• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : في ذكرى استشهاد آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره الشريف ) .
                          • الكاتب : خالد محمد الجنابي .

في ذكرى استشهاد آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره الشريف )

  السيد محمد باقر بن السيد حيدر الصدر, هو مرجع ديني و مفكر و فيلسوف إسلامي و مؤسس حزب الدعوة الإسلامية بالعراق , وكان ذلك عام 1957حيث أسس حزب الدعوة الإسلامية ( حزب الشهداء والتضحية والفداء ) بالتنسيق مع ثلة من العلماء الأعلام والمثقفين الرساليين لإيجاد الأداة الحركية القادرة على شد الأمة للإسلام وإقامة حكم الله في الأرض ، كان المبادر الأول في تأسيس جماعة العلماء وذلك في عام 1958م لنشر الوعي الإسلامي والسياسي في أوساط الحوزة العلمية ، ولد بمدينة الكاظمية يوم 25 ذي القعدة عام 1353هـ  المصادف 2/3/1933 م و قد نشأ يتيماً منذ صغره فتكفل به أخوه الأكبر آية الله السيد إسماعيل الصدر الذي اهتم بتعليمه و تدريسه أيضاً , و قد ظهرت علامات النبوغ و الذكاء عليه منذ صغره ، في عام 1365 هـ هاجر أخوه السيد إسماعيل الصدر إلى مدينة النجف الأشرف التي تعد أكثر المدن العلمية التي تحتضن المراجع الإمامية , فاستأجروا داراً متواضعاً فيها , و من هذا التاريخ بدأت رحلة الصدر العظيم العلمية ، و قد كان أكبر همه هو استيعاب المناهج الدراسية و العلمية , و في تلك الفترة ألفً كتاباً يضم اعتراضاته على الكتب المنطقية بعنوان ( رسالة في المنطق ) ، و في أوائل السنة الثانية عشرة من عمره درس كتاب "معالم الأصول" على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل الصدر فكان لفرط ذكائه يعترض على صاحب المعالم باعتراضات وردت في كتاب كفاية الأصول للخراساني ، و من هذه الاعتراضات أنه ورد في بحث الضد في كتاب معالم الأصول الاستدلال على حرمة الضد بأن ترك أحدهما مقدمة للآخر ، فاعترض عليه الصدر بقوله "إذاً يلزم الدور" فقال له المرحوم السيد إسماعيل الصدر "هذا ما اعترض به صاحب الكفاية على صاحب المعالم" ، وليس من دأب الشهيد المرجع الصدر العبقري والفيلسوف أن تحوم أبحاثه العلمية حول سطوح البحث والدراسة بعيدة عن العمق ، بل كان يغور إلى أعماقها حتى تبدو له خفاياها بحيث لا يترك مجالاً لأي باحث من أن يزيد عليه تحقيقاً ، ولم يكن متردداً في ما يرتبه من نتائج أو ما يختار من حلول وآراء ، وكان يمتلك قدرة فائقة على سبر غور الأبحاث والدراسات العلمية التي بحثها أو كتبها ، وكان حين ما يقرأ أو يكتب أو يفكر ينقطع عن المحيط الذي يعيش فيه وينسجم مع الحالة التي هو فيها إنسجاماً بنحو لا يشعر بما حوله  ،  ولقد نقل عن زوجته العلوية الصابرة أم جعفر تقول : "حين ما يستغرق السيد الشهيد محمد باقر ( قدس سره ) في المطالعة أو التفكير ينسى كل شئ حتى طعامه فأراني مضطرة في آخر الأمر إلى قطع تأمله أو مطالعته فأقول له : لقد قرب وقت الظهر ولا شئ عندنا ، عندها يقوم ليشتري بنفسه ما نحتاج إليه" ، ومن الطريف أنه كان يستغرق أحياناً في التفكير المستمر طوال اليوم والليل ولا ينقطع إلا عند النوم ، ثم إنه عندما كان يستيقض يبدأ من نفس النقطة التي انتهى إليها عند النوم ، وذلك ما يفسر قدرته الخارقة على إستيعاب جميع الأمور والأبحاث ، هذه الحالة هي إحدى خصائص السيد الشهيد الصدر ( قدس سره ) ، ولذلك فإن معظم من عاش وعاصر الشهيد محمد باقر الصدر يعرف أن كل مؤلفاته كتبها مرة واحدة وبلا إعادة نظر فيها ، فهو لا يعرف ما نسميه بـ ( المسودة والمبيضة ) ، وحتى أخطر كتبه وأدقها وأصعبها وهو كتاب ( الأسس المنطقية للإستقراء ) كتبه مرة واحدة ، وهذا أمر يثير الدهشة فقد كانت سرعته في الكتابة عجيبة ، قلم يلتهم الصفحات فيملأها نوراً وعلماً وحكمة ً، فجميع أبحاثه ودراساته ترى فيها إضافة إلى الدقة والعمق مع السعة والشمول ، منهجية رائعة في طريقة العرض ، إن عظمة شخصية الشهيد الصدرمن خلال إنبهار رؤساء دول وحكومات أو شخصيات كبيرة بسبب العمق والعبقرية التي عرف بها من خلال كتاباته وتأليفاته التي تبهر العقول في عمقها وأصالتها ، درس الشهيد محمد باقر الصدر على يد آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين و هو خال السيد الصدر و قد حضر عنده مرحلة البحث الخارج في صغره ، وآية الله الشيخ ملا صدرا البادكوبي و قد درس عنده الجزء الثاني من الكفاية و الأسفار الأربعة ، وآية الله الشيخ عباس الرميثي ، وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي و قد درس عنده مرحلة البحث الخارج و قد كان السيد أبو القاسم الخوئي أول من أجاز السيد محمد باقر الصدر و قد كان السيد يرجع طلابه إلى السيد الصدر عند عدم فهمهم لبعض عناصر الدرس ، وآية الله الشيخ محمد تقي الجواهري و قد درس عنده الجزء الأول من الكفاية و جزءً من اللمعة ، و قد كانت بعض الكتب الدراسية يناقشها و يتباحث فيها مع أساتذته فقط أو أنه يعرض عليهم الدرس ، و قد قال السيد الصدر عن نفسه" إني لم أقلد أحداً منذ بلوغي سن الرشد" ، و قد كان السيد الصدر في تلك الفترة قد كتب تعليقة على الرسالة العملية لخاله الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة بـ"لغة الراغبين" ، و من شواهد تواضع السيد الصدر أن آية الله السيد كاظم الحائري قال : "حدثني ذات يوم : أنه حين ما كتب كتاب فلسفتنا أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلاً عن حقه في وضع اسمه الشريف على هذا الكتاب ، إلا أن الذي منعه عن ذلك أن جماعة العلماء أرادوا وضع بعض التعديلات في هذا الكتاب و كانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي أستاذنا الصدر و لم يكن يقبل بإجرائها فيه فاضطر أن يطبعه باسمه" و قد كان للسيد الصدر منهجاً خاصاً في تحصيل العلم إذ أنه كان يقرأ و يكتب و يفكر لمدة ستة عشر ساعةً في اليوم و أغلب الظن أن أكثر شيء يشتغل به هو التفكير ، وكان للسيد الصدر مجلسان للتدريس : هما بحث الأصول , و كان يلقيه في مسجد الجواهري بعد أذان المغرب بساعة في الأيام الدراسية في الأسبوع ، وبحث الفقه , و كان يلقيه في جامع الطوسي في الساعة العاشرة صباح كل يوم من الأيام الدراسية .

من اهم مؤلفاته : غاية الفكر في علم الأصول ، و هو عشرة أجزاء طبع منه الجزء الخامس فقط و فقدت الأجزاء الأخرى ، وفدك في التاريخ ، و هو كتيب كتب فيه بعض الملاحظات عن تاريخ فدك في سن الحادية عشر , و مع ذلك فإنه يعد مرجعاً بين الكتب الأخرى التي تتحدث عن نفس الموضوع ، وفلسفتنا ، و هو كتاب يناقش المذاهب الفلسفية و خاصةً الفلسفة الماركسية التي كانت تنتشر بحدة في أوساط العراقيين ، وإقتصادنا ، و هو كتاب يتحدث فيه عن الإقتصاد الإسلامي و يناقش فيه النظريات الإقتصادية مثل الرأسمالية و غيرها ، والمدرسة الإسلامية ، والمعالم الجديدة للأصول ، والبنك اللاربوي في الإسلام ، والأسس المنطقية للإستقراء ، وبحوث في شرح العروة الوثقى( أربعة أجزاء ) ، وموجز أحكام الحج ، والفتاوى الواضحة ، ودروس في علم الأصول( جزءان ) ، و هو كتاب يدرس كمنهج في علم الأصول في مرحلة السطوح ، وبحث حول الولاية ، وبحث حول الامام المهدي ، و هو مقدمة لموسوعة السيد محمد محمد صادق الصدر عن الإمام المهدي ( عج ) ، وتعليقة على رسالة بلغة الراغبين ، وتعليقة على منهاج الصالحين ، والإسلام يقود الحياة ، و هو عبارة عن بعض المواضيع الإسلامية ، والمدرسة القرآنية ، و هو عبارة عن محاضرات عن التفسير الموضوعي ، وأهل البيت تنوع أدوار و وحدة هدف ، و هو عبارة عن محاضرات جمعها بعض طلابه و طبعوها ككتاب ، و للسيد الصدر كتب أخرى صادرتها السلطة , منها كتاب لم يحدد له عنواناً و لكن موضوعه هو أصول الدين ، و كتاب آخر عن تحليلي الذهن البشري ، و قد كان السيد الصدر في نيته تأليف كتاب بعنوان مجتمعنا ، وفي مساء اليوم الخامس من نيسان 1980 تم إعدامه مع أخته بنت الهدى بالرصاص و في اليوم التاسع من نفس الشهر حدود الساعة التاسعة مساءً قطعت السلطة التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف و في ظلام الليل الدامس تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى بيت السيد محمد صادق الصدر و طلبوا منه الحضور إلى بناية محافظة النجف و كان بانتظاره هناك المجرم مدير أمن النجف أبو سعد فقال له : هذه جنازة الصدر و أخته و قد تم إعدامهما و طلب منه أن يذهب معهم للدفن و بعد أن طلب السيد محمد صادق الصدر أن يرى جثتيهما شاهد السيد الصدر مضرجاً بالدماء و آثار التعذيب على كل مكان من وجهه و كذلك كانت أخته بنت الهدى .

آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر لم يكن سياسياً بالسياسة الدنيوية ، ولم يكن قائداً عسكرياً كقيادة البعث الظالم ، ولم يكن مسؤولاً أو زعيماً لجناح مسلح ، كعصابات السلب وسفك الدماء والإرهاب بل كان قائداً شجاعا صلبا وإماما تقيا نقيا زاهدا عابدا ناسكا مخلصا عالما عاملا مضحيا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر وكان إماما وحجة وشفيع رحمة للعالمين  أن مرجع التقليد يمثل موقع القمة في الأمة فهو بمثابة القائد بل هو كذلك فعلاً وعليه فأن العقل يقطع بان القائد لابد ان يكون شجاعا ولا يعقل أن تولي أمة من الناس آمرها بيد جبان متردد أو تسلم رايتها بيد جبان متخاذل حيث يقول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام {رايتكم فلا تميلوها لا تزيلوها ولا تجعلوها ألا بأيدي شجعانكم المانعين الذمار ....} والعقل هنا يفرض أن يكون الرمز الذي تتمثل به المرجعية والقيادة شجاعا حتى يستطيع أن يربي الأمة على ذلك لكي تقوى على الدفاع عن عزتها وكرامتها ومقدساتها ووجودها نعم وهذا ما فعله محمد باقر الصدر حيث ربًى أصحابه وعلمهم على صلابة الموقف أمام اكبر طاغوت شاهدته الأمة الإسلامية وجعلهم يوقفون بوجهه ويقولون كلمتهم ويعبرون عن أراهم بكل صلابة وشجاعة حتى أرعبوا النظام الصدامي وهزوا عرشه وزلزلوا الارض من تحت اقدامه ، وما جعلهم يفعلون كل هذا ألا أنهم شاهدوا مرجعهم وقائدهم محمد باقر الصدر ( قدس سره ) واقفا وبكل جدارة وشجاعة وهو ينكل ويتهجم على السلطة ويحرم الانتماء لحزبها المئشوم ، ومن أقوله البطولية أنه قال( قدس سره ) سوف أظل أتكلم وأتهجم على السلطة أندد بجرائمها وادعوا الناس للثورة عليها الى أن تضطر قوات الأمن إلى مقتلي في الصحن الشريف أمام الناس وأرجو أن يكون هذا الحادث تحفيز لكل مؤمن وزائر يدخل الصحن الشريف لأنه سيرى المكان الذي سوف أقتل فيه فيقول ( ها هنا قتل الصدر ) وهو أثر لا تستطيع السلطة المجرمة محوه من ذاكرة العراقيين  وهو المرجع الوحيد الذي إفتى في حرمة الانتماء لحزب البعث وهذه الفتوى قالها لا بالسر والخفاء وانما قالها في الإعلان وعلى مرآى ومسامع السلطة وهذا هو نصها ( أنا أريد أن يعلم الجميع أن الانتماء لحزب البعث حرام ، ولتعلم السلطة بموقف المرجعية الرافض لحزبها وعقائدها ) ، نعم هكذا يجب أن يكون مرجع التقليد مثل هذه الشخصية العظيمة وألا فلا  .

السلام عليك يا محمد باقر الصدر السلام عليك يا حسين العصر نعم أنت فعلاً حسين العصر قولاً وفعلاً وكما وقف الإمام الحسين أمام الطاغية يزيد وهو رافضا لظلمه وفساده وانحرافه وحكمه الجائر ورفع بوجه شعار هيهات من الذله ، أنت فعلت مثل ما فعله الامام الحسين عليه السلام وقفت بوجه الطاغية صدام وأنت ترفض ظلمه وفساده وانحرافه وحكمه الجائر وترفع شعار هيهات منا الذلة فالسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا .

اقوال في الشيد محمد باقر الصدر ( قدس سره ) ، السيد ابو القاسم الخوئي( قدس سره ) قال هذا الرجل فلتة وهذا الرجل عجيب فيما يتوصل اليه وفيما يطرحه من نظريات وأفكار درة علم وبحث , وكنز انساني لا نفاد له ولو بقي ولم تتطاول أليه اليد المجرمة لتخطفه من الحوزة العلمية لشهد المجتمع الاسلامي , في المستقبل القريب تحليقآ اخر في سماء المرجعية والزعامة العلمية والدينية ، وقال الامام السيد موسى الصدر على الزعيم السياسي ان يرى لليوم وللغد ولما بعد الغد , وهذا متوفر في السيد محمد باقر الصدر , وحسبه أنه استطاع ان يضع حلولآ لأمور بقيت عالقة مائة وخمسين عام تهيب الفقهاء من الدنو منها ، وقال السيد محمود الهاشمي من كان ليصدق ان عاشوراء ستتجدد بعد مرور اربعة عشر قرن ا؟! وان حسينآ أخر من سلالة الحسين  ( عليه السلام ) العظيم سيحضر من جديد في محراب الشهادة , ويصنع ملحمة أخرى وكربلاء جديدة ، وقال الشيخ محمد جواد مغنية أن السيد محمد باقر الصدر أعلم العلماء على الاطلاق وبلا منازع هذا الرجل هو الذي اخرج النجف من الكتب الصفراء الى الكتب البيضاء ، وقال الدكتور زكي نجيب محمود ان اعدام مفكر ساهم في تنمية العقل العربي الاسلامي تثير لدينا مشاعر التقزز والاشمئزاز فالدول المتقدمة تكرم أفذاذها , اما العراق فيعدم مفكريه ، إن كل من عاش وعاصر السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره )  يستطيع أن يدرك بسهولة أن التضحية حالة متجذرة في أعماق روحه الزكية بعد أن روى شجرة الإسلام بدمه الطاهر وسجل أبهى صور التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض ، ومقارعة زمرة البعث الفاشي وعصابات الجريمة والقتل الجماعي في عراق المقدسات ، وأذكر هنا بعض من بيانه الثالث حيث قال : ( وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء ، ومن أجل العربي والكردي على السواء ، حين دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً ، ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام طريق الخلاص وهدف الجميع فأنا معك يا أخي وولدي السني بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي ، أنا معكما بقدر ما أنتم مع الإسلام وبقدر ما تحملون من هذا المشعل العظيم لإنقاذ العراق .

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=4650
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 04 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 02 / 28