• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ليبيا واعادة خلط الأوراق .
                          • الكاتب : علي بدوان .

ليبيا واعادة خلط الأوراق

أدخلت العمليات العسكرية الغربية ضد ليبيا المنطقة بأسرها في أتون مرحلة جديدة، قد تكون مرحلة غامضة نظراً للعواقب الوخيمة التي ستترتب على القصف الجوي والصاروخي الذي استهدف ليبيا، وذلك خارج إطار قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي اتخذ بحق ليبيا ودون إجماع من أعضائه، عندما تحفظ عليه عدد من الدول وفي مقدمتها الصين وروسيا العضوان الدائمان في مجلس الأمن، إضافة للهند، والبرازيل وألمانيا، بأكثرية عشرة أعضاء من أصل خمسة عشر عضواً.
فالقرار الدولي الرقم 1973، والمتخذ صباح الجمعة الموافق 18 آذار 2011 تحدث عن الحظر الجوي على ليبيا ولم يتحدث عن القيام بأعمال عسكرية كالتي تحدث الآن، والتي استنفرت إليها مجموعة من الدول التي باتت تحمل اسم (قوات التحالف الدولي) تماماً كما حدث في العراق إبان غزوه عام 2003 الذي تم خارج إطار قرار مجلس الأمن الدولي.
وبالطبع، فإن الحديث عن مخاطر العمليات العسكرية الجارية ضد ليبيا، لا تنطلق من موقع الدفاع عن النظام القائم في ليبيا الآن، ولا من موقع تفضيل السكوت أو الصمت على ما يجري على أرض ليبيا من أعمال قتل وحشية تستهدف المدنيين، ومن مظاهر احتراب أهلي داخل بلد عربي شقيق، حيث لاحت الآن بوادر الانقسام والتقسيم ماثلة أمام أعيننا.
إن رفض وإدانة التدخل العسكري الغربي، وبهذه الصورة الفجة ضد ليبيا، ينطلق من عدة مسائل أساسية:
أولاها: إن هذا التدخل شئنا أم أبينا، يعيد خلط الأوراق، فيما يهدف الغرب إلى الإساءة للحراكات والانتفاضات والهبات والثورات التي اندلعت في عدد من البلدان العربية، وهي ترفع شعاراتها العادلة والمحقة داخل مجتمعاتها ضد أنظمة فاسدة، وضد أنظمة أضاعت وضلت الطريق طوال عقود من إمساكها بزمام القرار في معظم بلادنا العربية.
وثانيتها: إن العمليات العسكرية ضد ليبيا تسيء وتخدش الانتصار المدوي الذي حققه الشعبان الشقيقان المصري والتونسي، في انتفاضتين نظيفتين، وراقيتين، أذهلتا العالم بأسره، وأعادتا تقديم العنصر العربي باعتباره عنصراً حضارياً وتواقاً للديمقراطية والحرية والمساواة، وساعياً وراء الكرامة والوطنية في آن واحد.
وثالثتها: إن قرار مجلس الأمن بفرض حظر جوي على ليبيا بعد مطالبة جامعة الدول العربية بذلك يثير كثيراً من القلق من سوء نية الغرب عند تطبيق هذا القرار، فالحظر الجوي قد يستمر لسنين، وقد يطول حتى ما بعد سقوط النظام، وسيكون رفعه باهظاً على الشعب الليبي بكل ما للكلمة من معنى، وسوف تستنفد الأموال الليبية، كما استنفدت في الماضي في رفع الحصار وفي هذا الاتجاه أو ذاك، وكذلك في موضوع رفع الحظر الجوي مستقبلاً، أياً كان النظام الذي سيحكم ليبيا في نهاية المطاف.
ورابعتها: إن العمليات الحربية إياها، تعيد مرة جديدة فضح هذا العهر والمواقف اللا أخلاقية للدول الغربية والولايات المتحدة تجاه قضايا الناس والشعوب في العالم، فقد تحركت القاذفات الإستراتيجية الفرنسية والبريطانية، وتحركت معها أساطيل الولايات المتحدة لتطلق صواريخ (التوماهوك) المتطورة على ليبيا، على حين صمتت صمت القبور، بل داورت وناورت في التغطية على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، عندما قصفته طائرات العدو الصهيوني في الضربة الجوية الأولى وفي الدقائق الأولى منها إبان عدوان نهاية العام 2008 على القطاع وسكانه المدنيين بأكثر من ثمانين قنبلة زنتها الواحدة منها واحد طن (نعم واحد طن) وخلال ثلاث دقائق فقط، وهو ما أدى إلى ارتجاج كامل للأرض وما عليها في قطاع غزة، في منطقة هي الأكثر كثافة سكانية في العالم. فقد هوت تلك القنابل خلال ثلاث دقائق فقط على منطقة مكتظة بالبشر تبلغ مساحتها بحدود (360) كيلومتر مربع وعليها أكثر من مليون ونصف مليون نسمة. وفي حينها لم يتحرك ضمير نيقولاي ساركوزي الذي قبض الرشاوى بملايين الدولارات من نظام طرابلس الغرب، ولم تحرك بريطانيا العظمى ولا الإدارة الأميركية ساكناً، إنها بالفعل سياسة العهر وانعدام الأخلاق التي تلخص الموقف الأوروبي وازدواجيته الفاقعة الآن.
وخامستها: إن استهداف ليبيا يأتي تماماً وبصورة ما على طريقة استهداف العراق، فليبيا دولة (توب نفطية) ومركزية في ساحة البحر المتوسط حيث تمتد شواطئها على طول (2800) كيلومتر، وهو ما يجعل منها الدولة الأطول تشاطؤاً على قلب حفرة البحر الأبيض المتوسط، الذي يعج بأساطيل الدول الكبرى وهي تسبح على مقربة من عموم بلادنا وأوطاننا العربية.
وسادستها: إن الحرب الحالية على ليبيا لا تستهدف في نتائجها النظام بعينه، بل ستنتهي فصولها على الأرجح بضياع ليبيا كما ضاع العراق، وتحويلها إلى ساحة حرب وفوضى وإلى عراق آخر، إن لم نقل نحو (الصوملة) واقتتال الإخوة، فالغرب الأوروبي والولايات المتحدة (طامع وطامح) ويقتل، ولم تفتر همته بعد، ولم تشبع شهوته في التآمر والقتل من أجل الثروات وبلاد النفط.
وسابعتها: إن تلك الضربات تهدف إلى تطوير الصراع الداخلي في ليبيا بخبث الأشرار المحترفين الذين يغذونه، وصولاً للتدخل العسكري المباشر في ليبيا لتحقيق أهداف ومصالح، عدا فتح الأسواق السوداء أمام تجارة الدم والسلاح وصناعة الموت، حيث يقدر الغربيون بأنهم سيقبضون الثمن غالياً جداً من العرب عموماً ومن الليبيين خصوصاً.
أخيراً إن مؤشرات قوية ومنها التدخل العسكري الغربي، تؤكد أن هناك محاولة لركوب موجات المد الشعبي العربي وتوظيف رغبة الشعوب العربية بتغيير حال أنظمتها وذلك لتحقيق أهداف متعارضة مع روح وأهداف ما سعى إليه الناس في الشارع العربي. فالتدخل الغربي من خلال مجلس الأمن أو دونه لن يخدم الثورة العربية بل يفتح الطريق أمام انزلاق الثورات لحالات من الفوضى والحرب الأهلية والإقليمية.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=4823
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 04 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 01 / 20