• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الفَرد والكُل:بحث أنتولوجي (وجودي) إجتماعي .
                          • الكاتب : ا . د . وليد سعيد البياتي .

الفَرد والكُل:بحث أنتولوجي (وجودي) إجتماعي

مقدمة أولية:
كان قد سألني عدد من طلاب الفلسفة أن اشرح لهم الماهية والعلاقة بين الآحاد والكلي الطبيعي، وكنت قد قدمت لهم سابقاً محاضرات في علم الوجود وقد طرحوا الكثير من التساؤلات اجبت عنها وقتها، وهنا أقدم هذا الشرح الموجز عسى أن يجيب على بعض تساؤلاتهم العلمية مع الاخذ بنظر الإعتبار أني لا أعرض كل البحث ولكن جانب منه لاني احتفظ بالمادة الاصلية للبحث لتخرج في احد الكتب المتخصصة.
كنا قدمنا في بحوث سابقة القول بأن من أقسام الماهية هي: الماهية لا بشرط، والماهية بشرط الوجود، والقول بالماهية بشرط الوجود بمعنى أن هذا القسم من الماهية موجوداً ولا محال في ذلك، ويكفي في التعبير عنه القول: " الانسان موجود " كما يكفي لصدق هذا القول وجود إنسان واحد في مكان ما. مما يصبح دلالة على أن ماهية الإنسان موجودة مما لا يبقي شكاَ في صدق هذه المقولة.
ولما كان علماء الإجتماع لم يقدموا بحوثهم في معنى الفرد والكلي من منظور فلسفي ووجودي، وإكتفوا بالعلاقات الرقمية والعددية، ومفاهيم الأقلية والأكثرية مستنسخين ومتتبعين مقولات الفيثاغوريين في وضع العلاقات الرياضية والمعادلات الحسابية، حيث إهتم فيثاغورس وديمقراطس بالارقام في تشكيل معاني الواقعيات الطبيعية الخارجية، ولما كانوا رياضيين فان مفهوم العلاقات عندهم بقي في حدود العلاقات الرياضية الحسابية. ومن هنا كان تقييمهم للمجتمع يعتمد على العدد وعلى مفاهيم القلة والكثرة وليس على الفرد والكلي، فالمجتمعات ذات المنظور الديمقراطي لا تطرح مفاهيم الجمع والكلي والفرد، ولكنها تعتمد على المعايير الرقمية، وبذلك تتأسس الحكومات وتتخذ اشكالها على الحسابات الرقمية فقط. في حين المجتمعات الاشتراكية تعتبر الأفراد وسائل للإنتاج وهي تحولهم الى آلات فتخرجهم من مفهوم الإنسانية.
سنناقش في هذا البحث علاقة الكلي الطبيعي بآحاده من خلال هذا القسم أي الماهية بشرط الوجود لفهم العلاقة بين الكلي الطبيعي والأحاد (الأفراد).
الماهية أو الكلي الطبيعي:
عندما نذكر الماهية فاننا نعني الكلي الطبيعي، فإنتماء الإنسان إلى الإنسانية هو إنتماء للكلي الطبيعي، فكل أفراد الإنسان ينتمون للإنسانية بالمفهوم الوجودي، وليس بالمفهوم الاخلاقي أو الأدبي، فقد تصبح الانسانية تعبير عن الخلق الرفيع، هذا في المفهوم الاخلاقي، ولكن الافراد كل الافراد من بني البشر هم ينتمون للإنسانية بالمفهوم الوجودي لها، وهذا المفهوم لا يتعلق باللون أو المظهر الخارجي أو العرق.
الإنسانية مفهوم لماهية الإنسان ولانها قضية وجودية فهي طبيعية في تكوينها، فهناك كلي طبيعي للإنسان يعبر عن ماهيته، كما هناك كلي طبيعي للحيوان يعبر عن ماهيته. وقد نجد نقاط تقارب بين الماهية الإنسانية والماهية الحيوانية، كما نجد الكثير من التباينات بينهما، لكن لا يمكن القول أن الكلي الطبيعي للإنسان هو ذاته الكلي الطبيعي للحيوان.
من هنا نفهم أن الإنسان الفرد الطبيعي مرتبط بالإنسان الكلي الطبيعي أي انه مرتبط بالإنسان من خلال الإنسانية، بمعنى أن الإنسان مرتبط بالانسانية بالاصل التكويني وهو إرتباط تحقق في النشأة الاولى أي خلق الإنسان من طين.
خاصية المجتمع وماهيته من منظور الفلسفة الاسلامية:
يمكن فهم خاصية المجتمع الاسلامي وإدراك ماهيته من خلال فهم نسبة العلاقة بين الكلي الطبيعي والآحاد، فمن خلال فحصنا للعديد من نماذج العلاقات سنجد أن النسبة بين الكلي الطبيعي للإنسان وآحادة هي نسبة إتحادية وليست إنضمامية، بمعنى أن الكلي الطبيعي متحد بكل فرد من أفراده، فكل المزايا الثابتة للكلي الطبيعي هي ثابتة بعينها للفرد، ووفقاً لقاعدة الإتحاد فكل المزايا الثابتة للفرد بالذات ثابتة للكلي الطبيعي. وفي هذه يقول الحق سبحانه: " ألم نجعل له عينينِ * ولساناً وشفتين * وهديناهُ النجدين * فلا إقتحم العقبة ". البلد: 8-11.
فهذه الصفات صفات إنسانية يشترك بها بني الإنسان فالكل في الماهية الإنسانية في الجانب الظاهري متساوون في الخلقة والكل يحملون العقل، ولكن التباين يكون بالعلم.
كما نرى أن القرآن الكريم يصرح في معنى العلاقة بين الفرد والكلي الطبيعي من حيث التأثير والتفاعل فيقول عز من قائل: " مَنْ قَتَلَ نفساً بغير نَفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناسَ جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً ". المائدة: 32.
إذ لا فرق بين فرد الإنسان والكلي الطبيعي للإنسان. فوجود أحد المتحدين هو عين وجود الطرف الأخر للإتحاد، ومن هنا يصبح قتل القرد هو عين قتل الكلي، فإذا قتل إنسان واحد فقد قتل الإنسان، وإذا قتل عدد كبير من الناس (جمع غفير من الناس)، فقد قتل الإنسان أيضاً. فمن حيث الإنسانية لا فرق بينهما فرداً أو جماعة. ففي التعريف المنطقي للفرد إنه (إنسان) (1). وكذلك في التعريف المنطقي للجمع نقول إنهم (إنسان) (2).
وقد نجد أقرب تصوير يبين نسبة الكلي الطبيعي إلى أفراده هي نسبة الاباء إلى الأبناء كما يقول ابن سينا، فإذا فرضنا أن لكل ولد والداً مستقلاً عندئذ يكون التصوير صحيحاً، ولعل المشكلة في الكلي الطبيعي أنه يحمل على كل فرد من أفراده بصورة مستقلة من دون أن يلزم حمله على المجموع ولكنّه في الوقت ذاته يصح حمله على جميع الافراد أيضاً، فأحمد إنسان وأحمد وزيد وحسن وملايين غيرهم كلهم إنسان أيضاً.
المجازي والواقعي في النسبة الاتحادية:
يمكن للباحث ان يطرح تساؤلاً في ماهية هذه النسبة الاتحادية؟ فقد نرى وجودين يفصلهما الزمان والمكان، أو الوضع والموضع، فكيف يمكن أن يتحدا فان المنطق يقول بعدم قيام نسبة إتحادية بينهما إذ كل منهما وجود مستقل، غير ان ذلك ممكن مجازاً فالذي يركب سيارة مثلاً يقول تحركت من الموضع (أ) إلى الموضع (ب) فنحن ننسب هذه الحركة إلى أنفسنا في حين ان الذي تحرك فعلاً هي السيارة فهذه النسبة هي بالعرض والمجاز.
غير أننا نرى أن الماهية والوجود، والكلي الطبيعي والفرد ليس من هذا الإسلوب في الإسناد، إذا لايمكن القول أن الماهية حقيقة مستقلة، ونفس الوجود حقيقة مستقلة أخرى ثم يكون بينهما إتحاد مجازي، فهذا ما لا نقول به.
ولعل الاقرب الى تفكيرنا في تفسير المعنى هو إسناد اللون إلى الجسم، فلو قلنا أن هذا الجسم أبيض فاننا أسندنا البياض إلى الجسم، مع ان البياض أبيض بالذات وأما الجسم فهم أبيض بالعرض (العارض) أي دخل عليه عارض البياض فصار أبيضاً، ومع أن البياض وجود والجسم وجود آخر منفصل عنه لكنهما إتحدا في الوضع والموضع وهذا الإتحاد حقيقي وليس مجازي فحين دخل البياض على الجسم صار أبيضاً.
وأما التركيب بينهما فهو تركيب إنضمامي بإعتبار وجود البياض غير وجود الجسم، فبينهما تفاوت في الوجود، غير ان هذا التفاوت لم يمنع من إتحادهما في الوضع والموضع. ولعل ذلك يقودنا الى فهم الماهية من منظور واقعي.
.............................................
1- هذا ما ذهب اليه الفلاسفة المسلمون في المنطق، وهو أيضاً مذهب سقراط في تعريف الإنسان.
2- وهو مذهب فلاسفة المسلمين كما ذهب اليه سابقاً سقراط وافلاطون وارسطو في المنطق.
 
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=50390
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 09 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 11