• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : (نيسانُ) العِراقي (٦) والاخيرة .
                          • الكاتب : نزار حيدر .

(نيسانُ) العِراقي (٦) والاخيرة

  ...وسقطَ الصنمُ في مزبلة التاريخ.
   ففي مثل هذا اليوم (٩ نيسان) من عام ٢٠٠٣، استجاب الله تعالى لدعوات ملايين المظلومين وتوسّلات الايتام والثّكالى وتضرّع الامّهات المفجوعات والآباء المفجوعين، ليزيحَ عن صدر العراق وكاهلهِ واحداً من أخطر النّظم السياسية التي مرت في تاريخه.
   فلقد تجلّت في تلك اللحظة إرادة الله عزّ وجل بقوله عزّ من قائل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} وقوله {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} وقوله {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}.
   وصدق امير المؤمنين عليه السلام الذي قال {يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَومِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُومِ!} وقوله {يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ}.
   وبينما كان العراقيون يبتهجون بالتّغيير، اذا بهم يُفجَعون باخبار المقابر الجماعيّة التي بدأوا يكتشفونها الواحدة تلو الاخرى، لتجدد عليهم الآلام مرّة أخرى وتُثير الأوجاع في قلوبهم.
   مع كلّ ذلك، فقد بدأ العراقيون يلملمون جراحهم ويعضّون عليها أملاً بمستقبلٍ جديد يتجاوز مخلّفات الماضي ويستفيد من تجاربه.
   ولكونهم أرادوا تغييراً جدرياً وحقيقياً وتاريخياً يلغي، اولاً وقبل كل شيء، القاعدة البائسة التي بُنيت عليها الدولة العراقية الحديثة مطلع القرن الماضي في إطار اتفاق (كوكس ــ النقيب) سيّء الصيت على قاعدة (عسكري عربي سنّي) تغييراً يعتمد نظاماً يقوم على أساس الأغلبية السياسية والتداول السلمي للسلطة والحياة الدستورية ومبدأ القانون فوق الجميع لضمان المساواة والعدل، من اجل الغاء الدرجات في (المواطنة) لانّهم أرادوه كذلك، فقد واجههم ثلاثة أعداء من خارج الحدود تكالبوا عليهم يريدون تكسير عظامهم، بعد ان نهشَ نظام الطاغية لحومهم؛
   العدوّ الاول؛ هو نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، والذي رأى في سلطة الأغلبية خطراً محدقاً يهدّد شرعيّته ويمكن ان يقلب الطاولة على رأسه، ولذلك شمّر هذا النظام الوراثي القبلي عن ساعديه وكشّر عن انيابه التي تقطر حقداً ودماً، باذلا كل ما يمكنه من اجل تدمير البديل السياسي المرتقب، فصدرت فتاوى التكفير من فقهاء البلاط لتحث الجراثيم والدواب للتجمع في العراق ليبدوا عمليات القتل والتدمير بشكل واسع جدا، مدعومين باموال البترودولار الحرام والاعلام الطائفي الحاقد.
   العدو الثاني؛ هم كل أيتام الطاغية الذليل صدام حسين في العالم العربي والإسلامي من الذين خسروا عطاياه السخية من اموال الشعب العراقي والتي ظل يغدق بها عليهم ليصنع منهم ابواقا ملأت السماوات والأرضين.
   ولعل من اكثر دول الجوار التي فيها من هؤلاء الايتام التافهين هي الاْردن، ولذلك كانت الأقسى على العراق بعد نظام القبيلة، ملكا وحكومة وشعبا وكل شيء.
   العدو الثالث؛ هم دول الجوار بشكل عام، والتي ايدت الولايات المتحدة الأميركية وحليفاتها بقرار استخدام القوة لاسقاط النظام البوليسي في العراق، وعلى راسها سوريا التي كانت وقتها تمثل المجموعة العربية في مجلس الأمن عندما اتخذ كل القرارات المتعلقة بملف العراق، الا انهم. دول الجوار، غيرت رايها عندما شعرت ان تغييرا حقيقيا يجري الإعداد له في العراق، وليس مما كانوا يتصورون، تغييرا شكليا يستبدل وجوها باخرى مع الاحتفاظ بالقاعدة الثلاثية الآنفة الذكر، ولذلك اتّحد الأعداء وتعاونوا على العراق لتدميره وإيقاف اية محاولة للتغيير الجذري، على اعتباره تغييراً يعتمد صندوق الاقتراع ولأول مرة، ما يرى فيه النظام السياسي العربي الفاسد خطراً حقيقياً عليه لا ينبغي افساح المجال امامهُ ليرى النور، ولذلك قرّروا ان يولد ميتاً، فاذا بهم جميعاً يتعاونون على المنكر فكانت قوافل الدوابّ تتجمّع في سوريا من كلّ حدبٍ وصوب، بتحريض فتاوى التكفير واموال البترودولار والاعلام الطائفي ليتلقّوا تدريباً ما على عجالة ومن ثم تتسلّل الى العراق لتفجّر نفسها وسط الحشود البريئة!.
   وبحمد الله، فلقد انتشرت هذه الجراثيم والدوابّ، بعد ان طعمت من دماء ولحوم العراقيين، لتعيد انتشارها في كل بلدٍ ارسلها إلينا!.
   اما في الداخل، فقد واجهت العملية السياسية الجديدة ثلاث شرائح كادت ان تُفشل التجربة، وهي؛
   الشّريحة الاولى؛ سياسيون وزعماء سُنّة لم يصدّقوا او يستوعبوا فكرة انهم فقدوا السلطة في العراق الجديد.
   الشّريحة الثانية؛ سياسيون وزعماء شيعة يجهلون فَنِّ السلطة وإدارة الدولة بسبب إقصائهم عنها قروناً طويلة.
   الشّريحة الثالثة؛ سياسيون وزعماء كرد طامِعون ومستعجِلون، يحاولون ابتزاز العملية السياسية بأي شكلٍ من الأشكال.
   ولقد تجمّعت اخطاء هذه الشرائح الثلاث لتضيّع الكثير من الوقت والجهد، ما سبّب كلّ هذه النتائج الكارثيّة التي يمر بها العراق اليوم بعد مرور (١٢) عاماً على إسقاط الصنم. 
   ان التجربة بحاجةٍ الى اعادة نظر شجاعة من قبل كلّ العراقيين، خاصة السياسيين، فليس المشكلة في ان تخطأ وانما المشكلة كلّ المشكلة في ان تصرّ على الخطأ من دون ان تتوقف لتفكر به وتتعلم منه.
   لازال أمامنا هامشٌ من الوقت لإعادة تقييم التجربة بالكامل، ولعلّ في هذا فرقٌ كبيرٌ جداً بين العهدين، عهد الطاغية الذليل الذي ألغى اي هامش للإصلاح ولذلك كانت النتيجة تدمير كل شيء، اما اليوم فهوامش الإصلاح والتغيير وإعادة النظر قائمة في كلّ آن بشرط الإرادة.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=60405
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 04 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 15