• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : التسبيح والحمد .
                          • الكاتب : عامر ناصر .

التسبيح والحمد

بسم الله الرحمن الرحيم 
 
قال سبحانه : (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) الصافات .
وقال سبحانه : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الحمد .
التسبيح : تنزيهٌ لله جلّ وعلا ، ولصفاته عن كل كدر وشوب .
الحمد هو: الثناء على الجميل الإختياري.
 
وقد ورد التسبيح في القرآن الكريم حكاية عن مخلوقاته سبحانه حوالي (49) مرة ، مثل قوله تعالى : 
1-(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) الحديد 
2-( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) 44الاسراء
3-( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) 13 الرعد
4-( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء
 
وجاء التسبيح في صيغة أمر من عنده سبحانه مثل قوله تعالى :
 
1- (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) آل عمران
2- (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)طه
3- (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) الواقعة
4- (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)ق
 
وجاء التسبيح بالحمد ( 14 ) مرة مثل : 
1- (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) البقرة30
2- (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الاسراء
3- (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ )5 الشورى
4- (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
)الزمر75
 
كل ذلك حكاية عن مخلوقاته سبحانه ، أما الحمدُ لوحده فلم يرد في الكتاب العزيز إلا في حالات ثلاث :
 
ألأولى : أنه هو سبحانه حمد نفسه مثل :
 
1-الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)الكهف
2-الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. 1 سبأ
3-الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ 1 فاطر
 
الثانية : حكاية عن مخلوقاته سبحانه مثل :
 
1-وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ 43 الأعراف
2- وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)النمل
3- وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ 74 الزمر
 
الثالثة : وقد جاءت بصيغة ألأمر مثل :
 
1- فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) المؤمنون
2- قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى النمل59
 
من كل ما تقدم يتضح أن لكلٍ من الحمد والتسبيح خصوصيته ، وأن لكليهما علاقة بالآخر، فإن معنى الحمد هو: الثناء على الجميل الإختياري ، والمدح أعمُ منه ، فيقال حمدت فلانا أو مدحته لكرمه ، ويقال مدحت الؤلؤَ على صفائه ، ولا يقال حمدته على صفائه .
ومن هنا جاء أن المعنى هو الثناء على الجميل الإختياري ، فصفة الكرم صفة جميلة إختيارية يتصف بها الكريم ، بينما صفة صفاء الؤلؤ ليست صفة إختيارية بل هي صفة إجبارية .
إذاً فإن الحمد توصيف ، والتوصيف هو ألإحاطة بالشيء ، فإنك لا تستطيع أن تصف رجلا بصفة الكرم ، مالم تُحط بهذه الصفة ، والصفة تحكي الموصوف ، فصفة الكرم تحكي حالة الرجل الكريم ، كما أن صفة صفاء الؤلؤ تحكي حالة الؤلؤ الصافي .
 
وبما أنه سبحانه وتعالى لا يحده شيء ولا يحيط به ولا بشيء من صفاته ولا أفعاله شيء:
قال سبحانه : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)الزمر، 
وجاء في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين(ع) : (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ اَلْقَائِلُونَ وَ لاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ اَلْعَادُّونَ وَ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ اَلْمُجْتَهِدُونَ اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ اَلَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ….) .
وبما أن عباده وجميع مخلوقاته موصوفة بالعجز أمام جميع صفاته وأسماءه وأفعاله و كنه ذاته ، لذلك فمن غير المعقول أن يصف العاجز عن ألإحاطة بصفة واحدة من صفاته سبحانه ، ثم يأتي هذا الوصف مطابقا لحقيقة الحق سبحانه بدون أن تشوبها شائبة جهلٍ أو كدورة ، فمن أين للناقص أن يصف الكامل ؟ بل الكمال كله بل مطلق الكمال (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) البقرة255 ، و (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) طه .
من هنا جاءت الآية الكريمة (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) الصافات ، جاءت لتنزهه سبحانه عن وصف الواصفين له وهم اولئك المتصفين بالنقص والعجز كما أسلفنا ، فكل توصيف له منهم فهو إنما جاء من خلال مفاهيم محدودة عندهم بسبب محدودية عقولهم وإدراكاتهم ، فكل وصف له من قبل هؤلاء ، فهو سبحانه أجلُّ منه وأعلى (وَ كَمَالُ اَلْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ اَلصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ اَلْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ اَلصِّفَةِ ) نهج البلاغة .
 
وذلك لإن الناس عامة لا يتجاوز فهمُهُم المحسوسَ ولا يرقى عقلهم الى ما فوق عالم المادة والطبيعة ، لذلك لم يأت الحمدُ له سبحانه مجرداً من غير أن يُشَفَّع بالتسبيح إلا من خلال طوائف ثلاث :
 
ألأُولى : هي الله جل ذكره ، حيث حمد نفسه في مواقع كثيرة كما أسلفنا .
 
الثانية : هي طائفة المُخلَصين( بفتح اللام ) وهم اولئك الذين طهرهم الله سبحانه وإجتباهم وأخلَصهم لنفسه وعلَّمهم ، فهم لوحدهم الذين يستطيعون أن يَمسُّوا حقائق الكتب السماوية والمعارف ألإلهية ، فكان توصيفهم عين توصيفه سبحانه ، وهم الذين إستثناهم في ألآية الكريمة حيث قال : (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) الصافات ، وهم ألأنبياء وألأوصياء (ع) .
 
الثالثة : فهم سكان جنانه ، فبعد أن رفع ما في صدورهم من غِلٍ كانوا إخواناً على سرر متقابلين , وبعد أن من الله عليهم وحباهم بنوره وإرتفعت عنهم حُجُبُ الظلام وشاهدوا الحقيقة ، حيث جاء في الكتاب العزيز حكاية عنهم (وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) يونس .
 
إذاً إن أدب العبودية هو أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه سبحانه ولا أكثر ولا أقل ، وكما ورد في الحديث الحديث الشريف : (لااحصي ثناء عليك ، انت كما اثنيت على نفسك ) .
 
أما ما جاء في أول سورة الحمد المباركة : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) إنما هو تأديبٌ بأدبٍ عبودي ، ما كان للعبد أن يقوله لولا أن الله تبارك وتعالى قاله نيابةً وتعليماً لما ينبغي الثناء به . 
أما كلمة الْحَمْدُ فإن ألأف واللام ليست تعريفية وإنما هي للإستغراق والاطلاق ، ويعني ذلك : أن ما من حمدٍ يَحمَده حامدٌ إلا كان لله سبحانه حقيقة ، وذلك لإن كل جميلٍ وكل حَسَنٍ فهو منه سبحانه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ )السجدة7 ، وقوله سبحانه : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)الزمر62 ، فأثبت أن كل شيء فهو مخلوق من قبل الله سبحانه ، كما أثبت الحُسنَ لكل شيء مخلوق ، فالحُسنُ متعلق ٌ بالخلق والخلق متعلقٌ بالحُسن ، فهو سبحانه جميل بأفعاله جميل بصفاته ، فله إذاً كل الحمد إطلاقاً وإستغراقاً ، فإن كلمة الْحَمْدُ لله ما تركتْ ولا أبقتْ شيئا من المحامد إلا وجعلته لله سبحانه ، فما من حمدٍ إلا وهو داخلٌ فيها .
 
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين 
 
 
المصادر:
1- الميزان في تفسير القرآن
2- التوحيد للحيدري
3- المعجم المفهرس 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=63329
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 06 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 02 / 27