• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : بحوث ودراسات .
                    • الموضوع : المستشرق وليم موير وكتابه تاريخ دولة المماليك .
                          • الكاتب : صالح الطائي .

المستشرق وليم موير وكتابه تاريخ دولة المماليك


المقدمة

هذا بحث نتناول فيه بالدراسة والنقد كتاب ( تاريخ دولة المماليك في مصر ) للمستشرق الاسكتلندي وليم موير(1819-1905م) . الذي يعد من مشاهير المستشرقين الذين ظهروا في القرن التاسع عشر , صنف العديد من المؤلفات , بحث فيها التاريخ الاسلامي منذ البعثة النبوية الشريفة حتى سقوط المماليك الشراكسة وزوال الخلافة العباسية في مصر على ايدي العثمانيين .
ترجم له العديد من الباحثين , وكانوا بين قادح له ومادح ولمضمون مؤلفاته , والبحث في شخصية هذا المستشرق وكتابه عن عصر المماليك يعد امراً مهماً , لانه يعكس لنا وجهة النظر الغربية عن تاريخ ذلك العصر , لاسيما وان هذا الكتاب هو من اوائل المؤلفات التي ظهرت عن تاريخ المماليك ودرس لعقود طويلة في الجامعات الانكليزية والهندية .
فما هو مضمونه ومنهجه ومصادره وأهميته التاريخية , كل ذلك سنتناوله في محاور هذا البحث وهي : التعريف بالمستشرق وليم موير ومؤلفاته , موير بين التعصب والحيادية , المنهج العام لكتاب تاريخ دولة المماليك , آراء وآحكام المؤلف حول الأحداث والشخصيات المملوكية , الأخطاء التاريخية الواردة في الكتاب وأخيرا مصادر موير في كتابه . وقد اعتمدنا في انجاز البحث ، فضلاً عن تاريخ دولة المماليك للمستشرق المذكور , على العديد من المصادر الاسلامية , لمقارنة ما ورد في ذلك الكتاب معها , وكذا العديد من المراجع العربية والمعربة التي تناولت حياة هذا المستشرق ومؤلفاته .




التعريف بالمستشرق وليم موير ومؤلفاته
     مفكر اسكتلندي الأصل , ولد بمدينة كلاسكو في 27 نيسان عام 1819( ) تخصص أولا بالقانون حيث درسه في جامعتي أدنبرة وكلاسكو, ولكن بعد انتقاله للعمل في الهند سنة 1837م , بدأ بدراسة التاريخ الإسلامي( ) .
    اشتغل في الإدارة المدنية لشركة الهند الشرقية , فأمضى مدة طويلة في الهند واعتلى مناصب إدارية عدة هناك بين عامي1837حتى1876م ، ومن أعلى المناصب التي شغلها منصب السكرتير الخارجي لحكومة الهند عام 1865م ونائب الحكومة للولايات الشمالية الغربية عام 1868( ) ثم تولى رئاسة جامعة أدنبرة باسكتلنده لمدة ثمانية عشر عاماً من عام 1885م حتى عام 1903م( ) ليتوفى بعد ذلك بعامين وتحديداً سنة 1905م( ) .
    وعلى الصعيد الفكري أنجز هذا المستشرق تأليف عدة كتب ، وصفت من قبل بعض الباحثين بانها مراجع علمية في الجامعات الانكليزية والهندية( ) لكن عبد الرحمن بدوي أكد أن مؤلفات موير جميعاً تسودها نزعة تبشيرية شديدة التعصب( ), وسنذكر مؤلفاته أدناه حسب تواريخ صدورها.

1-     حوليات الخلافة ، أصدره عام 1853م وهو كتاب تناول فيه الخلفاء الراشدون حتى نهاية الدولة الأموية( ) ، ثم اصدر الكتاب ثانية عام 1891م بعد أن أجرى عليه تعديلات مهمة ، منها أنه أرخ للخلافة حتى سنة 926هـ/1557م وهي السنة التي أنهى بها العثمانيون الخلافة العباسية في مصر , وجـاءت هذه الطبـعة تحت عنوان ( الخلافة : ظهورها وانحطاطها وسقوطها )( ) .
2-     حياة محمد وتاريخ الإسلام , أصدره بين عامي 1856-1861م( ) ، وقال عبد الرحمن بدوي عن محتوى هذا الكتاب ، انه عبارة عن مقالات كتبها المستشرق عن تاريخ العرب قبل الإسلام ومصادر السيرة النبوية وحياة الرسول الكريم () حتى الهجرة ، ثم جمعها وأضاف إليها مقدمة طويلة عن المصادر وأصدرها في كتاب ضخم من أربعة أجزاء( ) . وذكر الكتاب باحث آخر بعنوان (سيرة النبي والتاريخ الإسلامي) وعدَّه مرجعاً معتمداً في الجامعات الانكليزية والهندية لما يحتويه من شمول الشرح ودقَّة المعلومات المسندة إلى المصادر الإسلامية( ) .
3-     القرآن : تأليفه وتعاليمه ، أصدره عام 1877م( ) ، أي بعد عام واحد من انتهاء عمله في الهند سنة 1876م ، ويرى أحد الباحثين ان محتوى هذا الكتاب يتضح فيه تحامل موير الشديد على الإسلام( ) ، وبيَّن فيه المؤلف أن القرآن الكريم أكد صحَّة الكتاب المقدس( ) . والواقع إننا لم نطلع على هذا الكتاب لنؤكد أو ننفي هذا الحكم، وذكر احد الباحثين إن عنوان هذا الكتاب هو (شهادة القرآن للكتب اليهودية والمسيحية)( ) .
4-     تاريخ دولة المماليك في مصر ، هذا العنوان حملته النسخة المترجمة من الكتاب وقد أصدره مؤلفه عام 1895م( ) ، وجاء أيضا تحت عنوان (المماليك أو أسرة الرقيق الحاكمة في مصر)( ) وعرف أيضا بعنوان (دولة المماليك)( ) وذكره بدوي بعنوان (المماليك أو دولة العبيد في مصر)( ) وهذا الكتاب سنتناوله بالنقد والدراسة في الصفحات التالية .
5-     أما كتابه الأخير فقد ألفه عام 1897م وهو تحت عنوان (الجدال مع الإسلام)( ) وعدَّ عبد الرحمن بدوي تصنيف موير لهذا الكتاب أحد الأدلة على تحامله على الإسلام( ) .
6-     وفضلا عن ذلك كتب عدة مقالات عن شعراء العرب( ) .

موير بين التعصب والحيادية
     أُتهم المستشرق موير من قبل بعض الباحثين العرب بتعصبه للمسيحية ، ومن هؤلاء عبد الرحمن بدوي الذي أكد انه كان شديد التعصب للمسيحية ، ولهذا اشترك بحماسة شديدة في أعمال التبشير بالمسيحية في مدينة أجرا ( أكرا) الهندية ، ودلل على ما ذهب إليه أيضا بتأليف موير لكتاب (شهادة القرآن الكريم على الكتب اليهودية والمسيحية)( ) وهذا الكتاب - كما مرَّ بنا - حاول  فيه مؤلفه إثبات صحة الإنجيل والتوراة المتداولين .
     وقال بدوي أيضا أن موير كتب مصنفه (حياة محمد وتاريخ الإسلام) بروح متعصبة خالية من الموضوعية ، ومن اجل هدف تبشيري خبيث( ) ، وهذا الكتاب عند باحث آخر (( يمتاز بخلوه من أي تعصب ظاهر ))( )، واخذ عليه كمال كشاط تعصبه للمسيحية وعمله الدؤوب في مجال التبشير ( ) .
     والواقع أن تعصب موير لديانته لا يعني انه وقف ضد الديانات الأخرى ، ومنها الدين الإسلامي الحنيف ، بل إننا نقرأ له نصوصاً عدَّة كان فيها حياديا ، بل منصفاً أيضا ، ففي كتابه (حياة محمد) الذي أكد بدوي انه كتب بروح متعصبة ، نجده يقول فيه واصفاً تعامل الرسول الكريم () مع أصحابه : (( ومن صفات محمد الجليلة الجديرة بالذكر والحَرية بالتنويه ، الرقة والاحترام اللذين كان يعامل بهما أصحابه حتى أقلهم شأناً ، فالسماحة والتواضع والرأفة والرقة تغلغلت في نفسه ورسخت محبته عند كل من حوله )) ( ) .
     وفي نصٍ آخر قال موير : (( امتاز محمد بوضوح كلامه ويسر دينه ، وانه أتمَّ من الأعمال ما أدهش الألباب ، ولم يشهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق الحسنة ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد )) ( ) . وختم عباراته المنصفة عن شخص الرسول () بقوله : (( وباختصار فإنه مهما ندرس حياة محمد نجدها على الدوام عبارة عن كتلة فضائل مجسمة ، مع نقاء سريرته وخلقه العظيم ، وستبقى تلك الفضائل عديمة النظير على الإطلاق في جميع الأزمان في الماضي وفي الحاضر والمستقبل ))( ) .    
أن هذه الكلمات التي صدرت عن موير خير دليل على مكانة نبي الله محمد () في نفسه ، ولو كان متعصباً ضد الإسلام ، لما أوردها في كتابه ولحذا حذو بعض المستشرقين الذين غمزوا رموز عدة من المسلمين وفي مقدمتهم الرسول الكريم () .
    وفي نصٍ آخر وصف العرب قبل وبعد إسلامهم فقال : (( لقد صنع محمد أمة من قوم كانوا من قسوة القلب والبداوة بحيث يصعب التأثير بهم كما أراد الإسلام وراحوا يملأون العالم بعد ذلك علماً ونوراً ... وأصبحوا بمحمد والإسلام قـوة راسخة )) ( ) .
ومن جانب آخر تظهر لنا حيادية هذا المستشرق حينما يؤرخ للصراع بين المماليك والصليبيين ، إذ لم يلتزم جانب الصليبيين ، بل نقدهم في أكثر من موضع ومن ذلك نقده الواضح لفرسان القديس يوحنا لانتهازهم فرصة الحرب بين المغول والمماليك في عهد السلطان قلاوون (678-689هـ) وقيامهم بعمليات سلب ونهب للمدن الإسلامية المجاورة لهم في بلاد الشام( ) ، وذكر أيضا أن الصليبيين استخدموا في حروبهم ضد المسلمين وسائل تتبرأ منها التعاليم التي جاء بها السيد المسيح( ) ، وفي ختام حديثه عن الحروب الصليبية أبدى تقييمه لها ، فأكد أنها أعطت أمثلة حية عن كرم المسلمين وفضيلتهم ، وزادت من الاضطهاد الديني ،وساعدت على إراقة الدماء ،وجاءت بفضائع محاكم التفتيش ، وملأت خزائن البابوات بالأموال ، وثبتت أركان السلطة البابوية( ) . كما قال عنها أيضا : (( وهذه الحروب الصليبية من أولها إلى آخرها مع معاضدة البلاط البابوي لها كانت شراً ... ))( ) . والحق إن مثل هذه الآراء جديرة بالاحترام ، وتُضعِف موقف الذين أشاروا إلى تعصبه للمسيحية .
وقال المستشرق يوهان فوك أن وليم موير : (( كان بعيد كل البعد عن تثمين الحضارة الإسلامية وأهميتها بالنسبة لأوربا )) دون أن يسند رأيه هذا بدليل ، في حين نقرأ في بعض مؤلفات موير ما يخالف ذلــك ، إذ أكـــد أن الحــروب الصليبيــة أيقظت العالم الغربي من سباته العميق( ) وهذا معناه أن تلك اليقظة جاءت بعد اتصالهم المباشر بالحضارة الإسلامية . كما أشار إلى  أنها أدت إلى ميل أوربا نحو الشرق ، وحصول الغربيين على المعلومات التاريخية والجغرافية والبلدانية والسكانية ، وأدت إلى توسيع الأفكار والاطلاع على عادات وطبائع الشرق( ) .وأكد أن ذلك الاتصال أدى إلى إحياء الفنون الجميلة في أوربا ، فضلا عن علوم الفلك والطب والصيدلة والتاريخ الطبيعي( ) .
وخلاصة القول إن الذين رموه بالتعصب للمسيحية ربما قرأوا في كتبه التي لم نطلع عليها ما يؤيد أقوالهم تلك ، ولكننا وجدنا في النصوص الواردة أعلاه ما يؤيد كون هذا المستشرق حيادياً ومنصفاً ، بل وناقداً للصليبيين الذين حملوا لواء الدفاع عن المسيحية كما يدعون .
المنهج العام لكتاب تاريخ دولة المماليك
ان العنوان الذي اختاره المؤلف موضوعا لكتابه (تاريخ دولة المماليك في مصر) لا ينطبق على محتوى الكتاب بشكل دقيق ، فالمستشرق تتبع فيه عهود السلاطين المماليك مؤكدا على الأحداث السياسية والعسكرية ، ولم يتطرق الى الجوانب التاريخية الا لماماً ، والمادة التاريخية الواردة فيه لا تقتصر أحداثها على مصر ، بل شملت أيضا أخبار كثيرة عن الأحداث العسكـرية والسياسيـة التي حدثـت فـي بـلاد الشام .
ولو أن المؤلف جعل عنوان كتابه (التاريخ السياسي والعسكري لدولة المماليك في مصر وبلاد الشام) لكان منطبقاً ومنسجماً مع محتوى الكتاب ، وبما ان المجال الزماني يتناول مجمل العصر المملوكي الواقع بين عامي 648-923هـ ،  لذا لا عجب ان نجد ثمة إرباك واختصار مخل في طبيعة المادة المقدمة للقراء ، لاسيما وأنه لم يتناول موضوعاً محدودا او قليل المعلومات .
 ومثلما أخلَّ موير بالمجال الزماني الذي اشترطه في عنوان كتابه ، فإنه تجاوز الاطار المكاني أيضا ، فعلى الرغم من أنه حدد تاريخ المماليك بحدود مصر ، الا أنه  تناول الكثير من الأحداث التي دارت في بلاد الشام( ) ، ولو أنه ترك العنوان مطلقاً من الناحية المكانية – كما بيَّنا اعلاه – لكان أفضل بكثير .
وضمن المؤلف كتابه تمهيداً امتد لأربع وثلاثين صفحة ، تناول فيها الحملات الصليبية السبعة ابتداءاً من الحملة الاولى سنة 491هـ/ 1097م حتى الحملة السابعة سنة 647هـ/1217م ، ولا ندري ما علاقة موضوع الكتاب بالحروب الصليبية التي بدأت وانتهت قبل قيام دولة المماليك ، ولو أكد المؤلف على علاقة المماليك بالدولة الأيوبية لكان الامر مقبولاً ومفيداً من الناحية التاريخية ، على اعتبار ان هؤلاء المماليك خرجوا من رحم تلك الدولة .
أما الترتيب العام لمادة الكتاب ، فلم يكن واضحاً ، إذ قسمه مؤلفه الى تمهيد وثلاثة وعشرين فصلاً ، متخذاً من أسماء السلاطين عنوانات لتلك الفصول ، لكنه لم يلتزم منهجاً ثابتاً في ذلك ، فتارةً يجعل عنوان الفصل لعهد سلطان واحد( ) ، ومرة لسلطانين( ) ، وأخرى لثلاثة سلاطين( ) ، وأحياناً أكثر من ذلك( ) ، ونرى لو أنه تتبع تاريخ عهود السلاطين مستقلة عن بعضها البعض لكان أسلم ، لاسيما وأنه لم يلتزم بالتوازن بين عدد صفحات الفصول كي نبرر له ذلك التفاوت في عهود السلاطين المؤرخة بين فصل وآخر .
ومن خصائص منهج المؤلف ، انه سجل أخبار الأحداث الواردة في كتابه بعبارة موجزة دون التعريف بالمواقع والأماكن الجغرافية التي دارت فيها تلك الأحداث ، مما قلل من أهمية المادة المدونة ، وجعل المطالع يقرأ معلومات لا يعرف تحديد الأماكن التي دارت فيها تلك الأحداث .
ومن المآخذ على منهجه في تسجيل تواريخ الأحداث التاريخية وعهود السلاطين، أنه لم يسجل تاريخ الحادثة حين ورودها في متن الكتاب ، بل اكتفى بذكر التواريخ على الحواشي الجانبية للكتاب ، وعلى القارئ ان يعود ليفتش عن السنة التي ذكرها سابقاً ليعلم تاريخ الحادثة التي هو بصدد قراءة أخبارها .
وفي أحيان كثيرة لا نجد تاريخ اصلاً للاحداث التي أوردها ضمن عهود السلاطين ، فضلاً عن أنه لم يذكر مدد حكم أولئك السلاطين منفردة ، لا في عنوانات الفصول التي سجلها بأسمائهم ، ولا في متن الكتاب حينما ترد اسمائهم ، كما أنه لم يضع جدولاً في ملاحق الكتاب لتواريخ عهود سلاطين المماليك ، وقد أكد مترجما الكتاب على التزامهما بتــرجمة جميع ما ذكــره المستشرق فـي كتابه هـذا ، اذ قالا : (( ولم نحد قيد أنملة عن ايراد المعنى الذي قصده المؤلف ، ولم نتقهقر امام ما كنا نجده في اسلوبه من غموض ، بل بذلنا كل ما نملك من جهود في بيانه ))( ) الأمر الذي لا يدع للشك مجالاً في أن المترجمين التزما بالترجمة الحرفية ، ولم يتصرفا بترجمة مادة الكتاب حسب آرائهما .

آراء وأحكام المؤلف حول الأحداث والشخصيات المملوكية
صدرت عن المستشرق موير في كتابه موضوع الدراسة العديد من الآراء والأحكام حول الأحداث وأقطاب الحكم وتحديداً سلاطين المماليك ، الأمر الذي برَز من شخصيتة كباحث ومؤرخ ، فمن آرائه تلك ما ذكره حول توثيق الأرمن والصليبيين لعلاقاتهم مع مغول آسيا الصغرى ، اذ قال : (( ولو تحاشى الارمن والصليبيين الخضوع لنفوذ المغول ، لكان خيراً لهم ، فإن هذا الخضوع كان لابد ان يثير حقد المصريين [ أي المماليك ] عليهم وتكون عاقبة سقوطهم )) ( ) .
وأبدى تعجبه من اعتماد السلطان الظاهر بيبرس (658-676هـ) على الإسماعيليين في بلاد الشام للقيام بعمليات اغتيال ضد خصومه السياسيين( ) , وحينما أرخ لمعركة حمص بين المغول والمماليك سنة 680هـ التي انتهت بانتصار المماليك  قال : (( ولاشك ان ظفر المصريين [أي المماليك] يعد حادثاً عظيماً في تاريخ الشرق ومصيره لأنه لو قلب لهم ظهر المجن [ أي لو حدث العكس وانتصر المغول] كما كاد يحدث لوقعت مصر بيد المغول , بل ربما كانت ميول أبغا المسيحية أثرت في مصر وسورية...)) ( ) . فأهمية هذا الانتصار عند موير تتأتى من كونه أفشل خطط المغول بقيادة أبغا لاحتلال مصر ، ومنع انتشار الديانة المسيحية التي كان عليها أبغا في بلاد الشام .
وفي نظرة عامة لعصر المماليك أبدى رأيه قائلا : (( لا نجد في تاريخ العالم نظيرا لعصر المماليك ، فإن طائفة من الأرقاء المشترين بالأموال من أسواق آسيا يكثر عددهم ويؤويهم أرقاء مثلهم ، ثم يحكمون قطراً غنياً كمصر ، ويضعون أيديهم على بلاد أخرى خارج مصر ، ويصبح مملوك اليوم منهم حاكم الغد ))( ) .
ولما كان المستشرق لا يمت بصلة للمماليك اوالمسلمين كافة أو الشرق عموماً , فإننا نجده يبدي آرائه وأحكامه حول سلاطين المماليك وعهودهم وطبيعة حكمهم بحرية وحيادية , وكان في ذلك بين قادح ومادح . ومن ذلك قوله في شخصية السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي حكم مصر ثلاث مـرات كـان آخـرهـا (709-741هـ) بمـا نصـه : (( كان الناصر ملكاً جليل القدر , ولكن ما أتاه من ضروب العسف وأعمال القسوة , غطى على ماله من الفضائل وجعلها كأنها لم تكن , ولهذا مات الناصر وأسمه مخيفاً أكثر منه محبوباً...))( ) .
  ووصف السلطان سيف الدين أبو بكر بـن النـاصر محــمد ( 741-742هـ) بـ (( الطاغية الصغير))( ) .
    وقال عن عهد السلطان شهاب الدين أحمد بن الناصر (742-743هـ) : (( وكانت مدة حكمه نصف عام قضاها في الدعارة وارتكاب الفضائع )) ( ) ومدح شخصية السلطان الصالح إسماعيل بن الناصر بقوله : (( كان مثالاً طيباً يحتذى به , رفيقاً بالعباد في إدارة شؤون الدولة , فكان أول سلطان من أسرته لم تغلب عليه خصال القسوة والجشع والغدر))( ) , في حين قـال عـن السلطان برقوق (784-801هـ) أنه(( فظ قاسي محب لسفك الدماء))( ) . وأبدى رأيه الايجابي مشروطاً  بعهد السلطان الظاهر جقمق (842-857هـ) ، حينما قال : ((... فإذا راعينا ما كانت فيه البلاد من صلاح في الداخل ، وما كانت عليه من المحالفات الودية في الخارج , عددنا حكم جقمق خير حكم , إذا استثنينا سوريا , وأعظم الأوقات سلماً تمتعت به مصر منذ عدة سنين وقد قلّ في عهده التعذيب والتقتيل...))( ) ، وقدح عهد السلطان خشقدم (865-872هـ) لأسباب لا تتعلق بالقتل والتعذيب حيث قال : (( ولم يكن محبباً إلى أي طبقة من الناس , لظلم مماليكه الذين لا رادع لهم , ولحكمه المشهور بالرشوة وغصب المال والفساد ))( ) .
وقيم عهد السلطان قايتباي (872-901هـ) بقوله : (( وبالاختصار كان سلطانا عظيماً... مع أنه كان يقسو ويظلم أحيانا , فهو مثال للمسلم الورع )) ( ) ووصف السلطان طومان باي (922- 923هـ) :  بـ (( أنه أقدر رجال السلطنة الشركسية مع أنه كان آخرها ))( ) .
وهكذا نجد أن أحكامه وآراءه بأقطاب الحكم المملوكي كانت موضوعية وليست متطرفة أو متعصبة ضدهم , معتمداً في أحكامه تلك على ما قرأه من معلومات عنهم في المصادر المملوكية , وهذه صفة قد لا نجدها عند باحثين آخرين .

المقارنة والتعليل
   لم يكن المستشرق موير مجرد ناقل للنصوص , بل تدخل كباحث لتوضيح أهمية الحدث أحيانا أو لبيان مبدأ ظهوره أو تعليل بعض الأحداث . ومن ذلك لجوءه أحيانا للمقارنات من أجل إثبات قيمة الانجاز التاريخي ، فعند ذكره المدرسة التي أنشأها السلطان قلاوون (678-689هـ) وتجهيزه لها بمكتبة كبيرة ، وتعيين الأساتذة لها قال : (( وهذا لمما يذكر الأوربيين بالمعاهد العظيمة التي يقيمونها في بلادهم اليوم))( ) .
 وعلل ضعف دولة المماليك البحرية في أواخر سنيها ، بالثورات الداخلية وسوء الحكم والقحط والوباء( ) ، أي انه شخص أسبابا سياسية وطبيعية كانت وراء انهيار دولة المماليك الأولى المسماة بالبحرية (648-784هـ) .
     وفي مجال التعليل التاريخي أيضا , نجده يعلل استمرار حكم المماليك بدولتيهم البحرية والبرجية لمدة طويلة بقوله : ((والحق إني لم استطع فهم السبب في استمرار هذا الحكم ، اللهم إلا إذا كانت حالة الأقباط السيئة إذ ذاك هـي التـي ساعــدت علــيه ،لأن الأقباط وحدهم كانوا هم الفئة القادرة عـلى مناهـضة ذلـك ووقـف تيـار سيـادتهم )) ( ), لان العرب المسلمين حسب رأيه كانوا أقل عدداً من الأقباط ، فلا يستطيعون معاداة المماليك , وهذا تحليل مجاف للواقع , إذ أن العصر المملوكي شهد العديد من الثورات التي قام بها العرب ، ولاسيما أهل الصعيد وقد أخمدت جميعاً بقسوة شديدة ، ومنها الثورة التي شملت الصعيد والوجه البحري بقيادة الأمير الشريف حصن الدين بن ثعلبة سنة651هـ ، وكانت أسباب ثورتهم سياسية عبروا عنها بقولهم نحن أصحاب البلاد وأحق بحكمها من المماليك ، وكفى اننا عانينا من بني أيوب فلا يجب أن نعاني من عبيدهم( ) . وكان عدد الفرسان في هذه الثورة اثني عشر ألف فارس ، ماخلا الراجلة( ) .
    وثار عرب الصعيد عدة مرات في عهد الناصر محمد بن قلاوون في أعوام 699, 713, 716 للهجرة وقد أخمدها جميعاً باستخدام البطش والقوة( ) . غير أن اخطر ثورة واجهها المماليك هي التي حدثت سنة 754هـ في عهد السلطان الصالح بن الناصر محمد (752-755هـ) والتي قام بها أهل الصعيد الذين التفوا حول زعيمهم ابن الأحدب شيخ عشيرة عرّاك ، لكن المماليك أخمدوها وقتلوهم وعلقوا رؤوسهم وغنموا خيولهم وأغنامهم وسلاحهم واعدموا الأسرى منهم ، وكانوا نحو سبعمائة أسير( ) . فعرب مصر كانوا قادرين كما لاحظنا على معاداة المماليك والوقوف بوجههم وهذا مما يفند رأي وليم موير .
الأخطاء التاريخية في كتاب وليم موير
وردت في كتاب ( تاريخ دولة المماليك)  بعض الأخطاء التاريخية لابد من الوقوف عليها وتصحيحها , من ذلك انه يقول أن حكم دولة المماليك بدأ بحكم السلطان الظاهر بيبرس (658-676هـ) ( ) ثم كرر ذلك في موضع آخر من كتابه إذ قـــال : (( كان السلطان بيبرس البندقداري أول سلاطين دولة المماليك البحرية...))( ).
والواقع إن هذا الكلام مجانب للحقائق التاريخية ، إذ أجمع معظم مؤرخي العصر المملوكي إن أول سلاطين هذه الدولة هو عز الدين أيبك (648-655هـ) ( ) وجاء بعده للسلطنة ابنه علي الملقب بالملك المنصور(655-657هـ) ( ) ، ثم جاء بعده السلطان المظفر سيف الدين قطز(657-658هـ) الذي قتله الظاهر بيبرس وتولى السلطنة مكانه ( ) ، وبهذا يكون بيبرس هو السلطان الرابع وليس الأول من بين سلاطين دولة المماليك البحرية , ولا ندري لماذا جعله المستشرق أول السلاطين إذ انه لم يعلل ذلك .
 وقال المستشرق إن سلاطين المماليك هم أسرة حكمت مصر( ) ، وهذا قول فيه نظر ، لأنهم ليسوا أسرة حاكمة ، بل ينتمون إلى أرومات عدة ، أشهرها التركية والشركسية والرومية ، تم شراءهم وهم صغار ، وجيء بهم إلى مصر ليربوا ويكبروا ثم استلم بعضهم الحكم كما هو مشهور ، وشكلوا طبقة عسكرية حاكمة كما ينطق بذلك تاريخهم بصوت عال .
 وذكر المستشرق إن المماليك البحرية حكموا مصر مدة قرن من الزمان( ) ، في حين إن حكمهم دام من سنة 648هـ حتى سنة 784هـ أي أنه استمر نحو مائة وثلاثين عاماً .
 وعلل المستشرق موير قيام السلطان الظاهر بيبرس بإعادة إحياء الخلافة العباسية سنة659هـ في القاهرة بعد سقوطها على أيدي المغول في بغداد سنة 656هـ بتخوفه من محاولات إعادة إحياء الخلافة الفاطمية في مصر ، لذا نصب أحد أفراد البيت العباسي خليفة في مصر كي يقضي على تلك المحاولات ( ) .
     والواقع ان كل الدلائل والأحداث التاريخية التي شهدتها مصر تؤكد ان الدولة الفاطمية انقرضت وأصبحت نسيا منسيا بعد سقوطها على أيدي الأيوبيين سنة 567هـ إي ان دولة المماليك قامت بعد ذلك بأكثر من ثمانية عقود ، الأمر الذي يؤكد ان تعليل موير لا يقبله العقل ولا المنطق ولا الأحداث التي شهدتها مصر خلال حكم الأيوبيين الذي استمر حتى سنة 648هـ ، إذ عمل هؤلاء جاهدين على محو كل ما يمت للدولة الفاطمية بصلة ، سواء أكان على الصعيد الفكري أم السياسي أم العقائدي .
     والصحيح إن خطوة بيبرس تلك تعود لسببين سياسيين أولهما : قطع الطريق أمام عودة الايوبيين مجدداً لحكم مصر وإحياء دولتهم . وثانيهما : إضفاء الصفة الشرعية على حكم المماليك ، لاسيما وأنهم غرباء عن البلاد ، بل على المنطقة برمتها، فبوجود الخليفة العباسي في القاهرة , أصبححوا الحكام الشرعيين أزاء أعدائهم في الخارج والداخل .
 ومما يسجل على المستشرق في كتابه هذا ، أنه أطلق مصطلح (المصريين )على المماليك في عدة مواضع من كتابه تاريخ دولة المماليك ( ) . والحق ان ثمة فرق واضح بين التسميتين ، لأن مصطلح مصري كان  يطلق على سكان مصر من المسلمين والأقباط وغيرهم قبل مجيء المماليك لحكم مصر بقرون عديدة , أما مصطلح المماليك فهو ينحصر بالطبقة الحاكمة ، سواء أكانوا جنوداً أم أمراء أم سلاطين , ولو أن المؤلف استعمل مصطلح المماليك أو عبارة حكام مصر لكان تعبيره صحيحاً .
 ومن بين الأخطاء الواردة في الكتاب قول المؤلف إن المؤرخ المقريزي (ت 845هـ) تولى منصب شرطة القاهرة( ) والصحيح ان المقريزي لم يتسلم هذا المنصب بل منصب آخر مختلف عنه هو الحسبة ( ) . ومن أخطائه أيضا انه خلط بين منصبين مختلفين هما : الوزير والأتابك( ) ، فالأول منصب مدني ليس بالضرورة أن يتولاه احد أمراء المماليك , بل شغله العديد من المصريين ، وقد حدث ذلك كثيراً خلال العصر المملوكي, ومن أشهر الأمثلة على ذلك قيام القصاب محمد البباوي بمهام منصب الوزارة( ) ثم تولاه غلام هذا القصاب( ) أما الأتابكية فهي منصب لا يتولاه إلا  كبار الأمراء المماليك ،لأنه يتصل بقيادة الجيش المملوكي , فهو منصب عسكري( ) .                          وأورد في ترجمة السلطان قانصوة الغوري (906-922هـ) انه تولى قبل السلطنة منصب رئيس الوزراء( ) . وقال ذلك أيضا في ترجمة السلطان طومان باي (922-923هـ) . ومن الجدير بالذكر أن منصب رئيس الوزراء لا وجود له في العصر المملوكي ، وعند الرجوع إلى ترجمة هذين السلطانين في مصادر التاريخ المملوكي تبين أنهما توليا منصب الدوادارية ( ) ، وهو منصب يقوم متوليه بمتابعة رسائل السلطان وتبليغ الأمور وتقديم الشكاوى والبريد للسلطان ، ويتولاه  كبار الأمراء المماليك ( ) .
 ومن أخطائه أيضا انه عد تيمورلنك ابناً لوزير جنكيزخان( ) دون أن يذكر مصدر معلوماته ، وهذا ما لا تقبله القرائن التاريخية , إذ أن جنكيزخان توفى سنة 624هـ , وتيمورلنك توفى سنة 808هـ اي أن بينهما حوالي 280 سنة ، فليس من المعقول أن يكون والد تيمورلنك وزيراً لجنكيزخان بسبب الفارق الزمني الشاسع ، وتصحيحا لقول موير نشير الى أن ابن تغري بردي (ت874هـ) ذكر ان تيمورلنك كان أبناً لأحد وزراء السلطان حسين حاكم مدينة بلخ وان تيمورلنك تزوج من أخت هذا السلطان( ) .
 ومن الأخطاء أيضا قوله أن غازان هو ملك الفرس( ) والصحيح ان غازان كان ملكاً للتتار اذ أنه من أحفاد هولاكو( ) .

مصادر وليم موير في كتابه تاريخ دولة المماليك
على الرغم من أن المستشرق تناول في كتابه المذكور تاريخ المماليك بشطريه البحري والشركسي , والذي أمتد طويلاً من سنة 648حتى سنة 923هـ, وعلى الرغم من أن المصادر التي ألفت في هذا العصر كثيرة جداً ومتنوعة ومتوفرة أما مخطوطة وأما مطبوعة زمن تأليف موير لكتابه , لكنه لم يشر إلى مصادر معلوماته إلا قليلاً, بل نادراً ، ومعظم الإشارات أو حالات التوثيق كانت غير دقيقة ، ولا تعطي صورة واضحة للقارئ عن مصادر المعلومات الواردة في الكتاب .
واستخدم عدة أنواع من الإشارات كأن يقول : (( ذكر بعض المؤرخين ))( ) دون أن يسميهم أو يذكر عنوانات كتبهم . ونقل تقييماً لشخصية السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون (689-693هـ)عن (( مؤرخي المسلمين )) ( ) وإذا علمنا أن ثمة عشرات إن لم يكن أكثر من بين المؤرخين المسلمين ممن ترجموا لهذا السلطان, لبان لنا كم أن مثل هذا النوع من التوثيق كان ضعيفاً . وحينما ناقش الروايات حول أصل السلطان حسام الدين لاجين (696-698هـ) اعتمد على من أسماهم بـ (( المؤرخين الغربيين والمصادر الشرقية ))( ) وهو توثيق غير واضح وعشوائي .
والواقع أن معظم مادة الكتاب نقلت من مصادرها العربية أو الغربية دون أن يلتفت مؤلفه إلى ذكر أسماء تلك المصادر ، والحالات التي ذكرناها أعلاه تعد قليلة قياساً بحجم المادة المنقولة بلا توثيق .
وفي حالات قليلة أشار المؤلف إلى مصادر معلوماته ومن تلك المصادر تاريخ أبي الفدا (ت 732 هـ) الذي أحال القارئ إليه دون أن يذكر الجزء والصفحة( ) . ونقل نصاً من ابن إياس (ت 930هـ) ولم يذكر عنوان الكتاب( ) ونقل من المقريزي نصاً وذكر الجزء والصفحة ولم يذكر عنوان الكتاب( ) , ونادراً ما يذكر عنوان المصدر والجزء والصفحة( ) .
 ان المستشرق في منهجه التوثيقي هذا كان أقرب إلى المؤرخين المسلمين منه إلى المدرسة الغربية الحديثة التي تؤكد على التوثيق الدقيق , إذ كان العديد من المؤرخين في العصور الإسلامية ينقلون النصوص دون الأشارة الى مصادرها  ، واذا أشاروا اليها يستخدمون عبارات معينة مثل : (( قال فلان )) أو (( قال فلان في كتابه كذا )) أو (( قال صاحب كتاب كذا )) .
    ولانجد تفسيراً لمنهج المستشرق هذا ، الا في أن اختصاصه الأساس لم يكن في علم التاريخ , بل القانون – كما مر بنا - وان دراسة التاريخ جاءت بعد انتقاله للعمل في الهند , أي أنه لم يدرس التاريخ أكاديميا كما حدث له مع القانون ، بل اعتمد على نفسه في ذلك ، اذ لم تشر مصادر ترجمته أنه درس هذا العلم في جامعة معينة .
هذا ما يتعلق بطريقة توثيق المستشرق لمعلومات كتابه , أما نقده لبعض تلك المصادر فهناك بعض الاشارات حول ذلك , فقد عدّ المقريزي وأبن تغري بردي وابن اياس أوثق المصادر المعاصرة للحقبة المملوكية( ) .
وعلى الرغم من صحة تقييمه للمقريزي وابن تغري بردي , إلا انه لم يكن مصيباً بتوثيقه لابن اياس ، فمن يقرأ كتابه بدائع الزهور والقسم الخاص منه بدولة المماليك , يجد أنه كان مجاملاً للسلطة أحيانأً ، ولعل ذلك يعود إلى انتمائه لطبقة المماليك وهو بهذا يخالف ابن تغري بردي الذي على الرغم من انتمائه لذات الطبقة, فأنه كان موضوعياً ومنصفاً في الكثير من الأحداث وتراجم الشخصيات المملوكية, وخير دليل على ذلك نقده اللاذع لمعاصريه من أقطاب السلطة المملوكية ووصفه لهم بـ ((البقرة العاجزة ))( ) .
أما المقريزي فقد نأى بنفسه عن التقرب من السلطة ، فجاءت كتاباته من أوثق ما يكون عن العصر المملوكي متصفاً بالحيادية والانصاف ، وأعاب على المماليك الكثير من أفعالهم ولاسيما في مجال السياسة والاقتصاد .
وذكر المستشرق في نقده لإبن تغري بردي في موضع آخر من كتابه انه كان مقرباً من السلطة , وان ذلك يعد مدعاة للشك في أحكامه التاريخية( ) . والواقع أن المؤرخ المذكور كان ابناً للأمير تغري بردي الذي تولى مناصب عدة ، كان أهمها منصب أتابك الديار المصرية( ) . أي قائد الجيش المملوكي كما أنه نسيباً لاثنين من سلاطين المماليك( ) . لكن المؤرخ لم يستغل هذه المكانة في التمجيد للسلطة على مثال بعض المؤرخين , بل أعتمد على ذلك في الحصول على معلومات تفصيلية ودقيقة من أفواه المشاركين في الأحداث السياسية والعسكرية إذ كان يستطيع الدخول إلى البلاط المملوكي متى ما أراد ذلك( ) ، فجاءت مؤلفاته عن تاريخ المماليك تفصيلية ودقيقة .
ومن أمثلة نقده لمصادره علق وليم موير على وصف المقريزي للسلطان الاشرف برسباي (825-841هـ) بالمكر والقسوة والجشع بما نصه : (( لم يلق المقريزي التشجيع من البلاط في حكم هذا السلطان, ولـعل ذلك مـن الأسباب التـي جعلته يقسو عليه ))( ) . والحق ان المقريزي هو الذي كان ينأى بنفسه عن أقطاب الحكم .






الخاتمة
    بعد ختام البحث في حياة المستشرق وليم موير وكتابه تاريخ دولة المماليك في مصر, يمكن تسجيل ما يأتي :

-    إن وليم موير يعد من أشهر المستشرقين الذين ظهروا في القرن التاسع عشر, جاءت شهرته من مؤلفاته الخمسة التي بحثت في التاريخ الإسلامي منذ بدايته حتى سقوط دولة المماليك, ولكونها شكلت مصادر ومعلومات أساسية للطلبة والباحثين, ولاسيما الناطقين باللغة الانكليزية.

-    إن هذا المستشرق كان من كبار الموظفين في حكومة الهند الشرقية فضلاً عن تسلمه منصب رئيس جامعة أدنبرة لثمانية عشر عاماً .

-    اتهم المستشرق موير من قبل بعض الباحثين العرب بالتعصب ضد الإسلام , في حين برأه آخرون من هذه التهمه . وقدر تعلق الأمر بكتاب تاريخ دولة المماليك في مصر فأننا لم نجده متعصباً بل كان حيادياً, قال ماله وما عليه.

-    اعتمد موير في تأليف كتابه المذكور على بعض المصادر الإسلامية , لكنه لم يعتمد طريقة واضحة ودقيقة في عملية التوثيق التي يؤكد المنهج اغربي الحديث على وجوب اعتمادها .

-    وردت في كتابه العديد من الأخطاء التاريخية التي أشرناها وصححناها معتمدين في ذلك على مصادر التاريخ المملوكي .

-    ان وقوع الأخطاء التاريخية عند موير في كتابه موضوع الدراسة  ، وضعف المنهج الذي استخدمه ، يعود الى كون الاختصاص الأساس الذي درسه أكاديميا هو القانون وليس التاريخ ، الذي يبدو أنه تعلمه معتمدا على نفسه .
-    أن أفضل ما في الكتاب تلك الآراء والأحكام التي دونها المستشرق حول الأحداث والشخصيات المملوكية, وهي أحكام كانت متوازنة وتنم عن حيادية وموضوعية .






















قائمة المصادر والمراجع
اولاً : المصادر
-    ابن اياس, محمد بن احمد (ت 930هـ)
1-     بدائع الزهور في وقائع الدهور, تحقيق: محمد مصطفى زيادة, الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة, 1984م) .
-    ابن تغري بردي, جمال الدين يوسف بن تغري بردي الاتابكي (ت 874هـ) .
2-     حوادث الدهور على مدى الأيام والشهور, تحقيق: وليم بوير (كاليفورنيا, 1930) .
3-     المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي,ج3, تحقيق نبيل محمد عبد العزيز, الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة,1985م) .
4-     النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة, المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر(القاهرة, 1972م) .
-    الذهبي, شمس الدين محمد بن احمد الدمشقي (ت 748هـ) .
5-     تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعيان, تحقيق: عمر عبد السلام تدمري, دار الكتاب العربي (بيروت, 1407هـ) .
-    الرمال, ابن زنبل (ت 960هـ) .
6-     آخرة المماليك, الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة, 1998م) .
-    ابن سباط, حمزة بن احمد بن عمر (ت 926هـ).
7-     تاريخ ابن سباط, تحقيق: عمر عبد السلام تدمري, ط1، (طرابلس ,  1993م) .
-    السخاوي, شمس الدين محمد بن عبد الرحمن (ت 902هـ) .
8-     الضوء اللامع لأهل القرن التاسع, مطبعة القدسي(القاهرة,1355هـ).
-    الصفدي, خليل بن أيبك (ت 764هـ) .
9-     الوافي بالوفيات, تحقيق احمد الارناؤوط وتركي مصطفى, دار إحياء التراث (بيروت,2000م) .
-    ابن طولون, شمس الدين محمد بن علي الصالحي (ت 953هـ) .
10-     أعلام الورى بمن ولي نائباً من الأتراك بدمشق الكبرى, تحقيق محمد بن احمد دهمان, المطبعة الرسمية (دمشق, 1964م) .
-    ابن  العماد الحنبلي, عبد الحي بن احمد بن محمد (ت 1089هـ).
11-     شذرات الذهب في أخبار من ذهب, تحقيق عبد القادر الارناؤوط, دار ابن كثير(دمشق,1406هـ) .
-    الغزي, نجم الدين محمد بن محمد (ت 1061هـ) .
12-     الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة, ط1, دار الكتب العلمية (بيروت,1997م) .
-    القلقشندي, تقي الدين احمد بن علي (ت 821هـ) .
13-     صبح الأعشى بصناعة الانشا, تحقيق عبد القادر عطا, وزارة الثقافة (دمشق,1981م) .
-    ابن كثير, عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت 774هـ) .
        14- البداية والنهاية مكتبة المعارف (بيروت,1977م)
-  المقريزي, تقي الدين احمد بن علي (ت 845م) .
     15- السلوك لمعرفة دول الملوك, تحقيق: سعيد عبد الفتاح عاشور,
          مطبعة دار الكتب (القاهرة,1970م) .
-  الهمداني, رشيد الدين فضل الله (ت 718هـ).
     16- جامع التواريخ, ترجمة محمد صادق و محمد موسى (القاهرة
        ,1960م).


ثانياً: المراجع
- بدوي, عبد الرحمن
       17- موسوعة المستشرقين, ط3, دار العلم الملايين (بيروت,1993م).
- حامد ,احمد
       18 - الإسلام ورسوله في فكر هؤلاء, مطبعة دار الشعب (القاهرة,د.ت)
- ضاحي, فاضل جابر
       19- كتاب النجوم الزاهرة في الملوك مصر والقاهرة- دراسة وتحليل , مطبعة الضياء (النجف الاشرف 2009م).
- العقيقي, نجيب
       20- المستشرقون, ط5, دار المعارف (بيروت,2006م) .
- فوك, يوهان
        21- تاريخ حركة الاستشراق في الدراسات العربية الإسلامية في أوربا حتى بداية القرن العشرين, ترجمة عمر العالم, دار المدار الإسلامي (بيروت , د.ت) .
- موير, وليم
        22- تاريخ دولة المماليك في مصر,ط1,مكتبة مدبولي (القاهرة,1995م).

ثالثاً: البحوث والمقالات
-    الشارف, عبد الله
    23- المستشرق وليم موير وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم مقال منشور على موقع  www.charef.net
-    شكاط, كمال
    24- شهادة السير وليم موير, مقال منشور على الموقع www.norelhag.net
-    عبد المحسن, عبد الراضي محمد
     25- الغارة التنصيرية على اصالة القرآن الكريم, بحث منشور على موقع www.dawahmemo.com
-  قاشا, سهيل
     26- المستشرقون الانكليز, بحث منشور في مجلة الاستشراق, العدد الثاني, شباط 1987.





 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=59151
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 03 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 18