبضاعة تُستلم.. ونحن بين يدي الله عز وجل، كذلك نقول: يا رب!.. ليس لنا ثمن نعطيك لتعجل في فرج وليك، فلم نقدم نفوسا طاهرة، ولم نقوم بأعمال زاكية.. ولكن تصدق علينا بفرج وليك تفضلا وتحننا.. إننا نسألك هذا الأمر فضلاً لا عدلاً.. وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ . نعم، إن الذي يتعامل مع رب العالمين، هكذا يُكتب له الخلود في الدنيا وفي الآخرة، وتُفتح له الأبواب المغلقة.. ويصل إلى درجة أنه لو يُخير بين هذه الشهوات، وبين الانقطاع إلى الله في السجن، يرى بأن السجن مع الخلوة مع الرب، أحب إليه من الاستمتاع في القصور بمعصية الله عز وجل. إذن فلنقدم نفوسا طاهرة و نقوم بأعمال زاكيه ونعود لمبادئنا العقائدية ونتآخى ونتعاون لنيل الدارين ويداً بيد لتتعاون والتودد لبناء حياة أفضل وأرجو دعم الأرامل والأيتام ودعم الدولة العادلة المنتخبة لبناء والعمل سوياً للعمل ودعم الوطن والجيش للقضاء على المرتشين والإرهابيين والقاعدة وداعش وكل المسميات الجدد التي ينتحلونها بسم الإسلام والإسلام برئ منهم ودعواتكم القلبية الصالحة لشفاء كل مريض ودعاء خاص لي بالشفاء من مرض السرطان والله خير حافظ وهو أرحم الراحمين .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=46468
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 05 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 06 / 25