• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أين كاظمية الغيظ من سُلوكياتنــا ؟! .
                          • الكاتب : اسامة العتابي .

أين كاظمية الغيظ من سُلوكياتنــا ؟!

كثيرةٌ هي الدروس التي تنبذق من مدرسة الإنسانية والطهاره مدرسة أهلُ بيّت العصمة والكرامة ، لإن الأطلاع الحقيقي والواعي والمُثمر على فصول ومضامين السيرة العطرة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم المُعطاء وإحياء أمرهم ، تكمن في أن نستوحي منهم الحقَيقة الساطعة للإسلام ، والقيم المُثلى التي جاء بها ، والمَبادئ الإنسانية التي دعا إليها ، لأنهم الترجمان الحقيقي والنموذج الأمثل لحمل وتجسيد تعاليم السماء والثوابت الإنسانية ، ومن ثم نُترجم ما أستوحيناه منهم إلى سلوكياتنا ...ونهج وعمل كي نكون زينا لهم لاشيناً عليهم .
الأمام الكاظم ( روحي له الفداء ) الذي نعيش ذكرى شهادته العطرة ، هو أحد نماذج تلك المَدرسة الرسالية التي تغذت من وحي السماء ، ورضعت من رحيق النبوة ، أعطى خلال مسَيرته دروساً بليغة تعكس النهج القرآني في نشر ثقافة الإسلام النقية والتعبير عن رؤيتها للحياة والإنسان والوجود ، فإن من يدخل إلى الدوحة الرسالية لهذا الأمام لا يخرج منها إلاّ وهو قد أزداد يقيناً وتنوراً ، واتسع أفق محتواه الروحي والفكري والأخلاقي ، فكان حاضراً حضوراً قيادياً تربوياً ثورياً يرسم مشهداً حُسيناً بكل ما تضمنته لوحة الحسين من معاني وقيم ومبادئ ، فلم يتمكن السجن وظلمته وعذابه ، ولا قيوده وسلاسله ووحشته ، من ثني عزيمة الأمام وإيقاف مسيرته، أو إرغامه على التنازل عن ثوابته أو مهادنة ومجاملة السلطة الظالمة ، أو سلوك منهج التبرير والتمرير الذي تسكر في أفيونه قيادات التميع والركون .
وفي ظلَّ جوٍ مشحون بالطائفية المَقيته ، أنقل هُنا قصة تعكَس سمو الأخلاق ، وملكوتية الروح ، ورسالية الموقف ، وكاظمية الغيظ ، وسعة الصدر ، وإنسانية الكاظم ، في كيفية التعامل مع الغير وأن كان معادياً لنا . فقد روي الشيخ المفيد في أرشاده : أن رجلاً كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى (ع) ويسبّه إذا رآه ويشتم علياً (ع) فقال له بعض جلسائه يومـاً : دعنا نقتل هذا الفاجر فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر. فسأل عن العُمري فذُكر أنه يزرع بناحية من نواحي المدينة. فركب إليه فوجده في مزرعة له فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري لا توطأ زرعنا فوطأه أبو الحسن (ع) بالحمار حتى وصل إليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه وقال له: «كم غرست في زرعك هذا؟» فقال له: مائة دينار. قال: «وكم ترجو أن تصيب؟» قال: لست أعلم الغيب. قال له: «إنما قلت لك ترجو أن يجيئك فيه» قال: أرجو أن يجيئني فيه مائة دينار. قال: فأخرج أبو الحسن (ع) صرّة فيها ثلاثمائة دينار وقال: «هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو». قال: فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطه فتبسّم إليه أبو الحسن (ع) وأنصرف، قال: وراح إلى المسجد فوجد العمري جالساً فلمّا نظر إليه قال: ((اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) قال: فوثب أصحابه إليه فقالوا له: ما قصتك قد كنت تقول غير هذا؟ قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الآن وجعل يدعو لأبي الحسن (عليه السلام) فخاصموه وخاصمهم فلمّا رجع أبو الحسن (ع) إلى داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: «أيّما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت؟ إنني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت به شرّه » الارشاد 2 : 231 .
 
هذه الرواية هي رسالة كاظمية للجميع في كيفية التعامل مع الآخرين تعاملاً إسلامياً إنسانياً منتجاً ، ينطلق من روح المحبة والمودة ويتعالى على غريزة الثأر والانتقام ويترفع عن حضيض البغضاء والعداء والسباب والاستكبار وسلب الحقوق . 
25 / رجب الأصب / 1436 هـ 
ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر (ع) .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=61923
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 05 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 08 / 4