• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : نظرة سريعة في رواية ضمان القيمة بالمثل لأبي ولاد الحنّاط .
                          • الكاتب : د . رزاق مخور الغراوي .

نظرة سريعة في رواية ضمان القيمة بالمثل لأبي ولاد الحنّاط

المقدّمة

وضعت الشريعة المقدّسة مجموعة من القواعد الّتي تساهم في حفظ ممتلكات الغير في المجتمع، وتلزم الغاصب أوالمسيطر عنوة على مال أوملك أو حقّ غيره بوجوب ضمان ما أخذه إلى مالكه وردّه إليه، ومن هذه القواعد قاعدة الضمان وهي متفرعة من قواعد فرعية مثل قاعدة اليد والاتلاف والغصب وغيرها، الّتي تداولها الفقهاء كمستند لإثبات الضمان كغيره من القواعد، مثل قاعدة من أتلف مالاً، أو قاعدة الغرور ونحوها، الّتي تشكّل بمجملها نظاماً كاملاً في احترام أموال الغير وممتلكاتهوحقوقه.
ويقع الكلام في هذه الرواية في عدة امور :
1-سند الرواية ومتنها
2-دلالة الرواية على الضمان 
3- الخلاف في الدلالة والراي الماخوذ
    اما سند الرواية فقد ورد النص كما في كتاب الكافي بهذه الصيغة :
(عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط قال: اكتريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا وخرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحوالنيل فلما أتيت النيل خبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت مما بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أن أتحلل منه مما صنعت وارضيه فبذلت له خمسة عشردرهما فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل فقال لي: وما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليما، قال: نعم بعد خمسة عشر يوما، فقال: ما تريد من الرجل؟ قال: اريد كرى بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما فقال: ما أرى لك حقا لانه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكرى فلما رد البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكرى، قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبوحنيفة فأعطيته شيئا وتحللت منه فحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبدالله (ع) بما أفتى به أبوحنيفة فقال في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماء ها وتمنع الارض بركتها، قال: فقلت لابي عبدالله (ع): فما ترى أنت؟ قال: أرى له عليك مثل كرى بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل ومثل كرى بغل راكبا من النيل إلى بغداد ومثل كرى بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه، قال: فقلت: جعلت فداك إني قد علفته بدراهم فلي عليه علفه، فقال: لا لانك غاصب، فقلت: أرأيت، لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه، قلت: فمن يعرف ذلك؟ قال: أنت وهو إما أن يحلف هو على القيمة فتلزمك فإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا فيلزمك، قلت: إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحللني فقال: إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبوحنيفة بالجور والظلم ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حل بعد معرفته فلاشئ عليك بعد ذلك، قال أبوولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به أبوعبدالله (ع) وقلت له: قل ماشئت حتى اعطيكه فقال: قد حببت إلي جعفر بن محمد (ع) ووقع في قلبي له التفضيل وأنت في حل وإن أحببت أن أرد عليك الذي أخذت منك فعلت ) [1].
وجاء في سند الرواية عدة اشخاص باسمائهم الصريحة او غيرها وورد تعبير العدة المستعمل في الكافي في عدد غير قليل من الروايات ومن اللازم الوقوف عند كل راو وتفسير المقصود من قول الكليني عدة من اصحابنا .
اما العدة من الاصحاب فهي محلولة لان المقصود بالعدة التي تروي عن احمد بن محمد بن عيسى او بن خالد البرقي وقد صرح الكليني ان المقصود من العدة عن احمد بن محمد هو ثلاثة من مشايخه وبهذا تحل مشكلة العدة فيتم السند من نهايته .
اما رجال السند فلم يرد في احدهم شيء سوى ان ابا ولاد الحناط وهو حفص بن يونس المخزومي الآجري هو متحد كما يقول علماء الرجال مع حفص بن سالم المخزومي وقد وثقه الشيخ النجاشي في رجاله والشيخ الطوسي في كتاب الفهرست والرجال [2] .
اذن فالرواية من جهة السند تامة .  
واما دلالة الرواية فقد احتج الفقهاء بهذه الرواية على عدة امور تضمنتها الرواية منها :
اولا:تعيين يوم الضمان في المقبوض المضمون على القابض .
ثانيا:ان الدابة المستاجرة امانة مضمونة عند التفريط في حفظها.
ثالثا:ان المستاجر لايضمن حتى يتعدى حدود الاستيجار .
رابعا : حكم المستاجر اذا اتلف قيميا كالدابة .
وهذا ما ذكر في صحيحة أبي ولاد وتعتبر هذه القاعدة مؤكدة له ومعاضدة حيث صرح بالضمان بالنسبة الى المنافع المستوفاة التي هي خارجة عن مورد الاجارة على خلاف فتوى أبي حنيفة [3].
الخلاف في الدلالة والراي الماخوذ:جاء الخلاف في الدلالة عند المذهب الحنفي على لسان أبو حنيفة وهي في المنافع المستوفاة،حيث تدل عليها وهي أمر مفروغ منه ولم يحتج الى النزاع والجدال ولم يقع موردا للسؤال ولعل دفعها الى المؤجر المكاري من أول الامر ولم ينكر ذلك ابو حنيفة ولا غيره من الاطراف المعينة.
وقد يقال ان هذا هو المستفاد من صحيحة أبي ولاد بدعوى الاقتصار على التعرض لأجرة المنافع المستوفاة والسكوت عن دفع الاجرة المسماة يكشف على ان الواجب انما هو أجرة المثل فحسب [4] .
اذن لا محيص عن المصير الى ما اختاره الاعم الاغلب من الفقهاء من استحقاق كلتا الاجرتين خلافا لابي حنيفة المنكر لضمان المنفعة المستوفاة زعما منه ان الخراج بالضمان [5]كما يظهر من صحيحة أبي ولاد المتقدمة.
ومنها ـ صحيحة أبي ولاد، حيث جاء فيها: قلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني ؟ قال : نعم قيمة بغل يوم خالفته . فيقال : إنّ هذا يعني 
وجوب أداء قيمة يوم الغصب ، وهذا يدلّ على كون البغل قيميّاً ; إذ لو كان مثليّاً لكان المترقّب أن يكون عليه قيمة يوم الأداء لا قيمة يوم الغصب .
إلاّ أنّ هناك نكتتين تثيران الانتباه في هذه الرواية :
الاُولى ـ أنّ المترقّب على تقدير قيميّة البغل أن تكون العبرة بقيمة يوم التلف ; لأنّه يوم الانتقال إلى القيمة ، فياترى لماذا فرض في الحديث أنّ العبرة بقيمة يوم الغصب ؟!
والثانية ـ لماذا جعلت العبرة في الحديث في قيمة التالف بقيمة يوم الغصب وفي الارش بقيمة يوم الأداء حيث قال : عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه ؟! فأيّ فرق بين فرض التلف وفرض العيب ؟! وجعل يوم الردّ قيداًلخصوص العيب مع فرض كون العبرة بقيمة يوم الغصب ، أي : قيمة العيب الثابت في يوم الردّ بلحاظ سوق يوم الغصب ، بعيد .
وبالإمكان أن يقال : إنّ اختلاف قيمة البغل خلال خمسة عشر يوماً ـ وهي المدّة المفروضة في الحديث حيث قال : ( وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً ) ـ على أساس التضخّم أو على أساس قوانين العرض والطلب بعيد ; لأنّ التضخّم في ذاك الزمان وبحسب الوضع الاقتصادي المبسّط وقتئذ لا يحتمل عادة في هذا الوقت القصير ، كما أنّ اختلاف العرض والطلب في هذه المدّة القصيرة أيضاً بعيد ; لأنّ البغل ليس كالفاكهة مثلاً يفترض أنّه بعد خمسة عشر يوماً راج على الأشجار فكثر استيراده في الأسواق أو انتهى وقته فقلّ وجوده فيها ، وإنّما الشيء المترقّب هو اختلاف قيمة البغل باختلاف أوصافه سمناً وهزالاً وصحّةً وسقماً وكسلاً ونشاطاً ، فالمقصود بقيمة البغل يوم المخالفة قيمة البغل في أوصافه التي ثبتت في يوم المخالفة .
وإطلاق الحديث لفرض اختلاف القيمة السوقيّة باعتبار التضخّم أو تبدّل وضع العرض والطلب غير ثابت لا لمجرّد كون هذا فرضاً نادراً حتّى يقال : إنّ الندرة لا توجب الانصراف إلاّ الانصراف البدوي ، بل لما مضى منّا من دعوى ارتكازيّة ضمان المثل مطلقاً ونستفيد من الندرة مساعدتها على سهولة الانصراف ، أي : أنّ هذا الارتكاز إن صعب فرضه موجباً للانصراف عن حالة شائعة فلا صعوبة في فرضه موجباً للانصراف عن حالة نادرة .
وإذا فسّرت الرواية بهذا التفسير كان الفرق العقلائي بين فرض التلف ومسألة الأرش واضحاً ، فقد جعلت العبرة في ضمان التالف بلحاظ حالات البغل سمناً وهزالاً وصحّةً ومرضاً بيوم المخالفة باعتباره يوم الغصب ، وجعلت العبرة في الأرش بمدى سعة وضيق الجرح أو الكسر يوم الردّ ; لأنّه لو توسّع الجرح أو الكسر يوم الردّ كان مضموناً ، ولو تضيّق فقد خرج من ضمان ذاك المقدار من الصحّة بالتسليم ، وكذا أصبحت النكتة العقلائيّة لجعل الضمان مرتبطاً بما في يوم المخالفة دون يوم التلف واضحة ; لأنّه إن تدهور وضع الحيوان من بعد يوم المخالفة كان التدهور مضموناً على الغاصب ، وإن تحسّن وضعه ثمّ تراجع مرّة اُخرى ، فهذا التحسّن كان تحت رعايته فمن المعقول أن لا يكون مضموناً عليه .
ولنا تقريب آخر لإبطال دلالة هذه الرواية على المقصود ، وهو أنّ من المحتمل صحّة النسخة التي لم يدخل فيها اللاّم على البغل ولعلّها هي النسخة المشهورة ، فيكون النصّ هكذا : « نعم قيمة بغل يوم خالفته » لا « قيمة البغل يوم خالفته » ، وعلى هذا التقدير من المحتمل كون كلمة البغل غير منوّنة بأن تكون مضافة إلى يوم المخالفة ، وعلى هذا التقدير من المحتمل أن تكون القيمة مضافة إلى بغل يوم المخالفة لا مضافة إلى البغل مع كون مجموع المضاف والمضاف إليه
مضافاً إلى يوم المخالفة ، والفرق بينهما واضح كما يقال في « هذا بيض دجاج زيد » : إنّنا تارة نفترض أنّ البيض مضاف إلى الدجاج والدجاج مضاف إلى زيد ، وهذا يعني أنّ زيداً له دجاج ، ودجاجه قد بيّضت . واُخرى نفترض أنّ بيض الدجاج مضاف إلى زيد ، وهذا لا يستلزم كون زيداً مالكاً للدجاج ، بل قد يكون مالكاً لبيض الدجاج وقد اشترى البيض من السوق مثلاً فأصبح مالكاً للبيض من دون امتلاكه للدجاج ، وكذلك الحال في المقام فقد نفترض أنّ قيمة البغل مضافة إلى يوم المخالفة ، وهذا يشمل بالإطلاق مثلاً فرض اختلاف القيمة على أساس التضخّم أو على أساس قانون العرض والطلب ، وقد نفترض أنّ القيمة مضافة إلى بغل يوم المخالفة ، فالاختلاف ابتداء بين يوم المخالفة ويوم آخر إنّما هو في البغل واختلاف القيمة يكون بتبع اختلاف البغل ، فلا إطلاق له لفرض اختلاف القيمة على أساس التضخّم أو قانون العرض والطلب ، وإنّما النظر يكون إلى اختلاف القيمة بلحاظ اختلاف أوصاف نفس البغل ومع وجود هذا الاحتمال لا يتمّ الإطلاق .
وقد تقول : إنّ الاحتمال الآخر أيضاً ثابت ، وذلك بأن يكون البغل مع اللاّم أو منوّناً أو تكون قيمة البغل مضافة إلى يوم المخالفة فيتمّ الإطلاق ، فيكون ردعاً عن الارتكاز ، وهذا وإن لم يزد على مستوى الاحتمال ولكن احتمال الردع كاف في عدم ثبوت الإمضاء ، كما أنّ احتمال الردع في ما مضى من روايات عتق الشريك لحصّته من العبد وارد خصوصاً في الرواية الثالثة التي دلّت على نسخة الكافي على ضمان المعتق لقيمة يوم العتق ، وسند الكافي وإن كان ضعيفاً لكنّه يكفي لاحتمال الردع المانع عن القطع بالإمضاء .
ولكنّنا نقول : إنّ هذا المقدار لو كان كافياً للردع عن مثل هذا الارتكاز فإنّنا لسنا بحاجة في المقام لإثبات ضمان المثل دائماً أو قل ضمان قيمة يوم الأداء إلى التمسّك بثبوت الإمضاء والقطع بعدم الردع ، لما مضى من أنّ هذا الأمر الارتكازي يكفي في إسباغ الشرعية عليه تثبيته بقاعدة لا ضرر أو الإلتفات إلى أنّ هذا الارتكاز يخلق للأدلّة اللفظية للضمان ظهوراً في ضمان المثل أو قل : في ضمان قيمة يوم الأداء ، وتلك الأدلّة اللفظية لو لم يكن لها إطلاق لكل موارد الضمان كما لو فرض عدم ثبوت إطلاقها لبعض أقسام اليد والتلف مثلاً كفانا عدم احتمال الفرق في انقسام الأمتعة إلى المثلي والقيمي وعدم انقسامها باختلاف موارد الضمان 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=64297
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 07 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 04 / 19