• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مصانع الطائفية ! .
                          • الكاتب : سلمان عبد الاعلى .

مصانع الطائفية !


          يدعي الكثيرون بأنهم ضد الطائفية، إذ يعلنون دوماً براءتهم منها واستنكارهم لها، خصوصاً بعد الأحداث أو الإثارات الطائفية، فمثلاً لو صرح أحد المتطرفين بتكفير طائفة معينة أو بجواز قتل أبناء طائفة معينة، فإننا بالتأكيد سنجد العديد من الاستنكارات التي تدين هذا العمل الشنيع من قبل الكثيرين، بل حتى من قبل من يحسب على نفس طائفة هذا المتطرف، بيد أننا أصبحنا نشك ونشكك في الكثير من هذه الدعاوى (التي تدعي أنها ضد الطائفية)، وذلك لأن الكثير منها لم يتبرأ من المصانع التي تنتجها، فالطائفية منتج ضار، لها مصانعها المعروفة التي تنتجها، ولهذا لا يكفي أن نقاطعها أو نتبرأ منها أو أن نذمها، بل يجب علينا أن نقاوم أسسها، بمقاومتنا للمصانع التي تنتجها وتصدرها وتروج لها وترعاها، ولا نحصر الأمر فقط في مقاومة بعض مظاهرها.

          أقول هذا القول لأن البعض يعلن رفضه للطائفية، ولكنه يتجاهل مصانعها، ولا يحبب الإشارة لها من بعيد أو قريب، وإذا أشار لها فإنه قد يشير لها باحترام وتقدير، وهذا الموقف لا يتناسب ولا ينسجم مع موقفه المعلن من الطائفية، إذ كيف يكون الشخص ضد الطائفية ومع منتجيها ومروجيها في آن واحد؟! 
          فالبعض نجده يتظاهر بنبذه للطائفية، وهو نفسه يحمل كماً هائلاً من الفكر الطائفي، ونجده كذلك يحترم ويقدر وربما يدافع عن بعض الشخصيات والرموز الطائفية (التي تروج في أفكارها للطائفية)، بل قد نجد البعض يمارس بعض أشكال الممارسات الطائفية وإن أظهر نفسه بخلاف ذلك، فكيف نفهم مثل هذه التصرفات إذا كان يدعي براءته من الطائفية؟! 
          ولا يقتصر هذا الأمر فقط على عموم الناس، بل نلاحظ الكثير من الكتاب والمفكرين والشخصيات الدينية يتبعون نفس المنهج، إذ نراهم في كلماتهم وكتاباتهم (وفيما يعلنونه) يدعون محاربتهم ونبذهم للطائفية، وبالخصوص بعد حدوث بعض الأفعال الطائفية الواضحة، ولكن نجد هؤلاء أنفسهم يحملون أفكاراً طائفية قد لا تقل عن أفكار الطائفيين الذين استنكروا عليهم بسبب طائفيتهم المعلنة.

          وقد يتساءل البعض قائلاً: كيف يكون هؤلاء يحملون أفكاراً طائفية وهم يعلنون دائماً أنهم ضد الطائفية؟!
          وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن هؤلاء يكونون مع الطائفية بسبب تمسكهم بالرموز والشخصيات الدينية التي تنتج وتروج للطائفية، إذ لا يكفي أن تكون ضد الطائفية بأن تعلن فقط بأنك ضدها، بل عليك أن تفكر وتعمل وتتصرف ضدها أيضاً، فمن يقول بأنه ضد الطائفية ولكنه يحترم ويقدر ويرجع في آراءه لشخصيات ولرموز طائفية، فهو بالتأكيد شخص طائفي، ومن يعلن بأنه ضد الطائفية وهو يحمل أفكاراً طائفية فهو طائفي أيضاً، ومن يعلن بأنه ضد الطائفية ويمارس بعض الممارسات الطائفية فهو أيضاً طائفي.

          وهذا هو ما يصنعه البعض، فمع استنكاره وإعلانه بأنه ضد الطائفية، نراه يتفق مع بعض الطائفيين في أفكارهم المتطرفة وشخصياتهم المتزمتة وبعض سلوكياتهم المتعجرفة، وكأن الفارق الوحيد بينه وبينهم هو فقط في كون هؤلاء يعلنون عن آرائهم بصراحة، أما هو فيتحفظ عليها، ويحتفظ بها لنفسه أو لأتباع مذهبهم وطريقته. 
          لذا إذا كنا جادين في دعوانا في محاربة الطائفية، فعلينا أن لا نكتفي فقط بالتصريح ضدها، بل علينا أن نعمل ضدها وأن نتبنى مشاريع جادة لمحاربتها، لأن الاكتفاء بنقدها وبإعلان البراءة منها كلما حدثت إثارات طائفية هنا أو هناك، لا يجعلها تنتهي وتزول، ولا يحد كذلك من خطرها.

          أجل، علينا أن نضع الخطط والإستراتيجيات الناجعة لعلاج الطائفية، ونتبنى مشرعات جادة لمكافحتها، وهذه المشروعات لا بد لها من محاربة الطائفية وتجريمها بكافة أشكالها وأنواعها ومستوياتها، لتتمكن من اقتلاعها من جذورها، وليس فقط محاربة بعض مظاهرها كما هو الشائع.
 
كيف يمكن القضاء على الطائفية؟
          ومن أجل القضاء على الطائفية علينا بالعمل على ثلاث مستويات: 
أولاً: القضاء على الفكر الطائفي:
          لا بد لنا إذا أردنا أن نحارب الطائفية أن نحارب الفكر الطائفي الذي يروج لها، الفكر الذي لا يقبل الآخر (يكفر، يعادي، يكره...) واستبداله بفكر آخر نقيض له، أما أن ندعي محاربة الطائفية وفي أدبياتنا الدينية ما يشجع عليها ويدعو لها فهو أمر غير مقبول، لأن هذا يوقعنا في ازدواج الشخصية، فمن جهة نتغذى على مائدة الفكر الطائفي، ومن جهة أخرى نطالب بعدم القيام بالسلوكيات الطائفية، إذ كيف نجمع بين هذا وذا؟ 

ثانياً: القضاء على الرموز الطائفية:
          لعلنا نحتاج للقضاء على الرموز الطائفية أكثر من أي أمر آخر، وذلك لأن للرموز الطائفية دور كبير في ترويج الفكر الطائفي وفي إتباع الممارسات والسلوكيات الطائفية، ولهذا نحتاج لمحاربة جادة للرموز وللشخصيات الطائفية، سواءً كانت هذه الرموز في الماضي أو الحاضر، فمن يدعي محاربة الطائفية أو البراءة منها، ينبغي له أن يحارب كل رمز طائفي، وكل فكر طائفي، وكل سلوك طائفي، ولكن ما نجده من البعض أنه يستنكر أو يدعي الاستنكار لبعض الممارسات والسلوكيات الطائفية، ولكنه مع ذلك نجده لا يقبل الاستنكار أو حتى نقد الشخصيات التي تروج لهذه الأمور وتدعو لها، وذلك لأنها تحظى باحترام وتقدير عنده، وهذا ما يتنافى مع ما يدعيه !
ثالثاً: القضاء على السلوكيات والممارسات الطائفية:
          تأتي هذه المرحلة أو الخطوة باعتقادي بعد الخطوتين السابقتين، ولكن ما نراه في الكثير من الأحيان هو تجاهل الخطوتين السابقتين، بالإضافة على عدم التركيز الفعلي على هذه الخطوة، فحتى الإدانة التي توجه عادةً نحو السلوكيات الطائفية هي إدانات شكلية هزيلة، تقتصر فقط على الكلمات وقد لا تتجاوز في مجملها بضع كلمات، مما يجعلنا غير واثقين من جدية الكثيرين ممن يدعون محاربتهم للطائفية.
 
كلمة لا بد منها:
          عرفنا فيما ذكرناه آنفاً أننا إذا أردنا أن نقضي على الطائفية فعلينا أن نحاربها في ثلاث مستويات (في الفكر، وفي الرموز، وفي السلوك)، ولكن وللأسف الشديد أننا لا نرى جدية في ذلك من قبل الكثير ممن يدعي براءته من الطائفية، خصوصاً إذا أقتضى الأمر الوقوف في وجه رمز من الرموز الدينية الطائفية، وهذا ما يشكل انتكاسة حقيقة في عملية محاربة الطائفية، ولهذا نحن في أمس الحاجة لتجريم الطائفية فكراً، ورموزاً، وسلوكاً، كما نحتاج أيضاً لمحاربة المصانع التي تنتج الطائفية، وهذا المصانع لها مواقعها الجغرافية المعروفة، ولها امتدادها التاريخي الطويل، وهذا لا يخفى على من يريد فعلاً محاربة الطائفية.


 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=5448
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 05 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 22