• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : حول اشكالية تجسيد الانبياء - 3 - .
                          • الكاتب : عدي عدنان البلداوي .

حول اشكالية تجسيد الانبياء - 3 -

 ان الفارق بين وجود النبي بين الناس وبين رحيله، هو انقطاع الوحي في غياب النبي، فما الذي يبقى بعد انقطاع الوحي؟ .. انه الوعي ..
فالوعي هو الإمتداد الإجتماعي لرسالات الأنبياء بين الناس، فعندما يظهر النبي مجسدا في الفلم أمام المشاهد، ستتشكل في ذهنه بمرور الوقت صورة زمكانية للنبي لا وجود للبعد الروحي فيها، فيغدو النبي للأجيال المتلاحقة شخصية تاريخية أدت دورا إيجابيا يصعب الإتصال بها في عصر الماديات وتحكمها بكل شيء حتى العلم .. فينشأ نوع من الغربة بين المجتمع وتراثه، أو يبدو الزمن بعيدا بين الحاضر والماضي بدرجة يصعب معها الشعور بالتواصل، وهدف هذا الطرح هو الحفاظ على ديمومة نجاح المادية والصور التي تشكلت على إثره مجتمعات العالم اليوم ..
لم يكن الإسلام دينا روحيا وحسب، بعيدا عن جوانب الحياة الأخرى المادية والإنسانية والإجتماعية وغيرها، فقد عاش النبي مع الناس وتطرق الى مشاكلهم وهمومهم ومعاناتهم ومستوياتهم المعرفية، والإسلام ناقش حتى أدق تفاصيل حياة المسلم الشخصية، ليس من باب فرض الإسلام، بل من باب عرض الإسلام ليبقى للإنسان حق الإلتزام من عدمه، فهو مسؤول غدا أمام الله عن كل شيء، وقد أقسم جل شأنه (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون)، وهنا يأتي دور الوعي ليوجه الإنسان الى الطريق الذي يضمن وهو يخطو فيه أنه في الإتجاه الصحيح الذي يكفل له حياة جيدة   وآخرة يدخلها من باب رحمة الله، لا من غضبه ..
اذن علينا ان نفهم هذه الأبعاد للإسلام في المجتمع، فقد أملت الصناعة العالمية للثقافة فهما ماديا مجردا يهيمن على كل شيء ويسخر كل شيء لصالح المادة، فقد فرض علينا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هذه المفاهيم بحكم ارتباطنا الإقتصادي والتجاري والسياسي والثقافي بدول الغرب، واغفلنا مفهوم الإسلام للمادية أو أننا لم نفهم ذلك واكتفينا بالمظاهرات المنددة لتلك الأعمال والأفلام التي تجسد شخصية نبينا، أي تأثرنا معنويا، بينما هناك جوانب اخرى علينا أن نتأثر لها، فالإسلام يدعونا الى عبادة الله وفي الوقت نفسه هو يمنهج لنا طريقة التعامل مع حياتنا في ظل الإسلام ..
ان ما يشهده العالم اليوم من ظهور حركات وجماعات إسلامية متطرفة حد الإجرام، يذبحون ويصلون، بل حتى انهم يقدمون أرواحهم كأنتحاريين، لأنهم يعيشون اعتقادا املاه عليهم مشايخ وعلماء دين، كثيرون يتساءلون، كيف يقدم شاب على تفجير نفسه، وكيف تجد القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية من ينتمي اليها من مختلف انحاء العالم وخصوصا من المسلمين المقيمين في اوربا، في الوقت الذي كان يفترض انهم لمسوا حيوية الحياة الإنسانية السلمية في دول تكفل حريات الجميع على اراضيها ..
يقول الدكتور شريعتي (واننا اليوم لا نتمكن ان نقدس شيئا لانعرفه أو نتعبد بعقيدة لا نعرفها وبالخصوص تلك الطبقات المثقفة فان مسؤوليتها في معرفة مقدساتها اعظم وهذا ليس واجبا إسلاميا فقط بل هو واجب علمي وانساني ايضا. فقيمة كل انسان بمقدار معرفته وفهمه لمعتقداته لأن الاعتقاد وحده ليس فخرا واذا كنا نعتقد بشيء لا نعرفه جيدا فلا قيمة في ذلك بل القيمة تكمن في المعرفة والفهم الدقيق لما نعتقده ولأننا نعتقد بالإسلام فلا بد ان نعرفه جيدا ولمعرفة الإسلام بشكل صحيح لا بد ان نختار الصحيح المنهج).
نعم انه الاعتقاد لوحده دون المعرفة، فابن لادن زعيم تنظيم القاعدة كان مهندسا والظواهري طبيبا والبغدادي حاصلا على الدكتوراه، بمعنى انهم لم يكونوا من الجهلة من وجهة نظر عامة الناس، ومع ذلك كانوا يصلون في الصحراء وثغور الجبال ويكبرون إثر تفجير سيارة راح ضحيتها العديد من المدنيين والأطفال والنساء، بل انهم يقرنون تحركاتهم بالمسلمين الاوائل، ويطلقون اسماء تاريخية على هجماتهم الإرهابية، ويتكنون بكنى مسلمين عاصروا النبي او كانوا من التابعين ..
انني لست أرى بعدا كبيرا بين فكرة تجسيد الأنبياء في الأفلام السينمائية، وبين هدم قبور الأنبياء، فتلك مشاريع غربية تعمل وفق صناعة الثقافة الغربية المادية المعاصرة، وهذه مشاريع شرقية تعمل وفق صناعة الإرهاب القائمة على معتقدات تعوزها المعرفة الصحيحة في مجتمعات تفتقر الى الوعي والفهم الصحيح لدينها الذي تتمسك به وتتقبل فقرها ومعاناتها على ان يمس نبيها برسوم ساخرة أو فلم سينمائي يتعرض لمسيرته التاريخية ..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=58763
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 03 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 12